تبلغ أهمية التعليم في غزة أهمية الحرية نفسها؛ فالتعليم حقٌّ يجب التمسك به، أما الحرية فلم نستطع الاحتفاظ بها. وبين الحقين المفقود والمهدد، يقف أطفال غزة حاملين أحلامهم الصغيرة في مواجهة واقعٍ قاسٍ لم يترك لهم سوى الصبر والأمل. الماضي والحاضر كمثل غيمة بأشكالها المختلفة. أما الغيمة البيضاء فهي الماضي؛ ناصعة وجميلة، لا تحمل سوى الماء النقي والخير. وأما الحاضر فهو أسود كسواد الغيوم الغاضبة التي تحاول إغراق كل من يقع تحتها. ماضٍ أبيض وحاضر أسود، فبأي لون نستقبل المستقبل؟
كنت أستيقظ كل صباح بنشاط استعدادًا للذهاب إلى المدرسة. كانت المدرسة مبنى متينًا، تحيط به الجدران وتحميه الأسقف، وتضج ساحاته بأصوات الطلاب وحيويتهم. وكان سائق الحافلة ينتظرني كل يوم أمام باب منزلنا. كنت أترقب تلك اللحظة يوميًا، فأصعد إلى السيارة وأخرج رأسي من النافذة لأستنشق الهواء الطلق، بينما ينطلق السائق مسرعًا لإيصالي إلى المدرسة، خاصة عندما أتأخر عن موعده.
لم يكن التأخر يشغلني كثيرًا، فكل ما كان يهمني هو الوصول إلى المدرسة، والالتقاء بأصدقائي ومعلميَّ، والمشاركة في الطابور الصباحي، والاستماع إلى الإذاعة المدرسية، والجلوس في مقعدي بين زملائي. كانت تلك التفاصيل الصغيرة تشكل عالمي الجميل الذي أعيش فيه.
لكن كل ذلك أصبح جزءًا من الماضي. جاء وقت الحاضر، وفي يوم بدا هادئًا في بدايته، تكدست الغيوم السوداء الغاضبة في السماء. لكنها لم تأتِ مع الرياح كما اعتدنا، بل خرجت من الأرض على هيئة نارٍ ودخان وانفجارات. صمت الأذان فجأة بسبب انفجارٍ عنيف استيقظت على صوته قبل أن أبدأ روتيني اليومي المعتاد للذهاب إلى المدرسة.
بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي، ولم يمضِ وقت طويل حتى وصل الخبر: الاحتلال الصهيوني استهدف مدرستي. في تلك اللحظة انهارت المدرسة، وانهار معها جزء من أحلامي وطموحاتي الصغيرة. ومع ذلك، فرحت قليلًا في البداية، ظنًا مني أن الأمر مجرد عطلة مؤقتة، وأنني سأحصل على بعض الراحة في المنزل ثم أعود إلى مقاعد الدراسة بعد أيام.
لكن الأيام تحولت إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور. ومع ازدياد فترة الانقطاع، بدأ الملل يتسلل إلى قلبي، وبدأت أفتقد أصدقائي ومعلمي ومدرستي. كنت أتساءل عنهم باستمرار، وأبحث عن أي خبر يطمئنني عليهم. وفي إحدى المرات، ذهبت إلى والدي بكل براءة وسألته: “أبي، أبي… متى ستنتهي العطلة لأعود إلى المدرسة؟ لقد اشتقت إليها.”
ساد الصمت. لم أجد جوابًا، ولم أسمع سوى ذلك الصمت الثقيل الذي كان أبلغ من أي كلمات. مضت الأيام، وتحركت دائرة النزوح من مكان إلى آخر، حتى جاء دورنا. كان ذلك من أصعب الأيام التي يمكن أن يعيشها إنسان يحب أرضه ويتمسك بحقه في الحياة الكريمة. نزحنا إلى مكان بعيد عن بيتنا، بعيد عن مدرستي، بعيد عن كل شيء اعتدت عليه. انتقلنا من منزل كان يمنحنا الدفء والأمان إلى خيمة لا تعرف معنى الاستقرار.
وفي أحد الأيام، وصلنا خبرٌ يقول إن مدرسة ستُفتتح في المخيم الذي نقيم فيه. فرحت كثيرًا. كانت فرحتي كبيرة إلى درجة أنني لم أنم تلك الليلة. ظللت أتخيل المدرسة الجديدة، والفصول الدراسية، والأصدقاء الجدد، وأجواء التعلم التي اشتقت إليها طويلًا. حل الصباح أخيرًا. استيقظت مبكرًا، وارتديت ما استطعت من ملابسي، واستعددت للذهاب إلى المدرسة الجديدة. خرجت من الخيمة ووقفت عند بابها منتظرًا.
اقرأ أيضًا: حين يصبح التعليم مقاومة.. مدارس تُولد من رحم الحرب
نظر إليَّ أبي متعجبًا وسألني: “لماذا تقف هنا يا بني؟” أجبته بكل بساطة: “أنتظر السائق.” ابتسم أبي ابتسامة امتزجت بالألم، ثم قال: “تعال يا بني… ها هي المدرسة.” وأشار إلى أكبر خيمة في المخيم. نظرت إليها بدهشة كبيرة، ثم بدأت أسير نحوها. لم تكن تبعد سوى خطوات قليلة عن خيمتنا. دخلت إليها، وجلست في مكاني الذي لم يكن سوى بساط مفروش على الأرض. نظرت حولي فلم أعرف أحدًا. لا أصدقائي الذين اعتدت الجلوس معهم، ولا معلمي الذين أحببتهم، ولا المقاعد التي حفظت ملامحها.
جلست في الخلف، بينما كانت دمعة حبيسة في عيني، تحاول الخروج. وفي اليوم التالي، لم يكن لدي الحماس نفسه للذهاب إلى المدرسة. كانت السماء تمطر بغزارة، ومع ذلك ذهبت. وعندما وصلت، لم أجد الطلاب داخل الصف كما توقعت، بل وجدت مستنقعات من المياه التي تسربت من سقف الخيمة، حتى أغرقتها بالكامل.
في غزة لم تعد الحقوق تُسرق فقط، بل صار العالم يشاهد ضياعها بصمت، وكأن المظلوم مطالب في كل يوم أن يثبت أنه إنسان يستحق الحياة والتعليم والأمان. سلام عليك يا غزة، طبتِ وطاب جهادك وصبرك، وبقيتِ رغم الجراح عنوانًا للثبات والأمل.
حينها شعرت أن تلك الغيمة السوداء التي حطمت أحلامنا أول مرة عادت من جديد لتدمر ما نحاول بناءه من أمل. اختلطت دموعي بماء المطر الذي بلل ثيابي بالكامل، بينما كنت أقف من بعيد أنظر إلى الخيمة الغارقة. تذكرت سريري الدافئ، وذلك اللحاف الذي كان يحميني من البرد، وتلك الجدران التي كانت تمنحني الشعور بالأمان.
أما الآن فأقف تحت المطر، أراقب خيمتنا ومدرستنا تغرقان مع أول هطول للمطر، وكأن الحياة تصر على اختبار قدرتنا على الصبر في كل يوم. وفي النهاية أقول: في غزة لم تعد الحقوق تُسرق فقط، بل صار العالم يشاهد ضياعها بصمت، وكأن المظلوم مطالب في كل يوم أن يثبت أنه إنسان يستحق الحياة والتعليم والأمان. سلام عليك يا غزة، طبتِ وطاب جهادك وصبرك، وبقيتِ رغم الجراح عنوانًا للثبات والأمل.

