لا تبدو قضية اعتقال الأطفال الفلسطينيين مجرد حالات فردية متفرقة، بل ظاهرة توثقها الأرقام. فبحسب منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية – فلسطين، يتعرض ما بين 500 و700 طفل فلسطيني سنويًا للاعتقال والمحاكمة أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، فيما بلغ عدد الأطفال المعتقلين في نهاية عام 2025 نحو 351 طفلًا، كان أكثر من نصفهم رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة.
أما منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فتشير إلى أن قرابة 7 آلاف طفل فلسطيني مرّوا بتجربة الاعتقال والاستجواب خلال عقد واحد، في صورة تعكس حجم الأثر الذي تتركه هذه السياسة على الطفولة الفلسطينية. وفي مرحلة يُفترض أن يعيش فيها الأطفال أجواء الأمان، ويخوضوا تجاربهم الأولى في التعلم والنمو، يجد آلاف الأطفال الفلسطينيين أنفسهم في مواجهة واقع مختلف، عنوانه المداهمات والاعتقالات والأصفاد.
هل تزول كل الآثار بعد الإفراج؟

سالم (16 عامًا) من إحدى قرى غرب رام الله، لم يتخيل أن ليلة عادية يقضيها بين أفراد أسرته ستنتهي باقتحام منزله واقتياده مكبل اليدين إلى مركز للتحقيق. وبعد ستة أسابيع من الاحتجاز، عاد إلى مدرسته، لكنه لم يعد كما كان؛ فقد أصبح أكثر صمتًا وانطواءً، كثير الشرود، حزينًا، ويتصرف وكأنه فقد جزءًا من ثقته بنفسه وإحساسه الطبيعي بالأمان، وفق ما ترويه المرشدة التربوية في مدرسته.
يروي أحمد (15 عامًا) من قرية البيضا شمال شرق محافظة طوباس في الأغوار الفلسطينية تفاصيل اعتقاله، قائلًا إنه كان يرعى الأغنام برفقة أبناء عمه في منطقة قريبة من القرية خلال إحدى العطل المدرسية، عندما هاجمهم مستوطنون وأطلقوا النار على الأغنام، ما دفعهم إلى الفرار نحو القرية، بينما تفرقت المواشي في المنطقة.
اقرأ أيضًا: الأسير عادل دويكات: "ناسي شكل بنتي الصغيرة"
ويضيف أن المستوطنين استدعوا قوات الاحتلال التي لاحقتهم حتى منازلهم، حيث تعرضوا للضرب أمام أفراد عائلاتهم قبل تقييد أيديهم واعتقالهم. ويؤكد أحمد أن الاعتداء لم يتوقف عند لحظة الاعتقال، بل استمر طوال ساعات الاحتجاز والتحقيق التي امتدت لنحو سبع ساعات، قبل أن يُفرج عنهم قرابة الساعة العاشرة مساءً. ويقول: “عدنا إلى المنزل وآثار الضرب تغطي أجسادنا، فيما تركت القيود جروحًا عميقة ونازفة في أيدينا”.
أما والدته، فتؤكد أن آثار التجربة لم تنتهِ بخروجه من الاعتقال، مشيرة إلى أن ابنها أصبح أكثر خوفًا وانطواءً، ويرفض الخروج من المنزل بمفرده، كما بات يفزع من الأصوات غير المألوفة. وتضيف أن مستواه الدراسي تراجع بشكل ملحوظ، ولم تقتصر التداعيات عليه وحده، بل انعكست أيضًا على إخوته الذين تأثروا بما حدث لأخيهم وشاهدوه بأعينهم، لافتة إلى أنهم يحرصون على تقديم الدعم النفسي له ومرافقته باستمرار، في محاولة لمساعدته على تجاوز ما مرّ به واستعادة توازنه النفسي تدريجيًا.
أوليس الاعتقال للكبار فقط!

ولا تختلف قصة منير (اسم مستعار) من إحدى قرى الخليل كثيرًا عن قصص عشرات الأطفال الذين مرّوا بتجربة الاعتقال. فقد أمضى أربعة أشهر في السجون الإسرائيلية بعد اتهامه بإلقاء الحجارة، وهي تجربة يقول إنها غيرت حياته بالكامل.
يستعيد منير لحظة اعتقاله قائلًا إنه لم يتخيل يومًا أن يجد نفسه خلف القضبان، إذ كان يعتقد أن السجون مكان للكبار فقط. ويضيف: “استيقظت فجأة على جنود يقتحمون المنزل ويقيدون يدي ويعصبون عيني. لم أفهم ما الذي يجري، كل ما أتذكره أنني سمعت أمي تبكي وتصرخ، وأبي يسأل إلى أين سيأخذونني، لكن أحدًا لم يرد عليه”.
اقرأ أيضًا: مراد الرجوب محررًا في وفاء الأحرار.. مبعدًا إلى غزة شهيدًا فيها
وينقل منير شعوره خلال الساعات الأولى من الاعتقال، موضحًا أنه وجد نفسه وحيدًا داخل غرفة ضيقة وباردة، يحاول جاهدًا كبح دموعه، بينما كانت أفكاره معلقة بأسرته ومدرسته وأصدقائه. ويقول إن أكثر ما أثقل عليه لم يكن التحقيق أو مشاهد الجنود المحيطين به داخل المركبة العسكرية، بل حالة الخوف والقلق المستمر من المجهول وعدم معرفته بما ينتظره في الساعات والأيام التالية.
وبعد أشهر من الاعتقال، عاد منير إلى منزله، لكن آثار التجربة بقيت تلاحقه. فبحسب أفراد أسرته، أصبحت الكوابيس الليلية ترافقه في معظم الليالي، كما يستيقظ مذعورًا عند سماع أي صوت يأتي من الخارج ليلًا، في صورة تعكس ما يمكن أن تتركه تجربة الاعتقال من آثار نفسية تتجاوز زمن الاحتجاز نفسه.
بين الأثر الجسدي القريب والنفسي البعيد

تشير تقارير حقوقية إلى أن مئات الأطفال الفلسطينيين يتعرضون سنويًا للاعتقال والمحاكمة أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، فيما وثقت مؤسسات حقوقية شكاوى متكررة تتعلق بظروف الاعتقال والتحقيق وسوء المعاملة والعزل الانفرادي، إضافة إلى ما يخلفه الاعتقال من إصابات جسدية تشمل الكدمات والجروح والآلام الناتجة عن الضرب أو التقييد.
ولا تقتصر التحذيرات من تداعيات الاعتقال على المؤسسات الفلسطينية والدولية، بل تتقاطع معها أيضًا تقديرات جهات حقوقية إسرائيلية. فقد أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوق إنسان إسرائيلية إلى أن تجربة الاحتجاز في سن مبكرة قد تخلف آثارًا نفسية وسلوكية طويلة الأمد، من بينها القلق المزمن، واضطرابات النوم، وصعوبات التركيز، والشعور المستمر بانعدام الأمان، مؤكدة أن الأطفال يُعدّون من أكثر الفئات هشاشة أمام الصدمات المرتبطة بالاعتقال والتحقيق.
ومن بين هذه التقارير ما صدر عن منظمة “بتسيلم” في تقريرها عام 2024 بعنوان “مرحبًا بكم في الجحيم”، إضافة إلى تقرير مشترك بين منظمة “بتسيلم” و”مركز هموكيد” بعنوان “مدعوم من النظام”، والذي أكد أن ظروف الاعتقال ذاتها، بما فيها الاقتحام الليلي للمنازل والعزل والتحقيق تحت الضغط، قد تفضي إلى آثار نفسية عميقة، ولا تتوقف تداعياتها عند فترة الاحتجاز، بل تستمر لاحقًا في حياة الأطفال اليومية.
كما وثّقت مؤسسات دولية، من بينها “أنقذوا الأطفال” ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، الآثار النفسية الممتدة التي قد تترتب على اعتقال الأطفال. وتشير تقارير “أنقذوا الأطفال” المتعلقة بالأطفال الفلسطينيين في سياق الاحتجاز العسكري إلى أن تجربة الاعتقال ترتبط بمستويات مرتفعة من الصدمة النفسية، حيث يعاني العديد من الأطفال من آثار طويلة الأمد تشمل اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق الشديد، وصعوبات النوم، إلى جانب انعكاسات اجتماعية وسلوكية تستمر حتى بعد الإفراج عنهم.
وتؤكد المنظمة أن لحظات الاعتقال والتحقيق بحد ذاتها تُعد تجربة صادمة، قد تترك أثرًا عميقًا على الصحة النفسية للطفل يتجاوز فترة الاحتجاز نفسها. ولا تقتصر هذه التأثيرات على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد إلى الحياة التعليمية والاجتماعية للطفل، حيث قد يواجه صعوبة في العودة إلى الدراسة واستعادة مستواه الأكاديمي، كما تتأثر علاقاته مع أسرته وأقرانه.
وفي بعض الحالات تظهر أعراض مرتبطة بالصدمة النفسية، مثل استرجاع مشاهد الاعتقال بشكل متكرر أو تجنب الحديث عنها، الأمر الذي قد يجعل الطفل بحاجة إلى دعم نفسي وأسري مستمر لمساعدته على استعادة شعوره الطبيعي بالأمان والاستقرار. ورغم انتهاء مدة الاعتقال بالنسبة لكثير من الأطفال، فإن آثاره تبقى حاضرة في تفاصيل حياتهم. فخلف كل رقم في إحصاءات المعتقلين طفل يحمل قصة مختلفة، وذكرى اقتحام لا تغادره، وطفولة أُجبرت على أن تكبر قبل أوانها.

