على سبيل التقديم...[1]
في زمن الحرب، أخطر المعلومات ليست دائمًا الأسرار العسكرية، بل أحيانًا جملة تطمين عفوية تقول: "نحن بخير… انتقلنا إلى المنطقة الفلانية". وفي الحروب لا تُطلق القذائف وحدها، بل تُطلق معها أسئلة الخوف والبحث والنجاة: "أين أنتم؟ من معكم؟ إلى أين انتقلتم؟" وبين هذه الأسئلة تتحول رسالة اطمئنان بريئة، أو ثرثرة عابرة، إلى خيطٍ يكشف دوائر متشابكة من العلاقات والحركة، ويفتح أبوابًا للتتبع لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل محيطهم الاجتماعي كاملًا.
وفي المجتمعات التي تعيش الحرب والتهجير، يُلقى عبء التواصل والاطمئنان غالبًا على النساء؛ فهنّ من ينسّقن دوائر الأمان العائلية، ويتابعن أخبار الأقارب، ويحافظن على استمرارية الروابط الاجتماعية تحت القصف والانقطاع، ومن هنا، تتحول هذه الأدوار اليومية الطبيعية إلى مادة قابلة للقراءة أمنيًا، عبر تتبع الاتصالات، والعلاقات، وأنماط التفاعل والخوف والاطمئنان، بما يسمح بإعادة رسم خرائط الحركة والانتماء والاستدلال على الأفراد المستهدفين.
من هنا، تحاول السطور التالية إعادة النظر في موقع المرأة داخل المجتمعات المقاومة، لا باعتبارها "نقطة ضعف"، بل بوصفها حيزًا اجتماعيًا كثيفًا بالعلاقات والتفاعلات اليومية، يمكن أن يتحول، في عين المنظومات الاستخباراتية، إلى مصدر متدفق للمعرفة الأمنية، فالتفاصيل الصغيرة التي لا تبدو أمنية بحد ذاتها، قد تغدو حين تُجمع وتُحلل وتُربط، جزءًا من شبكة أوسع تُنتج صورة شبه كاملة عن خرائط الحركة والروابط والبيئات الحاضنة، وذلك في سياق حرب الإبادة على قطاع غزة والحرب الإسرائيلية على لبنان.
الاستخبارات الاجتماعية: كيف تُقرأ دوائر النساء أمنيًا

وفقًا لدراسات الأمن النقدي فنادرًا ما تتعامل القُوى العسكرية مع المجتمعات بوصفها حيزًا مدنيًا فقط، بل باعتبارها "تضاريس بشرية"، من عائلة وقرابة وروابط قابلة للتحليل والتنبؤ والتوظيف أمنيًا، بحيث تُصبح هياكلها الجندرية والاجتماعية مواد استخباراتية، من ضمن هذه التضاريس هناك "عواطف النساء" أو "عواطف الفئات المهمشة" والتي تُشكل البنية العاطفية فيها مُدخلًا أمنيًا، مثل خوف الأم وحرص الزوجة وإلحاح الأطفال وغيرها من التفاعلات الإنسانية التي تتحول إلى نقاط ضغط نفسية على المقاوم.
تُطلق الأدبيات على استخدام هذه التضاريس "عسكرة القرابة أو عسكرة الروابط الأسرية" (weaponization of kinship) و (militarization of family ties) وتعني تسليح الروابط وتحويلها إلى أداة تعقّب وضغط على الهدف، وليس مجرد خلفية اجتماعية له، وذلك لاستهدافه كفرد، أو السيطرة على المجتمع المضاد ككل، عبر الشبكات الاجتماعية.
اقرأ أيضًا: سردية السجن المؤنث: قراءة في مسار اعتقال الاحتلال للفلسطيني
وتندرج هذه الأدوار ضمن ما تصفه أدبيات مكافحة التمرد بالشبكات الاجتماعية غير الرسمية "المجندرة" (النسوية)، أي تلك الشبكات التي تؤدي فيها النساء دورًا محوريًا في تعزيز الروابط العائلية، وتبادل الأخبار اليومية، وإدارة المناسبات، وصيانة العلاقات مع المحيط الاجتماعي. كما تُنتج هذه الشبكات معرفة دقيقة حول من زار من، ومن اختفى، ومن تزوج، ومن حضر عزاءً أو مناسبة، ومن يتحرك بين المناطق المختلفة، ما يجعلها إحدى أكثر المساحات حساسية في الوعي الأمني المجتمعي خلال الحرب.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن قراءة دوائر النساء وتفاعلاتهن أمنيًا لا تعني إدانتهن أو تحميلهن مسؤولية الانكشاف الأمني، لأن هذه التفاعلات جزء من أدوار اجتماعية وإنسانية طبيعية، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على الكيفية التي تُستخرج بها المعرفة الأمنية من البنية الاجتماعية نفسها، وكيف تتحول الحياة اليومية تحت الحرب إلى مساحة مفتوحة للرصد والتحليل والتتبع.
وفقًا للباحث المتخصص في شؤون الأمن في قطاع غزة، م.ع، فإن المتابعة الاستخباراتية التي يجريها الاحتلال للمجتمع الفلسطيني لا تتوقف عند حدود المعلومة المباشرة، بل تتجاوزها لما يمكن تسميته "البيئة الاجتماعية" التي ترأسها النساء في الغالب، فتصبح الزيارات والاتصالات ورسائل الاطمئنان ومحاولات التواصل أنماطًا قابلة للقراءة والتحليل، تزداد كثافةً وغزارة بازدياد حالات الخوف والضغط، من نزوحٍ وتهديدٍ أو استهدافٍ مفاجئ لمنطقة ما، أو عملية خاصة، ما يُحولها إلى نقاط ربط استخباراتية دقيقة وفاعلة.
وبالنسبة للباحث، فقد ظهرت خلال حرب الإبادة أنماط للعمل الاستخباراتي والعسكري الإسرائيلي مرتبطة تحديدًا بمحيط المقاومين وعائلاتهم، وغالبًا ما يكون هذا النمط خاتمة لرقابة بشرية متلاحقة وتتبع تقني لصيق. وفي مثل هذه الحالات، فإن المعلومات العفوية المتداولة على ألسنة النسوة والأمهات والأطفال قد تُسهم، من حيث لا يدرك أصحابها، في تفعيل آلية الاستهداف أو تضييق دائرة البحث والتتبع، حتى وإن كان ذلك من باب معاقبة المقاوم والضغط على بيئته الاجتماعية.
زوجة عزام الحية نموذجًا
في هذا السياق يمكن الإشارة إلى ما نشرته "أسماء أبو هين" زوجة الشهيد عزام خليل الحية، من تنقلها الدائم مع أبنائها ونزوحها إلى ما يزيد عن 32 مكانًا ما بين المدارس والمشافي، وتغيير اسم العائلة حتى لا يكون أفرادها مرصادًا لأعين العملاء. في شهادتها تذكر أبو هين أنها وأبناءها سمعوا مرارًا أقوالًا من قبيل "حسبي الله عليك يا خليل الحية إنت وأولادك في الفنادق وإحنا تحت النار" وأن رد فعلهم كان الصمت والاحتساب وعدم الدفاع أو التبرير حتى لا ينكشف أمرهم.
ما نشرته زوجة الشهيد ليس حالة عابرة، وإنما انعكاسًا لإدراك عوائل ونسوة المقاومين أن حياتهم الخاصة تحولت لهدفٍ للمراقبة والمتابعة الأمنية، وتأكيدًا على حسٍ أمني يجد في الصمت والحذر والتنقل والتخفي وعدم الانخراط مع الناس في أحاديثهم وأقاويلهم، وهو مستوى متقدم من الوعي، يتأتى نتيجة الانخراط المطول في بيئة المقاومة وما يرتبط بها من تلمسٍ أمني دقيق وحذرٍ بالغ.
وما نشرته زوجة الشهيد ليس حالة عابرة، وإنما انعكاس لإدراك عوائل ونسوة المقاومين أن حياتهم الخاصة تحوّلت إلى هدف للمراقبة والمتابعة الأمنية، وتأكيد على حسّ أمني يجد في الصمت والحذر والتنقل والتخفي وعدم الانخراط في أحاديث الناس وأقاويلهم وسيلة حماية أولى. وهو مستوى متقدم من الوعي يتأتى نتيجة الانخراط الطويل في بيئة المقاومة وما يرتبط بها من تلمس أمني دقيق وحذر بالغ تجاه التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها قد تحمل دلالات أعمق في عين الرصد الاستخباراتي.
لذا فإن أول جدار حماية في مواجهة الاحتلال هو المجتمع نفسه، والمرأة في قلب هذا الجدار، وهي الأقدر على تحويل الثقافة الأمنية إلى ثقافة مجتمعية وسلوك عام، وعلى التفرقة بين الاطمئنان الضروري والتتبع الخطر".
وفي المقابل، لا يفضل الباحث ذكر حالات بعينها جرى استهدافها نتيجة التخلي عن هذا الحذر، لكنه يشير إليها بوصفها "كوارث" نتجت عن تجاهل إجراءات بسيطة، من قبيل استخدام الهواتف للاطمئنان، أو عدم ضبط المشاعر والتعبير العلني عن الخوف والجزع بمجرد وصول أخبار عن ضربة نارية في أحد الأماكن، أو الفضفضة واستمراء الحديث في تاريخ الأقارب المقاومين وسيرهم، أو الحديث عن مشاركتهم في عملية الطوفان، أو غياب أخبارهم بمجرد اندلاع الحرب، أو إخلائهم لمنازلهم واختفاء عائلاتهم، وغيرها من التفاصيل الاجتماعية البسيطة التي قد تبدو عفوية، لكنها قد تكون دالة على شيء أعمق وأكثر حساسية.
ويصف الباحث ردود أفعال النساء في هذه المواقف بالقول: "قد تظن الزوجة أو الأم أنها تتحرك خارج المجال الأمني للحرب، لكن المجتمع بأكمله، بجميع فئاته، جزء من هذا المجال. لذلك يغدو البحث عن مكان آمن، أو السؤال عن طريق نزوح أقل خطرًا، أو الاستفسار ممن حولها عن نقاط الطعام والدواء والمساعدات، جزءًا من عملية الرصد، ليس لأن هذه الأسئلة معلومة بحد ذاتها، بل لأنها قد تفتح نافذة للتتبع أو التجنيد أو التنصت. لذا فإن أول جدار حماية في مواجهة الاحتلال هو المجتمع نفسه، والمرأة في قلب هذا الجدار، وهي الأقدر على تحويل الثقافة الأمنية إلى ثقافة مجتمعية وسلوك عام، وعلى التفرقة بين الاطمئنان الضروري والتتبع الخطر".
الوعي الأمني كممارسة نسوية جماعية

على الصعيد نفسه، تصف الصحفية اللبنانية غفران مصطفى، النساء تحت ضغط الحروب بأنهن "حاملات أسرار"، لكنها تستدرك وتشير إلى أن بيئة المرأة هي المحدد لوعيها الأمني وليس العكس، تتحدث مصطفى عن تجربتها في تغطية الحرب وآثارها المجتمعية في جنوب لبنان ومناطق النزوح في بيروت وصيدا، وتفاعلاتها اليومية مع النساء، فتروي كيف أن الوعي مختلفٌ من فئة لأخرى، ومتفاوتٍ بين محيطٍ وآخر، وأنه نابع من إدراك أهمية الحرص والمعلومة.
وفقًا لها ففي البيئات الجغرافية الضيقة، تجد النساء أن المعرفة تحمي المعلومة، لذا لا يمانعن بتداولها طالما أنها تدور في فلك "المعارف والأقارب وأبناء البلد"، أما في البيئات الجغرافية الواسعة مثل المدن، التي تختلف نوعية العلاقات فيها، ويختلط الناس من مختلف المشارب، وتصبح الأسئلة مثار شكٍ وليس اطمئنان، فتنغلق النساء على خصوصياتهن، ويملن للتحفظ والكتمان بدرجة أعلى، وهو ما لمسته خلال عملها الصحفي، إذ تتبرع نساء الضيع والبلدات بالمعلومات والتفاصيل بينما تميل نساء المدن لرفض التبادل الاجتماعي، خاصة في ظل الحرب.
اقرأ أيضًا: غزة.. الجرح الذي أعاد تعريفنا
هناك عاملٍ آخر لمسته الصحفية، وهو ارتباط بيئة العائلة بالمقاومة أو قربها منها، إذ عادة ما تتجند هذه البيئة خلف رجالها لإسنادهم، وتكون بالغة الحرص في أفعالها وعلاقاتها، نتيجة شراكة المرأة فيها للرجل في دوره المقاوم، لذا يكون الوعي حاضرًا نتيجة إدراك المرأة أن العائلة وأفرادها ومحيطها مستهدف من قبل العدو، لكن حتى في هذه البيئة هناك استثناءات بارزة تكشفها ردود أفعال زوجات وعائلات اكتشفن علاقة أزواجهن وأبنائهن بالمقاومة بعد الشهادة. تجعل غفران هنا الوعي الأمني مسؤولية الرجل الأولى، ومن ثم المرأة.
وبالعودة إلى التاريخ، تقارب غفران مصطفى بين الحالة الفلسطينية واللبنانية، إذأن الاحتلال الجاثم في فلسطين يجعل الوعي الأمني إجباريًا على النساء، لكنه في لبنان مرتبط بفترات الحرب، فجيل حرب 2006 استحضر وعيه الأمني بمجرد اندلاع معركة الاسناد، والجيل الحالي ما زال يتحصن في مواجهة الاختراق البشري والتقني، ومن الطبيعي تراخي الوعي بمجرد انحسار الحروب.
"إن المرأة قادرة على أن تقدم الحماية والوعي، وقادرة على حفظ أسرار الرجال ورواية تاريخهن، وقادرة على تحويل تربيتها للرجل إلى تجربة سائرة يُقتدى بها...أنا كصحفية شو شفت؟ هل النساء واعيات؟ بقلك وعي المرأة يُعول إليه، والنساء حاملات أسرار فعلًا".
تستحضر غفران أدوارًا أمنية أخرى للنساء خلال حرب 2006، لكنها متقدمة مقارنة بأدوارهن خلال الحرب الحالية، إذ تسرد قصصًا لنساء تجندن لتعويض غياب الرجل، فكن في الصفوف الأولى خلال الحرب، وفي خط المواجهة في بلدات الجنوب، يرصدن ويتابعن، يُعددن الطعام، ويتنقلن خفية من منطقة إلى أخرى دعمًا وإسنادًا للرجل، ما دفعهن للشكوى اليوم من أن الحرب الحالية انتزعت منهن أدوارهن التقليدية وحرمتهن من المشاركة والإسناد، لتخلوا الصفوف الأمامية للرجال فقط.
هذا الموقف، بالإضافة إلى قصص كثيرة عن أدوار النساء الجنوبيات دفعت غفران للقول: "إن المرأة قادرة على أن تقدم الحماية والوعي، وقادرة على حفظ أسرار الرجال ورواية تاريخهن، وقادرة على تحويل تربيتها للرجل إلى تجربة سائرة يُقتدى بها...أنا كصحفية شو شفت؟ هل النساء واعيات؟ بقلك وعي المرأة يُعول إليه، والنساء حاملات أسرار فعلًا".
فعليًا، تتقاطع الدراسات النسوية المرتبطة بالسياقات الاستعمارية والنزاعات المسلحة مع منظور الصحفية اللبنانية، إذ تُشير إلى أن النساء عادة يُفضلن حمل عبء مزدوج؛ استمرارية الحياة اليومية بأكبر قدرٍ ممكن من الطبيعية، وفي الوقت نفسه حماية المجتمع وتأمينه، فرغم أن دور الدفاع اعتُبر تقليديًا مهمة الرجل، إلا أن الحماية والاحتضان أقرب لأدوار المرأة، باعتباره فعلًا حميميًا تُحافظ فيه على الأمان النفسي لعائلتها ومحيطها.
اقرأ أيضًا: في الواجهة من جديد: المرأة الفلسطينية وسؤال الدور النضالي
من هذا المنظور، لا يغدو الوعي الأمني النسوي في ظل الحروب مجرد ممارسة جماعية للحماية، بل التزامًا بالحذر، يتطور إلى شكلٍ من أشكال الضبط الاجتماعي الوقائي، عبر تقليل تداول التفاصيل الحساسة، والتنبيه إلى خطورة بعض الأحاديث والتفاصيل، وإعادة تعريف ما يجب أن يُنسى ويبقى داخل الدائرة العائلية وما يمكن مشاركته خارجيًا، وهو التطور الذي يتراكم ويتضاعف بفعل تجربة الفقد والاستهداف والمراقبة، أي ما وصفته الصحفية غفران بـ "ارتباط بيئة العائلة بالمقاومة".
لكن هذا الوعي لا يأتي بدون ضرائب، أولها الصمت والاقتصاد في الكلام وممارسة الانعزال الاجتماعي، والعيش في توتر دائم بين الرغبة في التواصل الإنساني والحيطة الأمنية، بين الحاجة الطبيعية وسط الضرب والحرب للتخفيف من القلق والهواجس، وإلحاح الإغلاق على التفاصيل والمخاوف التي قد تُقرأ كمفاتيح لاستهدافٍ قادم.
في نهاية المطاف، فالمعضلة ليست في تواصل النساء أو اطمئنانهن، بل في أن هذه الأفعال الإنسانية تجري في مساحةٍ لا تفرّق بين الحميم والأمني، ما يستلزم بناء ثقافة أمنية مجتمعية لا تقتصر على النساء، أو تقوم على أكتافهن، أو تحملهن مسؤولية الانكشاف، بل عبر تطوير وعيهن بالحفاظ على التواصل والتكافل والعاطفة بوصفها روابط لصمودٍ مجتمعي، دون أن تتحول هذه الروابط ذاتها إلى أدوات تُستخدم ضد المجتمع المقاوم، فالمرأة في المجتمعات المقاومة لم تكن يومًا هامشًا للحرب، بل لطالما كانت، وإن بصمت، جزءًا من بنية الصمود الأعمق.
[1] تنشر هذه المادة بالتعاون مع موقع إطار.

