منذ اللحظة الأولى لولادة الأبناء، تخشى الأم عليهم من كلّ شيء، تمهّد الطريق لخطواتهم الأولى بلهفة، وتركض نحوهم عند كل هفوة، تبذل جهدها في حمايتهم، في قولبة أفكارهم، وصقل شخصياتهم، وبناء الرجال والقيم الدينية والوطنية، إذ تعتبر الأم أطفالها مشاريع حياة.
ففي فلسطين لا مجال لعيش تفاصيل معاني الطفولة، يكبر الأطفال هنا سريعًا على وقع الاقتحامات واعتقال الآباء واغتيال الإخوة وهدم البيوت، ووسط هذا المشهد المخيف تتعامل الأم الفلسطينية مع أطفالها كرجال، فسرعان ما يكبرون رغمًا عنهم وعنّا، في ظل احتلال لا يرقب فينا إلًّا ولا ذمّة، احتلال يسرق منّا أبسط أحلامنا، ويغتال فرحة أعمارنا، ويقتنص كل اللحظات الجميلة ويحوّلها إلى ذكرى موجعة، فهذا ديدن الاحتلال.
أم لأسيرين

منذ لحظة اعتقال الشقيقين إسلام وسليم محمد بدارنة من بلدة يعبد جنوب غرب جنين، توقّف الزمن عند والدتهما، وأصبح كلُّ شيءٍ باهتًا صامتًا، والليل طويلًا في غيابهما، والأيام والانتظارُ الذي صار عنوانًا لأيامها، وجزءًا من تفاصيل حياتها.
أينما تولّي وجهها ثمّة ذكريات تربطها بأولادها، هناك تعالت ضحكات إسلام، وهناك همس سليم في أذنها سرًّا، وفي ذاك المكان اجتمعت العائلة على المائدة وسط أجواء من الحب والألفة، وما إن يحل الليل، لا يهدأ قلبها إلّا بعودتهم إلى المنزل، إذ تبقى على أعصابها كلّما سمعت بكلمة “نشاط” على يعبد، أي اقتحام قوات الاحتلال للبلدة، والذي بات حدثًا يوميًا، تسارع بالاتصال بهم، وتُلِح عليهم بالعودة إلى المنزل، خوفًا من رصاص الاحتلال الذي لا يفرّق بين أحد.
اقرأ أيضًا: الأسير فتحي الخطيب: مسن قضى 24 عامًا في السجون ولا يزال
لا تجد لها ملاذًا سوى الله، تُناجيه بالدعاء وتتضرّع إليه أن يحفظ أبناءها ويردّهم إليها سالمين. منذ أن غيّب الاحتلال أبناءها عن عينيها، تعيش السيدة إيمان سمير أبو بكر قهر الغياب في كل يوم، والدعاءُ سلاحُها وملاذُها الآمن، تتضرّع إلى الله أن يحفظ أبناءها ويردّهم إليها سالمين غانمين معافين من كل أذى وبلاء.
في كل لحظة تفكر بهم، تداهمها جملة من الأسئلة: ماذا يفعلون؟ ماذا يأكلون؟ هل شبعت بطونهم؟ كيف أصبحت أجسادهم وأشكالهم؟ هل سأعرفهم فور تحررهم؟ هل يشعرون بالبرودة؟ كيف حالتهم الصحية؟ على هذا المنوال تقضي يومها، تشرد بذهنها بعيدًا هناك عند أولادها، لتخونها الدموع وتنهمر على خديها، تشكو قلّة حيلتها أمام احتلال يجند كل إمكاناته لقتل الفلسطيني، متلذذًا بعذاباته وأهله.
اعتقال بلا أحكام

فراغ كبير تركه غياب إسلام وسليم عند العائلة، يشتاقونهما في كل تفاصيل يومهم، يفتقدونهما على المائدة عند اجتماع الأهل والأحبة، وما يصبّر أم إسلام استعانتها بالصبر والصلاة والدعاء ووجود الأهل بجانبها. تقول أم إسلام: “ملاذي الدعاء والصبر والاحتساب، فالحمد لله على كل حال، إسلام وسليم لم يغيبوا عني للحظة، فهم في كل نبضة من قلبي، وفي كل دعوة أرفعها بين يدي الله، فاحفظهم بعينك التي لا تنام، وفكّ أسرهم، واجعل لهم من كل ضيق فرجًا، ورُدّهم سالمين مجبورين”.
إسلام وسليم شقيقان في العشرينات من العمر، محبّان للحياة، يحظيان بمحبة الناس وتقديرهم، لخُلقهما الطيب، لكن الاحتلال كعادته يتلذذ في تنغيص حياة الفلسطينيين، إذ اعتقلهما بفارق أربعة أشهر فقط.
قبل نحو عام اعتقلت قوات الاحتلال سليم بعد اعتقال والده للضغط عليه لتسليم نفسه، إذ يستخدم الاحتلال سياسة اعتقال أفراد العائلة كأداة ضغط على الشخص المستهدف من الاعتقال، بهدف دفعه إلى تسليم نفسه، كسياسة ضغط وابتزاز. وبعد نحو أربعة شهور أعادت قوات الاحتلال اقتحامها لمنزل العائلة، ودمّرت محتوياته، واعتقلت بكر العائلة إسلام (21 عامًا).
يا لشوق الأمهات

لتزداد معاناة العائلة وقلقها الدائم على أبنائها، تقول السيدة أم إسلام: “ما انحكموا ولا بنعرف كم طالبين إلهم، وآخر معلومة وصلتنا إنه وضع السجن سيء، والأكل سيء، إسلام ما بشكي من مرض الحمد لله، وسليم كان عنده سكابيوس وتعافى الحمد لله، وحاليًا عنده أميبا، الله يشافيه ويعافيه”.
تضيف: “ما بنبسط بإشي، حتى لقمة الأكل بخاف أوكل وهمّي بالجوع، وبتمر عليّ ليالي ما بعرف فيها طعم النوم، وأنا بالي مشغول عليهم”. قرار إعدام الأسرى وقع كالصاعقة عليها، إذ ازدادت خشيتها على إسلام وسليم، قرار جاء في وقت يُمارس على الأسرى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل والتجويع.
اقرأ أيضًا: أم الأسيرين محمود وصهيب العزة تكابد وجع الأسر ومرارة النزوح
تطالب أم إسلام كافة الجهات المسؤولة بضرورة العمل على إعادة أوضاع الأسرى إلى ما قبل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والتخفيف من وطأة ما يتعرض له الأسرى في مقابر الأحياء كما يصفها الأسرى المحررون. وعلى أمل اللقاء بهما واحتضانهما، تنتظر الأم فلذتي كبدها، تغدق عليهما بالرضى، وفي رسالة بعثتها لهما تقول فيها: “الله يرضى عليكم يا روحي، اشتقتلكم قد ما الله يعلم، الله يحنّن عليكم ويطمّنا عنكم ويفرحنا بطلعتكم”.
هذا حال أمهات الأسرى، الصبر والدعاء وانتظار الفرج، فيما يخشين فقدان أبنائهن في ظل ما يتعرضون له من انتهاكات جسيمة، في خرق واضح للأعراف الدولية، ناهيك عن ظروف الاعتقال اللاإنسانية، حيث الرطوبة العالية، والازدحام المخيف في الغرف، وشح الطعام غير الصالح للأكل بالأصل، وانعدام النظافة، والعزل، والإهمال الطبي المتعمد، وكثيرة هي السياسات الممنهجة التي تتبعها إدارة مصلحة السجون في سبيل كسر إرادة الأسير والنيل من عزيمته.

