هو غيابُ الروح عن الجسد، وانقطاعُ صمّام الأمان؛ هذا ما يعنيه اعتقال الحبيب والسند بالنسبة لرفيقة دربه وأم أطفاله. غيابٌ ثقيل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ينعكس على كل تفاصيل الحياة اليومية؛ على المائدة، وفي المناسبات والنزهات، وفي المأكل والمشرب والملبس، وحتى في أبسط تفاصيل اليوم التي كانت تكتمل بوجوده. فهناك جسدٌ مغيّب خلف القضبان، في مكانٍ ضيقٍ معتم، بعيدًا عن أسرته وأطفاله، وهناك يتجلى المعنى الحقيقي لقهر الرجال.
واقعٌ تعيشه معظم العائلات الفلسطينية، والسيدة يمان عصفور واحدة من بين آلاف النساء اللواتي بقين وحدهن يكافحن ظروف الحياة على كافة الأصعدة، بعد أن اعتقلت قوات الاحتلال الصهيوني زوجها، الأسير المحرر عادل عبد الجبار موسى دويكات (38 عامًا)، من مدينة نابلس.
اعتقال مفاجئ

كخفافيش الليل، وبعد منتصفه، اقتحمت قوة كبيرة من جنود الاحتلال الصهيوني المدججين بالسلاح منزل الأسير المحرر عادل دويكات في مدينة نابلس، وكان ذلك في السادس عشر من شهر آب/ أغسطس عام 2025.
وبينما كانت العائلة تغطّ في نوم عميق، استفاق الزوجان على وقع الطرق العنيف بأعقاب البنادق وبساطير الجنود على باب المنزل، ليتفاجآ بعشرات الجنود المدججين بالسلاح وقد انتشروا في أرجاء البيت، في مشهدٍ صادم ومروّع. أما طفلتاهما، ليا وسلمى، فقد استيقظتا مذعورتين على أصوات الاقتحام والطريقة العنيفة التي نُفّذ بها.
وكان المشهد الأكثر قسوة، والذي لا يزال يطارد يمان وبناتها حتى اليوم، لحظة اعتداء عدد من جنود الاحتلال على عادل بالضرب أمام أعينهن، بينما مُنعن من الاقتراب منه أو وداعه، ثم قُيّدت يداه واقتيد إلى الجيب العسكري. مشهدٌ ترك جرحًا غائرًا وشرخًا نفسيًا عميقًا لا يزال أثره حاضرًا في نفوسهن، كما تصفه السيدة يمان.
اقرأ أيضًا: الأسير فتحي الخطيب: مسن قضى 24 عامًا في السجون ولا يزال
سألنا يمان عن مدى الأثر الذي تركه اعتقال زوجها على حياتها وطفلتيها؛ ليا (8 سنوات)، وسلمى التي تبلغ من العمر عامًا ونصفًا، فأجابت: "غياب الزوج والأب بمثابة غياب الروح عن الجسد، وانقطاع صمام الأمان، وما يترتب على ذلك من تحمل مسؤولية مزدوجة في جميع مناحي الحياة؛ نفسيًا واجتماعيًا وتربويًا وماديًا، إلى جانب مواجهة ضغوط نفسية ومالية واجتماعية".
تدرك يمان تمامًا معنى الاعتقال، وحجم المسؤولية التي تُلقى على عاتق الزوجة، وعِظم الابتلاء الذي يفرضه على الأسرة بكل تبعاته. وفي المقابل، تمتلك يقينًا بعظيم الأجر الذي أعدّه الله للصابرين؛ فوالدها، الأسير المحرر عدنان عصفور، قضى سنوات عديدة في سجون الاحتلال، فعاشت شعور ابنة الأسير، واليوم تعيش تجربة والدتها بصبر ورضا، فيما لا يزال شقيقها صايل معتقلًا منذ 21 شهرًا.
رعب لا يتوقف

تضيف يمان: "تحملت مسؤوليات الأسرة والأطفال وحدي، كما شعرت بالقلق المستمر على زوجي وعلى مستقبل الأسرة، واضطررت إلى التكيف مع ظروف جديدة واتخاذ قرارات كنت أتقاسمها معه سابقًا". ألقى غياب عادل بظلاله الثقيلة على طفلتيه، على الصعيدين النفسي والعاطفي. أما طفلته الكبرى، ليا، فتعيش شعور الحسرة كلما حلّت مناسبة عائلية كالعيد أو عيد الميلاد، أو حتى عند رؤيتها أسرة مكتملة الأفراد في الشارع، إذ تستحضر في كل تلك المواقف غياب والدها وتتمنى لو كان حاضرًا ليشاركها تفاصيل حياتها.
اقرأ أيضًا: عائلة الأسيرين بكر وجهاد خريوش: ألم كجمرة لا تهدأ
أما سلمى، فقد كان عمرها تسعة أشهر فقط عندما اعتُقل والدها، فكبرت وهي لا تعرفه إلا من خلال الصور ومقاطع الفيديو القديمة التي تحتفظ بها العائلة. وفي مشهدٍ مؤلم يتكرر مع كثير من أطفال الأسرى، باتت تنادي عمّها وخالها بـ"بابا"، في محاولة عفوية لتعويض غياب أبيها، في مشهد موجع يختصر قسوة الغياب ويكسر قلب يمان. والأشد مرارة في ذلك، ما قاله عادل لمحاميه ذات مرة بأنه لا يتذكر ملامح ابنته سلمى ولا تفاصيلها.
تحاول يمان، بشتى السبل، أن تُبقي حضور زوجها حيًا في وجدان طفلتيها، مستحضرة سيرته في أحاديثها اليومية، فتحدثهما بفخر عن أخلاقه وصفاته ومواقفه، وتحثهما على الاقتداء بما تحلّى به من قيم، والمسارعة إلى فعل ما كان يحبه ويرضاه، في محاولةٍ منها لأن يبقى حاضرًا في تفاصيل حياتهما رغم الغياب القسري.
"مش متذكر بنتي الأصغر"

ويبقى الدعاء سلاحها الذي تتشبث به، تستقوي به على البلاء، وتُصبّر به نفسها ما استطاعت، مستندةً إلى قوة إيمانها ورجائها في رحمةٍ وسعت كل شيء. لم تُخفِ السيدة يمان قلقها الدائم على صحة زوجها، وهو قلق تضاعف في ظل الإجراءات القمعية والانتهاكات المتواصلة التي يتعرض لها الأسرى داخل السجون، والتي تُعد مخالفة لقواعد القانون الدولي والمعايير الإنسانية ذات الصلة بمعاملة المحتجزين.
وتضيف: "كأي عائلة أسير، المخاوف تزداد مع خروج كل أسير من السجن ورؤية حاله وصحته الجسدية والنفسية وآثار القمع والضرب". ومنذ تاريخ اعتقال عادل، مددت محاكم الاحتلال اعتقاله خمس مرات، ولم تصدر حكمًا بحقه حتى اللحظة. وجلّ ما تعرفه يمان عن زوجها هو معلومات عامة؛ فهو معتقل في سجن عوفر، وقد فقد نحو 20 كيلوغرامًا من وزنه، إلى جانب معاناته من الفطريات وآلام متكررة في الأسنان. وسبق أن تعرض عادل دويكات للاعتقال مرتين بما مجموعه خمسة أعوام قبل زواجه.
وفي ظل ما تشهده سجون الاحتلال من انتهاكات متواصلة وخطيرة من شأنها أن تهدد حياة آلاف الأسرى، طالبت يمان المؤسسات الحقوقية والإنسانية والعالمية، والمعنية بالأسرى على وجه الخصوص، بضرورة التدخل السريع لحل أزمة الأسرى وما يتعرضون له من قمع وإجراءات تعسفية وإذلال وانتهاك للحقوق الإنسانية، سواء فيما يتعلق بالطعام وكميته، أو قلة العلاج، أو منع زيارات الأهالي، أو التشديد على زيارات المحامين وما يترتب عليها بالنسبة للأسير، إذ يتعرض في غالبية الأحيان للقمع والضرب.

