لم يكن دخولي إلى سجن الدامون مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل عبورًا تدريجيًا من عالم الأسماء والحرية إلى عالم الأرقام والأقفال. كان الهواء يثقل، والمساحات تتضاءل، والضجيج يخرس رغمًا عنه، حتى لم يعد أمامي سوى صمت المواجهة ووجع الانتظار. سجن الدامون، ذلك الكيان الأسمنتي الرطب البارد الذي طالما سمعت عنه حكايات الأسيرات اللاتي سبقنني، كنت على موعد معه كأسيرة تخطو نحو المجهول. لم أكن أعرف حينها أن جدرانه لا تحكي فقط قصص القهر، بل تصنع أيضًا من الصمود أسطورة شامخة، وهو ما أكتبه وأرويه لكم الآن.
أغلق السجّان الباب خلفنا، وتعالت في أذني أصوات الأقفال وهي تُحكم إغلاقها واحدًا تلو الآخر. لم أكن أملك القدرة على عدّها أو الانتباه إلى عددها؛ فقد كنت منهكة إلى حدٍّ أفقدني التركيز على كثير من التفاصيل. كل ما أدركته حينها أنني الأسيرة الحادية عشرة في تلك الغرفة الضيقة، وأن ساعات طويلة من التحقيق والإرهاق تركت ذهني مثقلًا ومشوّشًا، حتى خُيّل إليّ أن بضع ساعات من النوم قد تعيد إليّ شيئًا من صفائي الذهني.
أثار ذلك الضوء في نفسي شعورًا خانقًا بالضيق. لطالما نفرت من الإضاءة الصفراء، ولم أعتد الضوء الساطع بعد غروب الشمس، لكن السجن لا يعترف بتفضيلات الأسرى أو رغباتهم. هناك، يبدو أن كل ما يناقض راحتهم يتحول إلى أمر واقع، وإلى خيار وحيد مفروض عليهم لا يملكون حياله إلا التعايش.
ومع اقتراب المساء، بدأت أراقب العتمة وهي تزحف ببطء عبر نافذة صغيرة تعلو الجدار قرب السقف. كانت النافذة محاطة بطبقات متعددة من القضبان متفاوتة السماكة، كأنها تؤكد أن السماء نفسها بعيدة المنال. وقبل أن تكتمل سيادة الليل، كانت كشافات قوية ذات ضوء أصفر فاقع تتولى المهمة، فتقتحم الغرفة عبر النافذة بقسوة، وتحل محل ضوء النهار.
أثار ذلك الضوء في نفسي شعورًا خانقًا بالضيق. لطالما نفرت من الإضاءة الصفراء، ولم أعتد الضوء الساطع بعد غروب الشمس، لكن السجن لا يعترف بتفضيلات الأسرى أو رغباتهم. هناك، يبدو أن كل ما يناقض راحتهم يتحول إلى أمر واقع، وإلى خيار وحيد مفروض عليهم لا يملكون حياله إلا التعايش.
كانت الغرفة قديمة البناء، لا شك بأنها أقدم من عمر دولة الاحتلال، جدرانها سميكة تشي بثقل السنوات التي مرت عليها. ارتفع سقفها إلى علوٍّ لافت، أظنه أكثر من أربعة أمتار، تتقاطع فيه عوارض معدنية تزيد المكان قسوة وبرودة. وفي الجهة الأمامية للغرفة، انتصب باب معدني ثقيل يفضي إلى ممر طويل ينتهي عند غرفة السجّانين، وكأن كل شيء في المكان صُمم ليؤكد للأسيرة أنها تحت المراقبة الدائمة.
اقرأ أيضًا: سردية السجن المؤنث: قراءة في مسار اعتقال الاحتلال للفلسطيني
في أعلى الباب نافذة صغيرة تحجبها قضبان حديدية متقاطعة فيما يشبه الشبك، ومن الخارج غُطيت بطبقة سميكة من البلاستيك الشفاف الشبيه بالزجاج. لم تكن تلك الطبقة مجرد حاجز إضافي، بل كانت تعمّق الإحساس بالعزلة، حيث تمنع الأصوات من اجتياز هذا العازل، وتزيد من المسافة بين الأسيرات والعالم خارج الغرفة.
أما في الثلث السفلي من الباب، فكانت هناك فتحة صغيرة لا يتجاوز عرضها ثلاثين سنتيمترًا وارتفاعها عشرة سنتيمترات، اسمها بحسب مفردات السجن "الأشناف". من خلالها تُمرر وجبات الطعام والاحتياجات اليومية. وقبيل كل وجبة، كان السجّانون يفتحون بابها المعدني الصغير لدقائق معدودة، ثم يعيدون إغلاقها بإحكام بعد انتهاء التوزيع، ويثبتون عليها قفلًا من الخارج، في مشهد يومي يذكّر الأسيرات بحقيقة القيد المفروض عليهن في كل جزء من تفاصيل حياتهن.
في الجهة الخلفية من الغرفة يوجد مرحاض صغير للغاية، لا يزيد عرضه على ستين سنتيمترًا تقريبًا، بينما لا يتجاوز طوله ثمانين سنتيمترًا. يفصله عن بقية الغرفة باب خشبي مهترئ، فقد قدرته على الإغلاق المحكم منذ زمن، حتى باتت الأسيرات مضطرات إلى الاستعانة بإحداهن للوقوف خارجه وإبقائه مغلقًا بيدها، بسحبه نحوها، ريثما تنتهي الأسيرة في الداخل من قضاء حاجتها، حفاظًا على الحد الأدنى من الخصوصية.
اقرأ أيضًا: سجن الدامون: ما خفي عن التغطية
ولم تتوقف المعاناة عند ضيق المساحة أو تهالك الباب، بل امتدت إلى تصميم المرحاض نفسه. فقد كانت أرضيته مكوّنة من مستويين مختلفين؛ إذ يرتفع الجزء الخلفي الذي يشغل نحو ثلثي المساحة، قرابة ثلاثين سنتيمترًا عن الجزء الأمامي المتبقي. ونتيجة لهذا التصميم الغريب، كانت الأسيرة تضطر إلى بذل جهد إضافي أثناء الجلوس على الكبينة، إذ تقع حافتها الأمامية تمامًا عند نهاية الجزء المرتفع من الأرضية، ما يجعل القدمين معلقتين في الهواء دون أن تستندا إلى الأرض بشكل طبيعي، في وضعية مرهقة وغير مريحة تضيف عبئًا جديدًا إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسر.
وأكثر ما يثير الاستغراب في ذلك المرحاض هو غياب أي مصدر مستقل للمياه. فلم يكن فيه مغسلة أو صنبور يمكن استخدامه للغسل أو التنظيف الشخصي، بل اقتصر وجود الماء على الماسورة المتصلة بالكبينة والمخصصة لشطفها بعد الاستخدام. وما عدا ذلك، فلم يكن له مكان أصلًا داخل الحمام، ما جعل المكان يعاني نقصًا فظيعًا في مراعاة أبسط الاحتياجات الإنسانية، ليصبح ما يُفترض أن يكون مرفقًا صحيًا مجرد مساحة ضيقة تؤدي وظيفة محدودة، وتترك الأسيرات تواجه ما يترتب على ذلك من مشقة يومية وإحساس دائم بانعدام الراحة، ناهيك عن انعدام الخصوصية.
وفي الجهة الخلفية من الغرفة أيضًا، هناك مغسلة صغيرة تعلوها حنفية للمياه الباردة، مثبتة مباشرة بمحاذاة الجدار، الأمر الذي جعل استخدامها أكثر صعوبة وأقل راحة. وإلى جانبها امتدت قطعة معدنية مسطحة لا يتجاوز طولها أربعين سنتيمترًا، كانت الأسيرات يضعن عليها الأطباق القليلة التي يمتلكنها بعد غسلها. وبرغم بساطة هذا المرفق وضيق مساحته، فقد كان يؤدي وظائف متعددة في الحياة اليومية داخل الغرفة، حيث تتشارك الأسيرات استخدامه لتلبية احتياجاتهن الأساسية وسط ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.
لم يكن في الغرفة أي كرسي أو طاولة أو قطعة أثاث يمكن أن تضفي شيئًا من الراحة على المكان. اقتصر ما فيها على أبراش معدنية مطلية باللون الأزرق، جميعها من طابقين، وكان عددها أقل من عدد الأسيرات المقيمات في الغرفة. لذلك كانت بعضهن تضطر إلى افتراش الأرض للنوم، رغم ما تحمله من رطوبة وبرد يتسللان إلى الجسد طوال الليل، في معاناة إضافية تفرضها محدودية المكان واكتظاظه.
وعلى الجدران وُضعت رفوف معدنية على هيئة طاقات صغيرة، بعدد الأبراش تقريبًا. كانت كل أسيرة تخصص لها طاقة تضع فيها ما تملك من ملابس وأغراض شخصية، لتتحول تلك المساحة الضيقة إلى عالمها الخاص داخل الغرفة، وإلى المكان الوحيد الذي تحفظ فيه ما تبقى لها من مقتنيات بين الجدران المغلقة.
اقرأ أيضًا: خلف زنازين الإداري: أبانا الذي يشيخ وحده.. فيصل سباعنة
بعد انتهاء عدِّ الخامسة مساءً، وإغلاق القسم، أخبرت الأسيرات برغبتي في الوضوء وأداء الصلاة، فقد أردت قضاء الصلوات التي فاتتني خلال يوم طويل من التنقل في "البوسطة"، وكان وقت صلاة المغرب قد دخل حينها. توجهت إلى المرحاض محاولةً تدبر أمري رغم المشقة الكبيرة التي كنت أعانيها. آلام الرقبة والظهر تثقل حركتي وتجعل أبسط الخطوات مهمة شاقة، فيما زادت ظروف المكان الأمر تعقيدًا؛ إذ لم يكن الماء متوفرًا بالشكل اللازم للاستنجاء أو الطهارة، ولا حتى للوضوء بصورة ميسرة.
هناك، وجدت نفسي أحاول التوفيق بين حاجتي إلى العبادة وبين واقع يفتقر إلى أبسط المقومات التي تجعل ذلك أمرًا ميسرًا. تناولت قليلًا من الطعام المتاح، وقد أدركت حينها ضآلة الكميات التي تُوزع على الأسيرات، والتي لا تكفي لحاجاتهن اليومية. وبعد ذلك جلسنا نتعارف ونتسامر لبعض الوقت، في محاولة لكسر ثقل المساء ورتابة السجن...

