أربعة وعشرون عامًا ليست مجرد سنوات مضت فحسب، بل أعوام مجبولة بالقهر والأسى، سُرقت خلالها آلاف اللحظات الجميلة، وآلاف القبلات الدافئة، ودفء العائلة ولمّتها. غير أن كل ذلك لم ينل يومًا من عزيمته، ولا من يقينه الراسخ بالفرج، ولا من إيمانه بحرية منتظرة بعون الله.
في مكان لا يشبه الحياة، حيث الرطوبة الخانقة، والجدران الباردة الشاهدة على فصول المعاناة والحرمان، والأسوار العالية، والأبواب الموصدة، هناك يتجسد الموت البطيء بعيدًا عن أعين العالم؛ عالم يصبح أصمّ أبكم عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين وقضاياهم العادلة. وبين تلك الجدران الباردة تتواصل فصول الحرمان يومًا بعد يوم.
حكم بــــ 29 مؤبدًا و24 عامًا

حكايتنا اليوم عن الشيخ الأسير فتحي الخطيب من بلدة قفين قضاء طولكرم، المحكوم بالسجن لمدة 29 مؤبدًا و24 عامًا. حتى قراءة هذا الرقم تبدو معقدة وغير مستوعبة، فما بالك أن يقضي الأسير الفلسطيني أكثر من عشرين عامًا متتالية في سجون وزنازين الاحتلال، بعيدًا عن أمه وأبيه وزوجته وأولاده وأصدقائه، محرومًا من التجول في أزقة بلدته، والنزول إلى الحارة، وسماع أصوات الباعة، وصعود الجبال برفقة الأصدقاء، والاستمتاع بطعام يحبه. كثيرة هي التفاصيل اليومية التي نمارسها دون اكتراث لعظيم تلك النعم؛ كأن نستيقظ في منزل يؤوينا إلى جوار أبنائنا. أمور باتت روتينًا يوميًا نمارسه، لكنها بالنسبة للأسرى أحلام مؤجلة، وتفاصيل يتمنون عيشها.
يؤمن الشيخ الأسير فتحي إيمانًا راسخًا بأن الفرج قريب، ويستمد من يقينه بالله قوة لا تتزعزع أمام سنوات الأسر الطويلة. ويحافظ على ثقة تامة بأن الحرية آتية لا محالة، وأن يوم اللقاء بأهله وأحبته بات أقرب مما يظن الجميع، إذ يعيش على يقين متجدد بأن الغد قد يحمل معه بشارة العودة إلى بيته وأبنائه.
اقرأ أيضًا: ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد
تصف الخالة أم مصعب زوجها بالبشوش والكريم، وتضيف: “ملتزم جدًا بصيامه وصلاته وقيام الليل وقراءة القرآن، وكان دائمًا يجمع العائلة ويكون حنونًا عليهم، وواثق أنه الفرج آتٍ لا محالة رغم أنف السجان”. وبقلب محتسب، تقول الخالة الصابرة أم مصعب إنها تحتسب أجر غياب زوجها عند الله، وتواجه قسوة الأيام بالصبر واليقين، فيما تعيش على أمل اللقاء به يومًا ما خارج أسوار السجن، بين أولاده وأحفاده الذين كبروا على صوره والقصص التي تذكرهم به.
وكرّست الخالة أم مصعب سنوات عمرها لتنشئة أبنائها على نهج الأنبياء، وغرس الأخلاق الحميدة والقيم الأصيلة في نفوسهم كما كان يتمنى زوجها. كما تحملت مسؤولية الأسرة كاملة خلال سنوات الغياب الطويلة، فأشرفت على تعليم الأبناء ومتابعة شؤونهم، ورافقتهم في محطات حياتهم المختلفة حتى زواجهم، وتكفلت بإدارة متطلبات المنزل وتفاصيله اليومية، لتؤدي دور الأم والأب معًا بكل ما يحمله ذلك من أعباء وتحديات.
حرمان من العائلة

وقد انعكست آثار الغياب القسري على حياتها وحياة أبنائها بكل تفاصيلها، ومع ذلك وقفت كشجرة أصلها ثابت، تظلل أبناءها بالحب والأمان، وتحاول تعويض غياب الأب، خاصة بالنسبة للأبناء الذكور. أربعة وعشرون شهر رمضان غاب فيها الأب والسند خلف القضبان، إلا أن حضوره ظل راسخًا في الذاكرة، في صوره المعلقة، وفي أحاديث العائلة، وفي الدعوات التي لا تنقطع له بالفرج والعون. وكذلك الحال مع أعياد ومناسبات كثيرة انقضت وكان فيها الشيخ غائبًا قسرًا.
رُزق الشيخ، البالغ من العمر 66 عامًا، بأربعة عشر ابنًا وابنة من زوجتيه، كبر كثير منهم وهو خلف القضبان، محرومًا من مشاركتهم تفاصيل حياتهم ومناسباتهم السعيدة والحزينة. وهو جد لأربعة وثلاثين حفيدًا، أكبرهم سارة التي تبلغ من العمر 19 عامًا.
اقرأ أيضًا: أم الأسيرين محمود وصهيب الغرة تكابد وجع الأسر ومرارة النزوح
وفي الثامن من أيار/مايو عام 2002، اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ فتحي عقب اقتحام عنيف لمنزله في بلدة قفين، حيث عمد الجنود إلى العبث بمحتوياته وتخريبها. وخلال عملية الاعتقال تعرض الشيخ للاعتداء بالضرب والتنكيل على أيدي الجنود، قبل أن يُقتاد مكبلًا إلى الجيب العسكري، لتبدأ رحلة طويلة من التحقيق والمعاناة.
وكان قد مضى على زواج الخالة جميلة من الشيخ فتحي عشرون عامًا حين اعتُقل، وهو اعتقال ألقى بظلاله الثقيلة على الزوجين وأبنائهما. ولم يكن ذلك الاعتقال الأول في مسيرته، إذ سبق أن تعرض للاعتقال أربع مرات، غير أن الاعتقال الأخير كان الأطول والأشد أثرًا على العائلة.
وتتابع الخالة جميلة حديثها عن محطات حياتها الزوجية، التي أمضى زوجها نصفها خلف قضبان السجن، وتقول: “الواحد وعشرين سنة اللي مضين بكفة، والسنتين وثمان شهور بكفة ثانية، يعني بعد حرب الإبادة على غزة، لأنه الاحتلال ما ترك وسيلة تعذيب ولا تنكيل إلا وطبقها على الأسرى، شفنا المر فيهن وكيف الأسرى عايشين”.
حالة صحية متردية

وبقلق دائم تترقب أي أخبار عن زوجها الأسير، إذ لا يراعي الاحتلال عمر الأسير أو إصابته بالأمراض، فالشيخ يعاني من مشكلات صحية متعددة، وهي تدرك خطورة الأوضاع التي يمر بها الأسرى. ولعل أجساد الأسرى المحررين الهزيلة خير شهادة على ما تمارسه إدارة السجون بحقهم، من اقتحامات متكررة للغرف، وعمليات قمع دون مبرر، وضرب وتجويع وسياسات عزل وإهمال طبي ممنهج.
وعبرت العائلة عن قلقها الدائم إزاء الشيخ الأسير فتحي، الذي يعاني من مشكلة صحية في الظهر ومشكلات في النظر، فيما تخشى من تفاقم وضعه الصحي في ظل ما تعيشه السجون من أوضاع لا إنسانية بالغة الصعوبة منذ الحرب على قطاع غزة. وفي آخر زيارة للمحامي للشيخ في سجن نفحة، أفاد بأن وضعه الصحي جيد، غير أن آثار التقدم في العمر والأمراض المزمنة التي يواجهها تبدو جلية على ملامحه وحركته.
كما وصل إلى العائلة، عبر أسرى محررين التقوا بالشيخ فتحي، أنه فقد الكثير من وزنه خلال فترة اعتقاله، حتى بات يزن نحو 55 كيلوغرامًا. وتتمنى العائلة لقاءً قريبًا يجمعها بالشيخ، مطالبة جميع المؤسسات الإنسانية والحقوقية بالتدخل لوقف الجرائم التي ينتهجها الاحتلال بحق أكثر من تسعة آلاف أسير وأسيرة.
اعتقال الابن أيضًا

ولم تتوقف سياسة الاعتقال عند الشيخ وحده، بل طالت أبناءه أيضًا. ففي الوقت الحالي يعتقل الاحتلال نجله الصحفي أحمد الخطيب في سجن النقب الصحراوي، حيث يخضع للاعتقال الإداري، وقد خسر أكثر من 20 كيلوغرامًا من وزنه بسبب قلة كميات الطعام المقدمة للأسرى، والتي بالكاد تكفي طفلًا صغيرًا. ومع ذلك، تصل العائلة رسائل اطمئنان عنه عبر أسرى محررين.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت أحمد من أمام منزله في الثاني والعشرين من حزيران/يونيو عام 2025، وحولته إلى الاعتقال الإداري. ويُذكر أنه سبق أن تعرض للاعتقال مرتين. ويأتي استهداف العائلات والأسرى المحررين ضمن سياسة ممنهجة يهدف الاحتلال من ورائها إلى التضييق على الفلسطينيين، وتفكيك نسيجهم الاجتماعي، وملاحقة كل من ارتبط بتجربة الأسر أو عائلات الأسرى، في محاولة للحد من دورهم وتأثيرهم في المجتمع وكسر عزيمتهم.
وفيما تتسلح عائلات الأسرى بالصبر والدعاء، فإنها تواصل انتظار الفرج مهما طالت سنوات الأسر والقهر، مؤمنة بأن الحرية حق لا يسقط بالتقادم، وأن فجر الانعتاق لا بد أن يأتي مهما اشتد الظلام.

