بنفسج

والدة الشهيد إحسان شواهنة: ترك الهندسة ليمهد لي الطريق للجنان

الخميس 02 يوليو

الشهيد إحسان شواهنة
الشهيد إحسان شواهنة

"ما فائدة الشهادات ما دامت تتحكَّم في هذا الوطن مجنّدة وتُذيق شعبنا الذل والهوان؟". لم تكن هذه الكلمات مجرد تساؤل عابر ألقاه الشاب الفلسطيني إحسان شواهنة على والدته، بل كانت المبدأ والبوصلة التي شكّلت نقطة التحول في حياة طالب كلية الهندسة في جامعة النجاح الوطنية. فمن رحم المعاناة على حواجز الاحتلال، ومن أزقة بلدة كفر ثلث، صاغ إحسان حكايته؛ حكاية شاب عاش كملاك يمشي على الأرض، ولم يطلب من الدنيا شهادة أكاديمية بقدر ما سعى بكل جوارحه لنيل شهادة من نوع آخر.

في هذا التقرير، نستحضر سيرة الشهيد القائد إحسان شواهنة عبر تفاصيل ترويها والدته بدموع لا تجف، وقلب ما يزال ينزف شوقًا وحنينًا لبكرها وسندها، مستذكرةً محطات حياته بين المقاومة، والاعتقال، والمطاردة، والشهادة.

من هو الشهيد إحسان شواهنة؟

IMG-20260702-WA0007.jpg

وُلد إحسان ليكون اسمًا على مسمى، فقد سماه والده إحسان حبًا في الاسم، وتجلى ذلك في سلوكه؛ إذ كان طفلًا هادئًا، يحب اللعب والمرح مع أشقائه. تميز بذكائه الوقّاد، فكان من المتفوقين الأوائل في مدرسته ببلدة كفر ثلث، لينتقل بعدها إلى الفرع العلمي في مدرسة عزون الثانوية، محققًا في امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) تفوقًا أهّله لدخول كلية الهندسة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس.

بيد أن تفوقه الأكاديمي لم يفصله عن واقع وطنه المكلوم، فكانت مشاهد إذلال المواطنين على حواجز جيش الاحتلال شرارة الوعي الأولى لديه، ليقرر الانخراط في العمل الطلابي والمقاوم. دفع إحسان ضريبة مبادئه التي ترجمها إلى مواقف تحدّثت عن فكره مبكرًا؛ ففي عام 1996 اعتقلته الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من داخل حرم الجامعة، حيث أمضى أربعة أشهر بتهم تتعلق بنشاطه الطلابي والعسكري، وهي التهم التي اتخذها الاحتلال ذريعة لملاحقته لاحقًا.

وبعد الإفراج عنه بفترة قصيرة، وتحديدًا في آذار 1997، اعتقلته قوات الاحتلال، ليلج جحيم رحلة تعذيب قاسية استمرت 72 يومًا متواصلة في أقبية التحقيق، تناوب عليه خلالها تسعة ضباط تحقيق مستخدمين أساليب شتى تنوعت بين الترغيب والترهيب والشبح والضرب والعزل ومحاولات الخداع. ورغم قسوة التعذيب التي جعلته يشرف على الموت، ظل إحسان صامدًا صابرًا، ولم يدلِ بأي اعتراف، انطلاقًا من مبدأ راسخ لديه بأن الاعتراف خيانة.


اقرأ أيضًا: الأسير محمد عزيزي.. زنزانة تجدد إداريًا


تحولت حياة إحسان بعدها إلى سلسلة من الاعتقالات الإدارية المتكررة؛ فكان يمضي 18 شهرًا في سجون الاحتلال، ليخرج حرًا لستة أشهر فقط، يسابق فيها الزمن لينهي فصلًا دراسيًا في جامعته، قبل أن يعاد اعتقاله مجددًا، حيث اعتُقل إداريًا أربع مرات بالنمط التكراري نفسه.

وتستحضر والدته مشهدًا من أروقة ذاكرتها المثقلة، يوم وقعت في يدها صدفة رسالة سرّبها إحسان لشقيقه من وراء القضبان. كانت السطور تفيض بقسوة الزنازين وضراوة التعذيب؛ أهوال ظل يطويها عن أمه رأفة بقلبها الرهيف، وضنًّا بدموعها. وحتى حين كان يواجه سؤالها الملح عما تعرض له داخل السجون، كان يلوذ بالمراوغة، ويغلف إجاباته بالعموميات، ليضع حدًا لحديث يدرك أنه قد يفطر فؤادها ويوجعها.

شرارة الوعي

IMG-20260702-WA0009.jpg

كان إحسان عالمًا من الأسرار التي تختبئ خلف ملامح هادئة وبسيطة. يمضي أيامه بين الجامعة والبيت كما يراه أهله، طالبًا منشغلًا بدراسته وأحلامه، فيما كان يحمل في داخله حياة أخرى لا يعلم عنها أحد. عمل بصمت إلى جانب رفاقه في المقاومة، متقنًا فن إخفاء التفاصيل، حتى ظل أقرب الناس إليه يعتقدون أن يومه لا يتجاوز مقاعد الدراسة وواجبات الحياة اليومية، إلى أن بدأت سلسلة الاعتقالات، التي كشفت أن لإحسان وجهًا آخر غير ذلك الوجه المعروف لدى الجميع.

في عامه الأخير قبل الاستشهاد، تنفس إحسان طعم الحرية خارج أسوار السجون، لكن تلك الحرية لم تكن هادئة أو مستقرة؛ بل كانت مجبولة بالقلق والبارود، إذ أدرج الاحتلال اسمه على قوائم المطاردة والتصفية، لتنفتح صفحة جديدة من تغريبته، عنوانها التخفي والترقب والحذر والتنقل الدائم. وعلى مدار ستة أشهر كاملة، خاض إحسان مطاردات شرسة، متنقلًا كظل بين الأماكن، متحملًا بأس الطريد ونأيه عن هدوء الحياة الطبيعية، رافضًا أن يلقي سلاحه أو ينكص عن درب اختاره بكامل إرادته.

ظل ثابتًا رغم ضيق المساحات وكثرة المخاطر، حتى انتهت رحلته كما كان يتمنى، شهيدًا بعد أن عاش مطاردًا قابضًا على جمر قناعاته ويقينه حتى اللحظة الأخيرة. تروي الوالدة بمرارة لحظة تلقيها خبر مطاردته من قبل سلطات الاحتلال عبر اتصال هاتفي: "كان هذا أصعب خبر تلقيته في حياتي حتى تلك اللحظة، لأنني أيقنت آنذاك أن إحسان سيستشهد في أي وقت". ومنذ ذلك اليوم، باتت الأم تعيش على أعصابها، تترقب بقلق وبشكل يومي نشرة أخبار السادسة والنصف مساءً عبر أثير إذاعة الاحتلال.

"يما بدي أدخلك الجنة"

IMG-20260702-WA0008.jpg
لم تكن رغبة إحسان بالشهادة سرًا موارى؛ بل حديثه الدائم الذي لا ينفك يردده بمناسبة وبدونها. تستذكر الأم بقلب لوعته الأيام: «كنت أقول له: نفسي تتخرج يما وأنا طيبة (على قيد الحياة) وأفرح فيك، فيجيبني مازحًا ضاحكًا: "شو بدي أعملك؟ بس أنا بدي أدخلك الجنة يا حبيبتي يما".

وفي يوم مشهود خطّه إحسان بالدم والنار، خاض اشتباكًا مسلحًا ضاريًا في الجبل الشمالي بمدينة نابلس؛ حيث حاصرته القوات الخاصة للاحتلال في عمارة حدادة، وهناك جابه الموت وجهًا لوجه، حتى ارتقى شهيدًا مقبلًا غير مدبر. ومع دوي الرصاص الأخير الذي استنهض هتافات الجماهير، انسحبت قوات الاحتلال على عجل تاركة خلفها البطل غارقًا بدمه، ليندفع الشبان نحو العرين المحاصر، وينقلوه إلى المستشفى الذي أعلن ارتقاء روحه طاهرة، قبل أن يُحمل على أكتاف الوفاء في زفة مهيبة نحو مسقط رأسه.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


بقلب ينهشه انقباض غريب، كانت الأم تصغي بترقب لنشرة السادسة والنصف مساءً عبر إذاعة العدو، حين تغلغل إلى مسامعها ذلك الخبر الفاجع الذي طالما عاشت تخشاه. تستحضر تلك اللحظة المظلمة قائلة: "في تلك اللحظة، شعرت وكأن حواسي كلها قد شُلّت، وتبخر كل أمل لي في الحياة، وأظلمت جدران البيت في عيني تمامًا".

أحضروا جثمان الشهيد محمولًا على أكتاف الآلاف، في جنازة مهيبة امتدت من مدخل منزل العائلة في وسط البلدة حتى مدخلها. وعن نظرة الوداع الأخيرة، تروي الوالدة كرامة عاينتها بنفسها: "عندما قبّلته وودعته في الدار، فتح عينيه في وجهي وكأنه حي، ردّت لي روحي في تلك اللحظة.. وكان حقد الاحتلال عليه واضحًا، فقد أصابوه برصاصة في فمه خرجت من أذنه، عدا عن الرصاص الكثير الذي أثخن جسده الطاهر".

مطاردًا ثم شهيدًا

IMG-20260702-WA0010.jpg

ترك رحيل إحسان فراغًا عميقًا لم تستطع الأيام مداواته. لم تحتمل والدته البقاء في المنزل الذي عاش فيه، فكل زاوية فيه كانت تضج بذكرياته ونكاته التي كان يطلقها دومًا، ما دفع العائلة إلى هجر المنزل والانتقال إلى آخر في أقاصي البلدة.

ورغم الوجع النازف، تحول إحسان إلى أيقونة عائلية ورمز وطني عصي على الغياب؛ إذ أطلق إخوته الاثنان وأخواته الخمس جميعًا اسم إحسان على أبنائهم الذكور تيمنًا به وتخليدًا لسيرته. ومع أن ذلك تسبب في استدعاء والده لمساءلة كيدية لدى سلطات الاحتلال، إلا أن الاسم ظل يتردد في أرجاء البيت متحديًا محاولات المحو والترهيب.

وعن ذكراه، تؤكد الوالدة قائلة: "طيفه لا يفارقني، أراه في منامي دائمًا عريسًا يرتدي بدلة عجيبة رائعة لا تشبهها الملابس التي نعرفها، وأحدثه عن أوجاعي وكل ما يتعبني وكأنه ما زال حيًا في الدنيا".


اقرأ أيضًا: الأسير عادل دويكات: "ناسي شكل بنتي الصغيرة"


وتستذكر رؤيا عجيبة تحققت، حين رفضت مسؤولة ملف الحج تسجيلهم للحج لعدم توفر منح متبقية من منحة عوائل الشهداء، وتقول: "رأيت إحسان تلك الليلة في منامي يعطيني مسدسه، وكنت أقف في الأرض بين أشجار الزيتون.. خشيت أن يسلبني إياه جيش الاحتلال، فخبأته بين أغصان الزيتون الكثيفة، وعدت إلى البيت". وفي الصباح التالي اتصلت ذات المسؤولة لتخبرهم بأن العائلات الموجودة أمامهم في القائمة قد أجلوا الحج للسنة القادمة، وبالتالي أصبح الدور عليهم لزيارة بيت الله الحرام، ليحقق إحسان حلمه لوالدته حتى بعد رحيله: "يا يما بدي أحججك".

رحل المهندس القائد إحسان شواهنة تاركًا خلفه سيرة عطرة، وإرثًا من الإحسان والإتقان في حب الوطن، ليظل في ذاكرة عائلته وبلدته ملاكًا مرّ على هذه الأرض وترك خلفه أثرًا لا يمحوه الغياب.