بنفسج

نسرين الزبدة... امرأة الظل وحصن المجاهدين

الإثنين 13 يوليو

زوجة الشهيد جمال الزبدة
زوجة الشهيد جمال الزبدة

وقفت إلى جانبه كما يقف الظل إلى جوار صاحبه، فكانت زوجة الشهيد جمال الزبدة سندًا هادئًا وقوةً خفية، تحملت معه أعباء الطريق، واحتضنت قلقه وتعبه بصبر كبير، مؤمنةً بما آمن به من درب الجهاد، وماضيةً معه بقلب ثابت، رغم كل ما حملته الأيام من خوف وانتظار. لم تكن حياتها معه مجرد سنوات عابرة، بل كانت رحلةً مليئةً بالصبر، شاركته أحلامه، ووقفت إلى جانبه حين كانت الطريق شاقة، ومنحته من ثباتها ما يعينه على الاستمرار. وحين غاب، بقي أثره حاضرًا فيها، تحمل رسالته في قلبها، وتحفظ سيرته بحب.

وحين قال لها ابنها أسامة الزبدة: "أريد أن أسلك درب المقاومة كوالدي"، خافت في البداية، ثم صارت تجهزه بنفسها للرباط. كانت مثالًا للمرأة التي لا تُقاس قوتها بصوتها، بل بقدرتها على الاحتمال، وبإيمانها الذي يجعلها تصمد أمام أصعب اللحظات. فكانت رفيقة درب لرجل اختار طريق الوطن والجهاد، وأمًا لشاب اشترى الآخرة، وشاهدةً على أن وراء كل إنسان عظيم قلبًا يحتضنه، ويدًا تسنده، وروحًا تمنحه القوة ليواصل المسير.

 زوجة الرجل المناضل

IMG-20260709-WA0095.jpg

الشهيد جمال الزبدة درس العلوم الهندسية والميكانيكا في الجامعة الإسلامية بغزة، وهو أبٌ لثلاثة أبناء وابنتين. نال درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة فرجينيا التقنية في الولايات المتحدة، وتقول أسرته إنه درَّس في الجامعة نفسها، وعمل في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، قبل أن ينتقل للتدريس في جامعة الإمارات، ثم استقر به المطاف في قطاع غزة. كان متخصصًا في دراسة محركات الطائرات، والتحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في منتصف تسعينيات القرن الماضي. وحاول الاحتلال اغتياله في نهاية حرب عام 2012، وكان مسؤولًا عن قسم تطوير المشاريع الصاروخية في كتائب القسام.

في عام 1985، تزوجت نسرين القيشاوي من جمال الزبدة. وخلال أسبوعين فقط تم الزواج. كان يكبرها بعشر سنوات، وحين تعرفت إليه وجدت فيه إنسانًا حنونًا مثاليًا. ورُزقا بأسامة، أول فرحتهما. ومن أجله طلبت والدته الانتقال من الولايات المتحدة إلى بلدٍ مسلم، فانتقلا إلى الإمارات، حيث عاشا ثمانية أعوام، قبل أن يختار العودة إلى البلاد بعد وفاة ابنة أخته، البالغة من العمر عشر سنوات، بين يديه إثر تعرضها لحادث سير. ومنذ تلك الحادثة تغيّر الرجل، وأصبح أكثر قربًا من الله.

كما طلب والد الشهيد جمال منه العودة إلى غزة، وكان يقول له: برضايا عليك يا با، بدي حد من أولادي جنبي"، فلبّى طلب والده، وعاد إلى غزة للعمل في الجامعة الإسلامية.

 الابن على ذات درب أبيه

أمهات الشهداء

تقول أم أسامة، زوجة الشهيد جمال الزبدة، في حوار سابق لـ بنفسج: "تربى أبناؤنا على حب الجهاد، زرع فيهم أبوهم قيمة التضحية، وفهّمهم منذ نعومة أظفارهم أن ثمة قضيةً وهدفًا لا بد من العمل لأجلهما، لذا كان طبيعيًا جدًا أن يلتحق أسامة بالكتائب في عمر مبكر.

كان عمر أسامة حين التحق بكتائب القسام ستة عشر عامًا. حاولت والدته إثناءه عن القرار، لكنها لاحقًا صارت تجهزه بنفسها للرباط. وكان الشهيد الأب جمال يظن أنه سيستشهد أولًا، فيقول: "إن استشهدتُ، أسامة سيتولى أمركم". وكان أسامة يقول لزوجته يسرى: "لا تقلقي على أطفالنا من بعدي، أبي موجود، سيربيهم، ويعلّمهم، ويزوّجهم".

ابنه الشهيد أسامة، البالغ من العمر (33 عامًا)، درس الهندسة في الجامعة الإسلامية، وسخّر كل شيء لخدمة المقاومة، وكان لديه ابنة وولدان. وقد اختار الشهيدان، اللذان يحملان الجنسية الأميركية، درب المقاومة في غزة.

 أنا معك بالطريق

الشهيد جمال الزبدة

كان الشهيد جمال يحاول تعويض أسرته عن غيابه، فينظم نزهةً شهرية، ويخصص يومًا في الأسبوع للعب كرة القدم مع أولاده. وكلما سألته زوجته: "هل أنت قادر عليها؟ وهل لديك الوقت لممارستها؟"، كان يجيب: "أُشعرهم أني موجود معهم في كل شيء".

كان حنونًا مع جميع أولاده، إلا أن علاقته بـ"ول فرحته" كانت استثنائية. تقول أم أسامة في حوار سابق لـبنفسج: "هو ابنه، وأخوه، يستشيره في كل شيء. يعودان من العمل معًا كل ليلة، ولا بد من جلسة نقاش في تفاصيل ما أنجزاه. وانعكس العمل على علاقتهما في الحياة اليومية، فكانت قوية جدًا، وكانت روح أسامة معلقة بأبيه، وكان يتساءل دومًا: لو صار لأبي شيء، كيف أكمل حياتي بدونه؟".

في آخر أسبوع من حياته، صلى بها إمامًا، وفي إحدى المرات، وبعد الصلاة، ظل جالسًا على الأرض وقال: "قرّبت أستشهد، ديري بالك على الأولاد، دائمًا خلي مخافة الله بين عيونهم، ربّيهم على الجهاد، وعلى الدين، وعلى تقوى الله".

الوصية الأخيرة

درب المقاومة

وفي آخر يوم له في بيته، اشتهى تناول الكباب على الإفطار، رغم وجود طعام آخر، وبالتزامن مع إطلاق المقاومة صواريخها نحو القدس، خرج على عجالة. تقول زوجته: "في مثل هذه الظروف، كان يودعنا واحدًا واحدًا، لكن هذه المرة كان سريعًا بشكل غير عادي. حضّر ملابسه واحتياجاته في دقائق معدودة، وخرج من البيت دون أن يحتضن ابنتيه، واكتفى بالتلويح بيده. يبدو أنه كان يرى الجنة ويُقبل عليها".

استوقفته أم أسامة قائلة: "باقي ساعة واحدة على المغرب، طلبنا الكباب، افطر معنا". فقال لها: "إن شاء الله أفطر مع حور العين». خرج من البيت، ولم يتواصل مع أسرته هاتفيًا كما كان يفعل في فترات الاختفاء السابقة، واختفى أسامة معه.

وكان الأب جمال الزبدة قد قال لابنته سجى: "حاسس حالي قربت أستشهد». فقالت مازحة: "من وقت وعيت على الدنيا بسمعها، شكلي هموت قبلك وإنت قاعد". فضحك على ردها، وبعد ثلاثة أيام تحقق حدسه، ورحل شهيدًا.

وأتت اللحظة الحاسمة التي كُرّم فيها الأب وابنه باستشهاد يليق بهما، إذ ارتقت روحاهما بعد فجر آخر يوم من رمضان، في الثاني عشر من أيار/مايو، حين كانا داخل نفق استهدفه الاحتلال خلال معركة سيف القدس.