في عام 2005، تحرر والدي من سجون الاحتلال بعد خمسة أعوام قضاها رهن الاعتقال الإداري الجائر، وكان آنذاك أقدم أسير أمضى تلك المدة المتواصلة تحت وطأة هذا الملف، ذلك الحكم المفتوح على المجهول، إذ يبقى مصيره معلقًا بقرارات التجديد المتلاحقة. ولم يكن ذلك الاعتقال الأول في مسيرة والدي، لكنه كان الأطول والأقسى.
كنت حينها واعية بما يكفي لأدرك حجم المعاناة التي كان يرويها لنا، وفي كل مرة كان يتحدث عن كلمة جديدة لم أعهد سماعها، كنت أسرع إلى استيقافه وأبادره بالسؤال عنها. كانت مصطلحات لا تُستخدم إلا بين الأسرى داخل سجون الاحتلال. في هذا التقرير، نسلط الضوء على أبرز مصطلحات السجون، التي تشكلت تحت وطأة الاعتقال، حتى غدت جزءًا من القاموس اليومي الذي يتداوله الأسرى فيما بينهم، كما تتداوله إدارة السجون. وليست هذه المصطلحات مجرد ألفاظ، وإنما تحمل بين حروفها وجعًا متراكمًا، وتعكس حجم المعاناة والصمود.
ولم تقتصر هذه المصطلحات على جدران السجون، بل امتد حضورها إلى الشارع الفلسطيني، بفعل تصاعد حالات الاعتقال التي طالت آلاف الفلسطينيين، حتى بات من النادر أن يخلو بيت فلسطيني من أسير أو أكثر، فأصبحت مصطلحات الأسر جزءًا من الذاكرة اليومية للعائلات الفلسطينية، تحمل معها قصص الغياب والانتظار والمعاناة.
البرش

هو السرير المعدني، ولا يتجاوز عرضه 70 سم، ويتكون من طابقين يتشاركه أسيران، وفي كل غرفة تصطف عدة "أبراش". وهو سرير تعلوه فرشة بالاسم فقط، إذ إنها رقيقة وغير مريحة.
أما الخصوصية، فيحاول الأسرى انتزاعها من العدم، فيحيطون البرش بالمناشف، ليغدو رفيق البرش أقرب الناس إلى الأسير في تفاصيل يومه، يتقاسمان المكان، وضيق المساحة، وثقل سنوات الاعتقال.
البوسطة

محطة أخرى من محطات العذاب، وهي مركبة معدنية مغلقة بالكامل، أشبه بصندوق حديدي، لا ينفذ منها إلى الخارج سوى نافذة صغيرة في أعلاها مغطاة بقضبان وشبك حديدي، فلا يرى من بداخلها ما يدور خارجها. ويجلس الأسير داخلها على مقاعد معدنية ضيقة وقاسية، بالكاد تتسع للجلوس، وهو مكبل اليدين والقدمين طوال الرحلة.
ويروي الأسرى أن رحلة "البوسطة" ليست مجرد عملية نقل بين السجون أو المحاكم أو المستشفيات، بل فصل آخر من فصول التعذيب والمعاناة، فكثيرًا ما يتعرضون للسقوط وارتطام رؤوسهم وأجسادهم بأرضية المركبة الحديدية نتيجة القيادة العنيفة، ما يتسبب بإصابات وجروح ونزيف لدى بعضهم.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يعمد السجانون، وفق شهادات الأسرى، إلى إطالة الطريق دون مبرر، والضغط المفاجئ والمتكرر على المكابح عمدًا، فيتأرجح الأسرى المقيدون بعنف داخل المركبة، غير قادرين على حماية أنفسهم، لتتحول رحلة النقل إلى وسيلة إضافية للإيذاء الجسدي والنفسي.
الأشناق

هي فتحة صغيرة تتوسط باب غرفة السجن، تُفتح وتُغلق من الخارج فقط، ويتحكم بها جنود الاحتلال. وتُستخدم لإدخال وجبات الطعام وحاجيات الأسير عندما يكون باب الغرفة مغلقًا. ورغم صغرها، فإنها تمثل أداة أخرى للتنغيص على الأسير، إذ يفرض السجان من خلالها سيطرته الكاملة على تفاصيل حياته اليومية.
المعبار

هو قسم أو محطة احتجاز انتقالية، يُجمع فيها الأسرى مؤقتًا قبل نقلهم بين السجون، أو إلى المحاكم والمستشفيات وغيرها. ويصف الأسرى أقسام المعبار بأنها شديدة الاكتظاظ، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآدمية، وتنتشر فيها الحشرات، فيما يُقدَّم فيها طعام رديء لا يكاد يصلح للأكل، إلى جانب المعاملة القاسية التي يتعرضون لها.
ولا توجد مدة زمنية قانونية محددة لبقاء الأسير في "المعبار"، إذ قد تمتد فترة احتجازه فيه من ليلة واحدة إلى أسابيع، وربما أشهر، تبعًا لقرارات ومزاجية إدارة سجون الاحتلال، ليبقى الأسير عالقًا في ظروف قاسية، لا يعلم متى تنتهي..
خولياه

هو مصطلح يُطلق في لغة السجون على أسير، أو مجموعة من الأسرى، توكل إليهم مهمة توزيع الطعام على الأسرى داخل الغرف والأقسام. كما يُكلَّفون بالخروج إلى "الكانتينا" لشراء احتياجات الأسرى من المواد الغذائية والأغراض الأساسية، باستخدام الأموال المودعة في حساباتهم الخاصة.

