بنفسج

اغتيال مقاوم في عين الشمس.. إلى اللقاء وليد هنية

الأربعاء 22 يوليو

الشهيد وليد هنية
الشهيد وليد هنية

ما بدك تكوني زوجة شهيد وتكوني سيدة الحور العين، ملكة عليهم".. قالها زوجها قبل استشهاده بيوم واحد، ابتسمت وانقبض قلبها، هل كان هذا وداعًا؟ ثم أغرقها بوصايا كثيرة. كان صعبًا عليها أن تنتظر استشهاده في أية لحظة، أو تفكر في غيابه يومًا، وهي التي تعلم نهاية طريق المقاوم جيدًا.

دعت الله كثيرًا أن يحفظه لها ولأطفاله، عاشت خلال الحرب غيابًا قسريًا عنه فقد تفرقا ما بين شمال وجنوب، فذاقت لوعة الفراق المرير لعام وثلاثة أشهر، وحينما عانقته لحظة اللقاء كانت أسعد لحظات حياتها أنه حيًا يُرزق أمامها لكنه مصابًا، وبعد 16 شهرًا من اللقاء فارقها شهيدًا، في يوم عادي خرج كعادته لكنه لم يعد، سمعت دوي انفجار قريب بمجرد خروجه فقالت في سرها: "وليد استشهد". أيقنت بحدسها أن الصاروخ كان له خصيصًا، ومن هنا بدأت حكايتها مع الفقد الذي نال من قلبها.

هنا تحكي هند أبو منيع عن زوجها الشهيد القائد في كتائب القسام وليد هنية "الليبي"، عن حياتها معه التي استمرت لسنوات، وطفليها اللذان لا يتوقفان عن السؤال "أين بابا؟"، وعن الزغرودة التي أطلقتها يوم استشهاده امتثالًا لوصيته، عن ألم قلبها وفخرها بأنها زوجة الشهيد الذي ظل ملازمُا لثغور الجهاد طوال الحرب.

اغتيال مباشر

IMG-20260720-WA0009.jpg

لطالما افتخرت هند بأنها زوجة الرجل الذي وهب نفسه للوطن، آمن بطريق المقاومة وسلكه، فهو ابن شقيق القيادي الشهيد إسماعيل هنية، ظل طوال الحرب مرابطًا في شمال غزة، وهي في جنوبه يرهقها ألم الفراق والانتظار، تذكر حين أرسل لها فيديو من منزلهم المدمر جزئيًا، لم تأبه للبيت، فقط كانت تنظهر لوجهه وهو ماثل أمامها يحكي بالفيديو وهو بخير وسلامة.

في الطريق حادثها أحد الأقارب يسألها: "كيف زوجك؟ بخير؟ حينها أيقنت أنه هو المستهدف.." يوم استشهاده في شهر يونيو المنصرم، خرج إلى النادي الرياضي، وفور خروجه سقط الصاروخ، لتشعر زوجته أن الاستهداف طال زوجها، وبالفعل صدق حدسها، ركضت إلى مشفى الشفاء تبحث عنه بين المصابين، وفي الطريق حادثها أحد الأقارب يسألها: "كيف زوجك؟ بخير؟ حينها أيقنت أنه هو المستهدف.

تقول بمرارة: "وصلت للمشفى فوجدته في غيبوبة، وظل كذلك حتى استشهد فجر اليوم التالي. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأطلقت زغرودة امتثالًا لوصيته، رغم الغصة التي كانت تخنقني، جلست أمام جثمانه ودعته وبكيت، استذكرت كل لحظاتنا معًا، وتمنيت لو أن الحياة توقفت عند لحظاتنا الجميلة ولم نر للحزن قط".


اقرأ أيضًا: الشهيد حسن العف: مقاوم بلا قبر وجثمان تحت الركام


تضيف: "منذ غيابه وأنا أتخيله يقترب مني، وكأنه يقول لي لا تحزني أنا هنا أنا معك، لقد نال مني الوجع في غيابه، لا أتحمل فراقه أبدًا، وأدعو كل يوم أن نجتمع به ونعيش هناك بالجنة حياة لا ألم فيها". كان قبل استشهاده يحدّثها كثيرًا عن افتقاده لأصحابه الذين رحلوا واحدًا تلو الآخر، أولئك الذين تركوا في قلبه فراغًا لا يُملأ، كان يمرّ بحالة نفسية قاسية، يثقلها الحنين وألم الفقد، لكنها كانت ترى في عينيه شيئًا من الطمأنينة كلما علت ضحكات طفليه ماريا وخالد. فتسعد كلما تراه يلاعبهما ويضحك.

تستذكره هند وهو يضحك ويحكي لها عن أيام فراقها في أول عام بالحرب، فتبكي، لم تتخيل يومًا أن ترى فيديو استهدافه هكذا، تنهار كلما فتحت لحظة استشهاده والصاروخ يداهمه، تردف: "أقسى لحظاتي وأنا بشوف الفيديو كيف بدي أتحمل رؤيته وهو بنقصف بهاد الشكل، ولا مرة منعت حالي أشوف الفيديو، وكل مرة بشوفه ببكي كتير لسا قبلها بدقائق كان معي".

غادر وترك ذكراه

IMG-20260720-WA0008.jpg

رحل وليد بجسده، لكن روحه لا تزال تطوف حول هند التي لم تستوعب غيابه حتى اليوم، تحاول أن تُربّت على قلبها وتُقنع نفسها بأن الفراق سنة الحياة، لكن الحزن أحيانًا يكون أكبر من قدرة القلب على الاحتمال،  تحمل في داخلها شوقًا لا يهدأ، وذكرياتٍ لا تفارقها، إيمانها ويقينها بقدر الله هو الحبل الذي تتشبث به كلما أثقلها الغياب.

رحل وليد بجسده، لكن روحه لا تزال تطوف حول هند التي لم تستوعب غيابه حتى اليوم، تحاول أن تُربّت على قلبها وتُقنع نفسها بأن الفراق سنة الحياة، لكن الحزن أحيانًا يكون أكبر من قدرة القلب على الاحتمال،  تحمل في داخلها شوقًا لا يهدأ، وذكرياتٍ لا تفارقها، إيمانها ويقينها بقدر الله هو الحبل الذي تتشبث به كلما أثقلها الغياب.


اقرأ أيضًا: مما ترويه زوجة مقاتل: عزام الحية الزوج والمجاهد


تقول وهي تنظر لصوره التي لا تكف عن تأملها: "أحتفظ بأشياء كثيرة تحمل ذكريات وليد، لكن من أغلى ما بقي لي منه مصحف أهداني إياه في شهر رمضان. كان قد أهداني مصحفًا يوم خطوبتنا، وكان عزيزًا جدًا على قلبي، لكنه فُقد عندما قُصف بيتنا. وبعد ذلك، أهداني وليد مصحفًا آخر بدلًا منه، كتب وليد في أول المصحف وصية بخط يده، أوصاني فيها أن أجعل القرآن بلسمي ونوري في طريقي، وأن يكون مرشدي وموجهي لي ولأبنائي في هذه الحياة".

تكمل وهي تمسح دمعة سقطت رغمًا عن محاولات الثبات: "اليوم عندما أفتح هذا المصحف وأقرأ كلماته أشعر أن وليد ما زال يرافقني ويوجهني، وكأنها رسالة تركها لي لأكمل الطريق أنا وأطفالي. هذا المصحف ليس مجرد هدية، بل أمانة ووصية وذكرى لا تقدر بثمن من حبيبي ورفيق عمري".

أولادي "إرث أبيهم"

IMG-20260720-WA0012.jpg

كان لزامًا على هند، فور استشهاد وليد، أن تواجه أصعب لحظة في حياتها، كيف ستخبر طفليها، ماريا وخالد، أن والدهما رحل ولن يعود. كيف ستجد الكلمات التي تشرح غيابًا لا تستطيع هي نفسها استيعابه، وهما اللذان كانا شديدي التعلّق به، وكان هو يرى فيهما حياته كلها. تقول وهي تمسح على شعر طفلتها: "قبل استشهاده بيوم واحد كان يوصيني أن أسجل خالد في الروضة، وأن أشتري كيكة لعيد ميلاد ماريا، وكان يطمئنني ويقول إنه سيكون حاضرًا قبل موعد عيد الميلاد لنحتفل بها معًا، لكن قضاء الله سبق أمنيته، واستشهد قبل عيد ميلادها بيوم واحد".

لا يتوقف الصغار عن السؤال عن والدهم، فترد عليهم هند أن بابا صار شهيدًا، اعتادت أن تجلس بعد كل صلاة رفقتهم تدعو له معهم، تحاول أن تظهر ثابتة متماسكة أمامهم لكن قلبها يحترق على فراقه، كانا سيكبران معًا، سيفرحان بأحفادهما سويًا، كلما ذكر الموت قالت له: "ليس بعد يا حبيب تشوف أحفادك". ليرحل الحبيب قبل أن يكبر طفليه.