بيتها بسيط، لا يضم من الأثاث والأدوات إلا ما يكفي لحياة كريمة. أما هي، فامرأة هادئة، شديدة البساطة، راضية بما قسمه الله لها. هذا ما لمسته خلال زيارتي الأولى لها قبل ست سنوات، حين أجريت معها مقابلة صحفية.
أتذكر جيدًا ذلك اليوم، كان في الثاني عشر من أيار/مايو 2020، حين اقتحمت قوات الاحتلال بلدة يعبد، جنوب غرب جنين، ونفذت حملة اعتقالات تزامنت مع مواجهات اندلعت بين الجنود والشبان واستمرت حتى ساعات الفجر.
وسط أصوات الجنود وصيحاتهم، ساد البلدة توتر شديد، فيما كان الأهالي يحاولون استيعاب ما يجري. وبعد ساعات، أعلن الاحتلال إصابة أحد جنوده من لواء جولاني بحجر أُلقي من سطح أحد المنازل خلال المواجهات، قبل أن يعلن لاحقًا عن وفاته متأثرًا بإصابته.
اعتقال بتهمة قتل جندي

في أعقاب الحادثة، فرضت قوات الاحتلال حصارًا مشددًا على المنطقة، وداهمت العمارة السكنية الملاصقة لموقع الحادث، والتي تعود لأشقاء وأقارب الأسير نظمي أبو بكر، وفتشت الشقق السكنية وعاثت في محتوياتها خرابًا ودمارًا، فيما تعاملت بطريقة وحشية مع أفراد العائلة، وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية تخللتها عمليات اعتقال.
ولم تمض سوى ساعات على الإعلان عن مقتل الجندي، حتى اعتقلت قوات الاحتلال الفلسطيني نظمي محمد يونس أبو بكر، البالغ من العمر 54 عامًا، مدعية مسؤوليته عن الحادثة. وأعلن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أنه أوعز بـ”هدم منزل” أبو بكر عقب إعلان اعتقاله.
وكانت قوات الاحتلال قد شنت حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من الفلسطينيين، بينهم فتيات ونساء وأطفال، وأصابت عددًا آخر خلال اقتحامات متكررة، وحصار، وتنكيل بالبلدة. وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر 2020، أغلقت قوات الاحتلال جزءًا من منزل العائلة، بعدما أغرقت نحو 40 مترًا مربعًا من مساحته البالغة نحو 70 مترًا مربعًا بمادة الإسفنج المضغوط، ما جعله غير صالح للسكن، إذ غطت هذه المادة القابلة للاشتعال والضارة بالصحة الجزء الأكبر من المنزل.
أكثر من 85 جلسة محاكمة

بمرارة وحسرة، تستعيد زوجة الأسير نظمي أبو بكر، سهيلة، ست سنوات من الحرمان والألم والانتظار، وهي تروي تفاصيل رحلة أثقلت كاهلها وأطفالها الثمانية منذ لحظة اعتقاله. بكلماتها البسيطة تقول: “فش أصعب منه الاعتقال والانتظار، مش حرام عليهم يتهموه هيك تهمة؟ أولاده بستنوه كل يوم، بسألوني وينه؟ بده يروح أبونا؟ بصير أعيط، بعرفش شو أحكيلهم، غير إني بضل أحكيلهم: ضلوا ادعوله”.
ثمانية أبناء ينتظرون عودة والدهم، وزوجة صابرة تترقب حريته على أحر من الجمر. في قاموسها، صار اليوم دهرًا، وتضاعفت مسؤولياتها؛ فهي تخوض وحدها معركة الحياة بأعبائها التي لا تنتهي، بعدما أصبحت الأم والأب معًا لثمانية أطفال، لا يتجاوز أكبرهم السابعة عشرة من عمره.
اقرأ أيضًا: اغتيال مقاوم في عين الشمس.. إلى اللقاء وليد هنية
ومع كل جلسة محاكمة تُعقد للأسير نظمي، يتجدد قلق العائلة وتتضاعف مخاوفها على مصيره، إذ مهد الاحتلال للحكم عليه بالسجن المؤبد. وتقول السيدة سهيلة: “الله أكبر… متخيلين شو يعني مؤبد؟ وأنا عندي ثمانية أطفال، وكان أصغر أولاده لما انسجن عمره سنة ونص، واليوم كبروا الأولاد بعيد عن أبوهم، اللي كان السند والمعيل الوحيد إلهم، وكلما احتجت إشي كنت ألجأ إله، فهو سندنا”.
تعيد وتكرر كلمة “مؤبد”، وكأنها لا تزال تعيش صدمة ذلك الحكم الذي مهد له الاحتلال، وترى أنه جاء استنادًا إلى اتهامات ينفيها زوجها جملة وتفصيلًا. ومع ذلك، لا تفارقها عبارة واحدة ترددها بعد كل سؤال: “الحمد لله”. وتطالب السيدة سهيلة بضرورة تدخل كل مسؤول في قضية زوجها، والعمل على الإفراج عنه وعودته إلى أحضان عائلته، خاصة في ظل تأكيدات محاميه وجود ثغرات قانونية عديدة في ملف القضية، وأن الأدلة المتوفرة تدعم براءته من التهمة المنسوبة إليه. ورغم ذلك،لا يزال ملفه مفتوحًا بانتظار الحكم النهائي.
زوجة أنهكها الانتظار

ومؤخرًا، عقدت المحكمة العسكرية الصهيونية في “سالم” قرب جنين جلسة للنظر في قضيته، خُصصت للمرافعات المتعلقة بالحكم المتوقع صدوره بحقه خلال الفترة المقبلة، والمتمثل بالسجن المؤبد، إلى جانب فرض “تعويضات” مالية تُقدر بملايين الشواكل، وفق بيان مشترك لهيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني.
وجاءت الجلسة، بحسب المؤسستين، عقب قرار سابق أصدرته المحكمة ذاتها، وقضى بـ”إدانة” الأسير أبو بكر بتهمة “القتل العمد”، وذلك بعد أكثر من 85 جلسة محاكمة، استمعت خلالها إلى أكثر من 140 شهادة وإفادة مرتبطة بالقضية. ووفق المؤسستين، كشفت الشهادات ثغرات وتناقضات جوهرية، وقدمت معطيات وأدلة تؤكد براءة الأسير، وتُقوض رواية الادعاء، التي رفضها أيضًا طاقم الدفاع، مؤكدًا براءة الأسير.
اقرأ أيضًا: عائدة بشناق: "ضي عيوني ولادي عبدالله وعبد الرحمن ما شفتهم من سنتين"
ويقضي أبو بكر أيامه في سجن نفحة وسط ظروف نفسية قاسية، مترقبًا أي انفراجة قد تخفف من معاناته المستمرة. أما على الصعيد الصحي، فقد أصيب خلال فترة اعتقاله بمرض الجرب (السكابيوس) عدة مرات قبل أن يتعافى منه، كما يعاني من نوبات دوار متكررة، وآلام في الظهر، وضعف في السمع والبصر، فضلًا عن فقدانه نحو 25 كيلوغرامًا من وزنه نتيجة سياسة التجويع التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى.
ولا يفارق القلق عائلة أبو بكر، التي تترقب أي خبر عن وضعه الصحي، في ظل تصاعد سياسات القمع والانتهاكات الجسيمة داخل السجون، والتي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، بما تشمله من تعذيب نفسي وجسدي، وتنكيل، وتجويع ممنهج، وإهمال طبي متواصل.
وقبل اعتقاله، كان الأسير نظمي أبو بكر يعيش حياة مستقرة، يعمل مزارعًا وعاملًا، ويعيل أسرته المكونة من ثمانية أبناء. وكان أصغر أبنائه لا يتجاوز عامًا ونصف العام عند اعتقاله، وخلال السنوات الست الماضية اضطرت زوجته إلى تحمل مسؤولية الأسرة كاملة، فأصبحت الأب والأم معًا، بينما تواصل انتظارها لمعرفة ما ستؤول إليه قضية زوجها.

