بنفسج

أميرة العربي: هل تنجو من فقدت زوجها وأولادها الثلاثة؟

السبت 09 مايو

الناجي الوحيد من العائلة
الناجي الوحيد من العائلة

كانت نهايةُ كلِّ أسبوعٍ في حياة أمّ نعيم موعدًا ثابتًا لفرحٍ صغير؛ مكافآتٌ بسيطة تعد بها أطفالها مقابل إنجازاتهم، فتتحوّل إلى لحظاتٍ دافئة: قطعةُ بوظةٍ، نزهةٌ قصيرة، أو احتفالٌ متواضع بعيد ميلاد. كانت تلك الطقوس، رغم بساطتها، طريقتها في صناعة حياةٍ آمنة، تمنحهم ما يكفي من الفرح لمواجهة أيامهم.

لكن، خلال شهرٍ واحدٍ فقط، فقدت أمّ نعيم أطفالها جميعًا. تحوّلت تلك التفاصيل التي كانت تُنقذ يومها من التعب إلى ذاكرةٍ مثقلةٍ بالفقد. اليوم، تمرّ نهايةُ الأسبوع كعبءٍ ثقيل؛ الشوارعُ ذاتها، والمحالّ التي اعتادت قصدها برفقتهم، صارت محطّاتٍ موجعة تستدعي غيابهم في كلّ مرة.
لم يعد المرورُ من هناك عابرًا، بل مواجهةً متكرّرةً مع ما كان… وتأكيدًا قاسيًا على ما لم يعد.

ثلاثةُ أبناء… وقلبٌ يتّسع لهم جميعًا

أمهات الشهداء

كانت أميرة (33 عامًا) أمًّا لثلاثة أطفال، كرّست يومها بكل ما فيه من تعبٍ وجهد لتربيتهم. لم تكن أمًّا فقط، بل رفيقتهم الأقرب، تشاركهم تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة. ورغم يومها الطويل والمُرهق، كانت تحرص على جمعهم حول مائدة الطعام، حيث تتحوّل اللحظات العادية إلى مساحاتٍ دافئة من القرب والحديث.

كان نعيم (13 عامًا) الأقرب إليها؛ هادئًا وصبورًا، يقرأ ما في عينيها قبل أن تنطق. بينهما لغةٌ صامتة تختصر الكثير. أمّا أدهم (11 عامًا)، فكان سريع الانفعال، يُخفي ذكاءً لافتًا؛ إذ حفظ 16 جزءًا من القرآن خلال ستة أشهر. بينما كان يامن (8 أعوام) مشاغبًا وخفيف الظل، يملأ البيت حركةً وضحكًا. وبرغم اختلاف طباعهم، جمعهم التفوق، وملأوا حياتها بالفخر والحب.

مع اندلاع الحرب، انقلبت حياة أميرة رأسًا على عقب. في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرّض حيّ الزيتون شرق غزة لحزامٍ ناري، فاضطرت للنزوح جنوبًا مع أطفالها، بينما بقي زوجها في الشمال.

لم تتمكّن من أخذ سوى القليل من الملابس، وسارت معهم على الأقدام في طريقٍ مثقلٍ بالخوف. استقرّت مؤقتًا في النصيرات، لكنها تنقّلت أكثر من مرة بسبب القصف، قبل أن تقرّر البقاء بعدما أنهكهم النزوح. خلال تلك الفترة، انقطعت الاتصالات مع زوجها، وكانت تذهب إلى نقاطٍ يتوفّر فيها إرسال، محاولةً التقاط أيّ خبر.

نجوت وحدي

IMG-20260507-WA0038.jpg

مع حلول عيد 2024، حاولت أن تصنع لأطفالها أجواءً دافئة تُخفّف عنهم. اشترت لهم ملابس جديدة، ثم قرّرت المخاطرة والعودة إلى الشمال عبر شارع الرشيد الساحلي، بعد شائعات عن نجاح بعض العائلات. تقول: “لبّستهم أبيض… كانوا زي ثلاث حمامات”. لكن أثناء الطريق، أُطلقت قنابل فسفورية، فخاف أدهم وقال: “إذا بدنا نكمل يا أنا بموت يا حد منّا”، ثم ركض. لم تتردّد أميرة؛ تركت المحاولة ولحقت به، وعادت مع أطفالها إلى النصيرات.

في المنزل، حمّمتهم وغسلت ملابسهم، محاولةً إقناعهم بالعودة في اليوم التالي. وافق أدهم مبدئيًا، لكنهم رفضوا الطعام. سأل يامن جدّه: “لِمَنِ البيت؟”، فأجابه، ليرد الطفل: “بس إنت رح تموت… وماما لا”. انزعجت أميرة من كلماته، فأبعدته، ثم أدّوا صلاة العصر. لاحقًا، دخلت المطبخ لتحضير الطعام والشاي. وفجأة… توقّف كلّ شيء.


اقرأ أيضًا: ذاكرة الشهداء: كلمات تبقى ما بقي الوطن


أفاقت لتجد نفسها محاصرةً بين سقفين، إلى جانب أسطوانة غازٍ حالت دون انطباق السقف بالكامل. عندها أدركت أن المنزل قد قُصف. نادت عمّتها التي كانت معها في المطبخ، لكن لم يصلها ردّ. لم تسمع سوى أصوات إنقاذ في الخارج، دون أن يتوقّع أحد نجاة حيّ من تحت الركام. عجزت عن الحركة، وفقدت وعيها.

عندما أفاقت، حاولت التقدّم نحو خيط ضوءٍ بعيد، تتدحرج بين الركام، وتنزف من رأسها، فمزّقت فستانها وربطت الجرح. وبعد جهدٍ مضنٍ، وصلت إلى مساحةٍ أوسع، قبل أن يتعرّض المكان لقصفٍ جديد. خفتت الأصوات تمامًا… وبقيت وحدها. مع بزوغ الفجر، سمعت من ينادي: “هل من أحدٍ على قيد الحياة؟”، فأجابت. دلّته على مكانها، وطلبت منه أن يسترها. وقبل إنقاذها… فقدت وعيها من جديد.

على سرير النجاة… الفقد الكامل

الأرامل في غزة

استيقظت أميرة في المستشفى على صوت الممرضات، وسألت عن أطفالها. حاولت إحدى الممرضات تهدئتها، لكنها قالت إنها متأكدة من استشهاد طفليها الصغيرين بعد رؤيا رأتهما فيها بملابس بيضاء. أُبلغت بوصول جثمان يامن، بينما بقي الآخرون تحت الأنقاض. كانت مصابةً بحروقٍ وجروح، ولا تسمع جيدًا. في الشمال، انهار زوجها حين ظنّها مفقودة، ثم عاد إليه أملٌ هشّ بعد تأكده من نجاتها. قال إنه يتمنى نجاة أحد الأطفال، فردّت بهدوءٍ ثقيل: “صعب”.

بعد ثلاثة أسابيع، حاول زوجها الاتصال بها ليخبرها بما رآه، لكن قبل أن تتم المكالمة، وصل خبر قصف الشقّة التي كان فيها. أُبلغت أنه رأى أطفاله في المنام، وقالوا له: “تعال عندنا… هان أحلى”. انهارت. حاولت الاتصال به مرارًا دون رد. ثم جاءها الخبر المؤكد: استشهاده مع شقيقها. 


اقرأ أيضًا: الطبيب الشهيد مروان السلطان: سيرة طبيب قاوم الإبادة


دخلت في انهيارٍ عصبيّ، فقدت شهيتها، وغرقت في حالةٍ من التيه. لجأت إلى طبيبٍ نفسي، واقترح عليها العودة إلى التدريس. لم يكن الأمر سهلًا؛ كانت ترى أبناءها في وجوه الطلبة. حتى أغنية نجاح كانت تعيد فتح الجرح. لكنها، مع الوقت، بدأت تستعيد تماسكها تدريجيًا، وسط ترديد من حولها: “تماسكي… عشانك”.

مع الإعلان عن عودة النازحين، تردّدت: إلى أين تعود؟ ومن سيستقبلها؟ رغم ذلك، قرّرت العودة. تقول: “مشيت أكثر من 10 كيلومتر… الطريق اللي جيت فيه مع أولادي، رجعته لحالي”. وعند الحاجز، كان لكل عائدٍ من ينتظره… إلا هي.

عادت إلى بيتها، تبحث بين الركام عن بقاياهم: ألعاب، دفاتر، صور. وحين لم تجد ما يكفي، لجأت إلى صورهم على مواقع التواصل، تحفظها كأنها ترمّم ذاكرةً تتفكك. دخلت البيت، اغتسلت، ثم نامت. لم يبقَ شيء كما كان… لكنها قرّرت أن تواصل، وأن تكمل ما تبقّى من الطريق.