"أنتِ صابرة ومحتسبة.. قولي: إنا لله وإنا إليه راجعون"، وصلتها الكلمات من والدتها ثقيلة ومبهمة، فخرج صوتها مرتجفًا، بالكاد يُسمع: "مين استشهد؟". في تلك اللحظة، ارتجفت يداها حتى كاد الهاتف يفلت منهما، وتجمدت قدماها في مكانهما، كانت وقتها في المنزل وحدها دون أطفالها الأربعة، فيما كان صغارها في المسجد يؤدون صلاة الجمعة. داهمها شعور بالحلم، جاءها الخبر الذي كانت تخشاه منذ زمن: زوجها استشهد. وفي غزة كانت جنازته قد انطلقت، فيما تفصلها عنه الحدود والمسافات، وتحرمها الحرب من الوداع الأخير، لم يكن في ذهنها سوى سؤال واحد يتكرر بإلحاح: كيف سأخبر أطفاله؟
استجمعت ما تبقى من قوة، وأرسلت إليهم ليعودوا سريعًا من المسجد القريب. دخلوا البيت دون أن يدركوا أن حياتهم على وشك أن تنقسم إلى ما قبل هذه اللحظة وما بعدها. وقفت أمامهم، تخفي انكسارها بقوة زائفة، وقالت: "أنتم أبناء الأسير المحرر الشهيد مراد الرجوب، ابن مدينة الخليل.. وتعرفون الطريق الذي اختاره والدكم، وتعرفون ثمن هذا الطريق، بابا صار شهيدًا."
لم يكن مراد الرجوب، ابن مدينة الخليل، اسمًا عابرًا في سجل الأسرى الفلسطينيين، أمضى عشرة أعوام من عمره في سجون الاحتلال، وكان محكومًا بالسجن 38 عامًا، قبل أن ينال حريته ضمن صفقة شاليط عام 2011، ليُبعد إلى قطاع غزة بعيدًا عن مدينته وأهله.
في غزة، بدأ فصلًا جديدًا من حياته. تزوج فاطمة أبو كرش، وبنى معها بيتًا وعائلة، ورُزق بأربعة أبناء كانوا بالنسبة له تعويضًا عن سنوات العمر التي سرقتها الزنازين، هنا تحكي زوجته عن سنواتها معه ما بعد الحرية، وعن الحرب الضروس، وعن أمنياته الأخيرة.
أسيرًا مبعدًا وشهيدًا

في 22 نوفمبر 2024، خرج الأسير المحرر مراد الرجوب كعادته متوجهًا إلى صلاة الجمعة على دراجته الخاصة، وفي الطريق، توقف للحظات ليلقي السلام على أحد الشبان، كانت لحظة عابرة لا تستغرق أكثر من ثوان، لكنها كانت الأخيرة في حياته. باغت صاروخ إسرائيلي المكان بشكل مباشر، اخترقت إحدى الشظايا يده قبل أن تستقر في قلبه مباشرة، ليسقط شهيدًا على الفور، دون أن تسعفه فرصة للوصول إلى المسجد أو إكمال ما تبقى من يومه.
تقول زوجته لبنفسج: "كانت لحظة وداعه اللحظة الأشد وقعًا على قلبي، ودعته عبر الهاتف، رأيته مبتسمًا فعرفت ماذا تعني كرامة الشهيد، كنت صابرة محتسبة، عز عليَّ أن أكون خارج غزة ولا أكون معه في أيامه الأخيرة من الحياة، لكن قرار سفري أنا والأولاد كان قراره هو كان خائفًا جدًا أن يصيبهم مكروه، لذلك آثر بعدهم عنه".
اقرأ أيضًا: يتيمة قبل الميلاد: حكاية الوداع الأخير
تضيف بأسى: "قبل السفر بأيام جلس أبو يحيى بين الأطفال وهم نيام يعانقهم واحدًا تلو الآخر ويبكي، فقلت له لن أسافر وأتركك، ما يجري عليك فليجري علينا، كان قد صلى الاستخارة، ونزحنا في اليوم التالي لمركز إيواء وإذ بالقذائف تتطاير حولنا، ويصاب صغيرنا إثر زجاج تكسر عليه، ليقرر وقتها فورًا أن نتحرك للجنوب لنسافر بأقسى وقت ممكن".
نجحت أم يحيى في السفر إلى الخارج برفقة أبنائها الأربعة، بينما بقي أبو يحيى في غزة، يتنقل من مكان إلى آخر، يدرك أنه قد يكون عرضة للاغتيال بصفته أسيرًا محررًا، ومع ذلك ظل يأمل أن يكون اللقاء بأبنائه قريبًا. كان يخبر زوجته دائمًا أن أبناءه هم حصاد عمره كله، وأنه لا يطيق أن يرى أحدًا منهم شهيدًا أو مصابًا، لذلك آثر سلامتهم على قربه منهم، رغم شدة اشتياقه لهم.
مواقف من الذاكرة

قبل الحرب، كان مراد الرجوب يعيش في شقته التي استقر فيها حديثًا. وعندما اندلعت الحرب، لم يكن قد سدد بعد ما تبقى عليه من ديون أثاث الشقة الذي اشتراه بالتقسيط. وخلال أشهر الحرب، أخذ يبحث عن كل من له عليه حق أو مال ليسدد ما عليه، ومن حوله يستغربون تصرفه ويقولون له: "ليس وقته"، لكنه كان مُصرًّا على الوفاء بكل ما عليه من ديون، وكأنه كان يشعر بقرب الرحيل.
نجا أكثر من مرة مع عائلته من الموت، وعاش مرارة الاعتقال في السجون، كما عايش الحروب المتتالية على غزة، وعاش النزوح والتجويع في حرب الإبادة، ومع ذلك، بقيت فكرة فقدان أو إصابة أحد أبنائه هي الأقسى عليه على الإطلاق.
تضيف زوجته: "طوال الأربعة عشر عامًا التي قضيتها معه، كانت تصلنا رسائل تهديد متكررة بأنهم يعرفون مكانه، ويعرفون ماذا يفعل. وحتى عند ولادة أي طفل جديد، كانت تصلنا الرسائل نفسها. وفي كل مرة يتم فيها اقتحام بيت عائلته في الخليل، كانوا يخبرونهم بتفاصيل عن حياة ابنهم في غزة، ويقولون إنه يمارس رياضته الصباحية بالمشي على شاطئ البحر."
كان كلما باغتته نوبة شوق لمسقط رأسه الخليل، وقف على حدود غزة ينظر من الأعلى إلى جبال الخليل، ويشير لأطفاله قائلًا: "أنا من هناك". أعاقه الإبعاد عن الوصول لمدينته لكن قلبه ظل معلقًا هناك، يعلم أطفاله معنى الانتماء، يحدثهم عن ذكريات المدينة التي يحب، والعائلة التي لم يعانقها منذ 24 عامًا.
"على عهد بابا"

انهار الصغار بالبكاء وهم حول الهاتف يشاهدون مراسم تشييع والدهم في غزة، الوجوه المودِّعة، والأكتاف التي حملته، والدموع التي رافقته في رحلته الأخيرة، يحيى ونور الدين وعبد الرحمن وأمير، كل اسم من اسماء الصغار له حكاية، فكان مراد ينتقي الأسماء الأحب لقلبه لهم، كبر الأطفال وكلما كبروا تعلق بهم والدهم أكثر، وهم أيضًا، فكان استشهاده فاجعة على الرغم من علمهم أن الشهادة نهاية الطريق لرجل مثل أبيهم.
تقول فاطمة لبنفسج: "أن تكوني أمًا لأطفال يدخلون في سن المراهقة صعبًا، أحتاج أبو يحيى معي، لكني صابرة راضية بقضاء الله، فهو كان يؤهلني لهذا اليوم يصر عليَّ بأن أتعلم كثير من الأشياء وأعتمد على نفسي قائلًا: "ممكن تفقديني بأي وقت"، فقدته نعم لكن روحه لا زالت معي تقويني في الليالي القاسية".
اقرأ أيضًا: عامان تحت الأنقاض: ندى بدوان حين يجرح الأمل صاحبه
تكمل: "يقلد أولادي والدهم في كل شيء، طريقة الكلام والأسلوب، حتى الطعام الذي كان يحبه يحبونه، أي شخص كان يعرف والدهم يتقربون منه، التقوا بأسرى محررين في مصر قضوا سنوات في السجن مع أبيهم، فما كان منهم إلا التعلق بهم وحبهم، فهم يحدثونهم عن ذكريات والدهم بالسجن".
اعتاد أبناء مراد الرجوب على طقوس ثابتة كان والدهم يحرص عليها معهم، لا سيما في الأعياد، حيث كان يشتري لكل واحد منهم لعبة خاصة به، تحاول فاطمة اليوم أن تحافظ على تلك التفاصيل الصغيرة التي تركها، تقول: "اشتريت لعبة للابن الأصغر أمير، وقلت إن الأكبر قد كبروا ولم يعودوا بحاجة للألعاب. لكنهم أخبروني أن والدهم كان يشتري لهم جميعًا، لذلك عدت وجلبت لكل واحد منهم لعبة كما كان يفعل هو."
في غزة، تبقى مصحف مراد الخاص فبقي أمانة لدى عائلتها، إلى أن يصلها الذكرى الوحيدة الملموسة التي تبقيت منه، مع صور احتفظت بها، وسيرة طيبة ورثها لأطفالها الذي كلما يكبرون يميلون لشكل والدهم أكثر.

