بنفسج

في زمن الشاشات والضجيج: التربية حصن الإنسان الأخير

الأحد 10 مايو

كيف تربي طفلك؟
كيف تربي طفلك؟

لا يزال هذا العالم يُخيفني بكلّ ما يحمله من اضطرابٍ وفوضى، وبكلّ تلك الكوابيس المتهافتة التي تتسلّل إلينا يوميًا من كلّ صوب، حتى غدت تضجّ داخل أرواحنا دون أن نجد مهربًا منها. قصصٌ كنّا نظنّها بعيدة عنّا، تحدث في أماكن نائية لا تمتّ إلينا بصلة، فإذا بها اليوم تقترب شيئًا فشيئًا حتى أصبحت تُلامس محيطنا القريب، بل وتقتحم تفاصيل أيامنا.

أتساءل كثيرًا: كيف اقترب كلّ هذا الحد؟ كيف اعتدنا سماع هذه القصص حتى فقدنا دهشتنا وخوفنا منها؟ وكيف أصبحنا نمرّ عليها مرورًا عابرًا، نسمعها ثم ننساها سريعًا دون أن نتوقّف قليلًا لمراجعة أنفسنا، أو للتفكير في هذا التحوّل المخيف الذي أصاب أرواحنا؟ وسط هذا الشؤم الذي يملأ الحياة الاجتماعية، وفي ظلّ ما نراه في البيوت وأماكن العمل والشوارع ووسائل التواصل، يكبر الإنسان وهو يحاول التمسّك باليقين والإيمان بالله، لأنّهما الحبل الوحيد الذي يُنقذ القلب من السقوط في هاوية الخوف والعبث.

التربية السليمة الصالحة، القائمة على الدين والأخلاق، ليست أمرًا ثانويًا في حياة البشر، بل هي مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة يُسأل عنها الإنسان أمام الله يوم الحساب. وعلى قدر صلاح التربية يكون صلاح الأجيال والمجتمعات. فالمجتمع المتماسك لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه البيوت التي تُخرّج أبناءً يحملون الضمير والخوف من الله والقيم الراسخة.

هذا التطوّر الهائل الذي حُظينا به، والذي ظننّاه يومًا نعمةً مطلقة، قد يتحوّل في لحظةٍ ما إلى نقمة علينا وعلى أبنائنا إن لم نحسن التعامل معه. لقد أصبح الإنسان اليوم مرهونًا لهذا التقدّم العجيب؛ تتبدّل الأدوار بسرعة، وتُختصر العلاقات، ويُستغنى عن الإنسان في كثير من المواقع لأنّ وجوده بات مُكلفًا أحيانًا أو لأنّ الآلة أصبحت تقوم مقامه.

وربما بعد سنوات طويلة من التجارب الحياتية أدركتُ أنّ الإنسان يمكن الاستغناء عنه في أدوار كثيرة، إلا في التربية. فالتربية ليست وظيفة عابرة يمكن أن تُسلَّم لآلة أو شاشة أو عالمٍ افتراضي، بل هي بناء روحٍ وعقلٍ وإنسانٍ جديد مقبلٍ على هذه الحياة الصاخبة بأصواتها وألوانها وفتنها. إنّ الاستغناء عن دور الإنسان في التربية يعني بداية انحدار المجتمع وسيره البطيء نحو الهاوية، لأنّ الأمم لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالسقوط حين تُهمِل بناء الإنسان.


اقرأ أيضًا: القصص المنسية: قصص تستحق أن تُروى


التربية السليمة الصالحة، القائمة على الدين والأخلاق، ليست أمرًا ثانويًا في حياة البشر، بل هي مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة يُسأل عنها الإنسان أمام الله يوم الحساب. وعلى قدر صلاح التربية يكون صلاح الأجيال والمجتمعات. فالمجتمع المتماسك لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه البيوت التي تُخرّج أبناءً يحملون الضمير والخوف من الله والقيم الراسخة. مجتمعٌ كهذا لا تُلقيه الرياح القادمة من كلّ اتجاه، لأنّ أصله ثابت وجذوره سليمة مهما اشتدّت العواصف.

يُربّى الطفل أولًا على القرآن والعقيدة، على معرفة الله ومحبّته، وعلى الأخلاق التي يكتسبها بالضرورة من والديه قبل أيّ أحد آخر. فالطفل لا يتعلّم من الكلام بقدر ما يتعلّم من القدوة؛ يرى الصدق في صدق والديه، ويرى الرحمة في تعاملهم، ويرى الاحترام في ألفاظهم وأفعالهم. لذلك كانت القدوة الركيزة الأساسية في تربية أيّ طفل، لأنها تُكسبه الثقة والطمأنينة وتزرع داخله المعاني دون حاجة إلى كثير من الوعظ.

وما الضير لو أخذ كلّ واحدٍ منّا دوره الحقيقي؟ ما الضير لو التفت الآباء إلى النعم التي بين أيديهم، وإلى مسؤوليتهم العظيمة تجاه أطفالهم؟ فالأبناء ليسوا مجرد مرحلة عابرة في حياة الإنسان، بل هم أمانة من الله، وزينة الحياة، ومستقبل المجتمعات القادمة. وبأيدينا، وبعد توفيق الله ومعيّته، نستطيع أن نغرس في نفوسهم قيمًا سامية تُهذّب السلوك وتُقيم الفطرة على الاعتدال والرحمة والخير.

فالطفل في بداية عمره يكون نتاج والديه وأهله وبيئته، لكنّ الأمر لم يعد يقف عند هذا الحدّ اليوم؛ إذ أصبح أيضًا نتاج الشاشات المفتوحة على كلّ شيء. شاشات لا تُغلق أبوابها أمام أيّ محتوى، ولا تمنع قبحًا أو انحرافًا أو فكرةً مسمومة. بضغطة زرّ واحدة قد ينقلب المحتوى، فينقلب معه وعي الطفل وسلوكه وتفكيره دون أن يشعر أحد. ولهذا أصبحت التربية اليوم أصعب من أيّ وقتٍ مضى، لأنّ الأهل لم يعودوا يواجهون تحديات الواقع وحده، بل يواجهون عالمًا كاملًا يدخل إلى بيوتهم عبر هاتف صغير.

ومع ذلك، تبقى التربية في أساسها قائمة على الحبّ؛ ذلك الحبّ الذي يمنح الطفل الأمان والاحتواء، لكنه لا ينفصل أبدًا عن التوجيه الحازم والحكمة والانضباط. فالعاطفة هي أول ما يكتسبه الطفل من أبويه، لكنها وحدها لا تكفي، لأنّ الحبّ دون توجيه قد يتحوّل إلى ضعفٍ يفسد السلوك بدل أن يهذّبه. لذلك كان التوازن بين الرحمة والحزم ضرورة حقيقية في بناء شخصية الطفل.


اقرأ أيضًا: بالصور والرموز: هكذا تتشكل فلسطين في عقلية أطفالنا


إنّ طفل اليوم هو شابّ الغد، وهو نتاج تربية وتجارب ومواقف ومؤثرات متراكمة. هو نتاج منظومة سليمة حظيت بالفهم والإدراك للفتن وسوء الأخلاق، منظومة تُربّيه على تبعيّة الدين لا تبعيّة الجمهور، وعلى الأخلاق الحميدة لا التقليد الأعمى للسلوكيات المحيطة به. لأنّ أخطر ما قد يواجه الإنسان اليوم هو أن يفقد بوصلته الأخلاقية وسط هذا الضجيج الهائل.

ولا شكّ أنّ ميدان التربية متعب وشاقّ في هذا العالم الكبير والمفتوح، لكنّ ثماره تبقى للأبد، ويبقى أثره ممتدًا في الأبناء والأحفاد والمجتمعات. وما يزرعه الإنسان في أبنائه من خيرٍ ووعيٍ وإيمان يعود إليه يومًا طمأنينةً وأجرًا وبركة. وليوقن الإنسان دائمًا أنّ الهداية من الله وحده، وأنّ التوكّل عليه واجب، أمّا أداء الأمانة وبذل الجهد في التربية فهو فريضة لا ينبغي التفريط بها مهما اشتدّت الفتن وتغيّرت الأزمنة.