تناجيهما بالدعاء، وتهمس إليهما بما يفيض به قلبها من شوق: “أتعلمان كم اشتقنا إليكما؟ أتدريان ما الذي نقاسيه في غيابكما؟”. وكأنها تسمع صدى صوتيهما يبددان وحشة البعد: “يا يما، عتمات السجن ما توهن بعزمي، وسنة الله في المحن الصبر يا أمي، بإذن الله الملتقى يكون، يا يما ما تبقى سجون، الله معنا ولن نهون.”
وما هي إلا لحظات حتى تسترد السيدة عائدة فخري بشناق سكينتها، ويهدأ بالها، مؤمنةً بأن عوض الله آتٍ لا محالة، فيطمئن قلبها، وتسلم أمرهما لله. ذلك حالها في كل ليلة، كيف لا، وهما ضياء عينيها، عبد الله وعبد الرحمن ظافر بشناق، اللذان يقبعان في سجون الاحتلال منذ نحو عامين.
اعتقال أبناء العائلة

بادرتها بالسؤال: “لو كان عبد الله وعبد الرحمن يسمعانك الآن، ماذا تودين أن تقولي لهما؟” تنهدت طويلًا، ثم سكتت لبرهة، ولمعت في عينيها دمعةٌ كادت تفيض، قبل أن تستجمع قوتها وتقول: “ربي من عالي سماه يحفظكم، يا يما، ويردكم سالمين يا شمعة بيتي، أنا فخورة فيكم، الله يفرجها عليكم، وخليكم زي ما بعرفكم، رجال في زمن قلّ فيه الرجال، في ودائع الرحمن، والله يجمعني فيكم قريبًا.”
أما عن شوقها، فتقول بصوتٍ يختلط فيه الحنين بالصبر: “ما في إشي بخفف غيابهم، لأنهم كانوا كل إشي بحياتي، هم قطعة من قلبي، بس دائمًا بحاول أكون قوية عشانهم، وأملي برب العالمين فقط.” وعبّرت أم عبد الله عن خشيتها البالغة على حياة نجليها في ظل ما ترتكبه إدارة السجون من انتهاكات جسيمة وجرائم حرب بحق آلاف الأسرى، إلى جانب استمرار حرمانهم من زيارة ذويهم، وشحّ المعلومات التي تصلها عن أوضاعهما الصحية.
اقرأ أيضًا: أسرى منفيون: زوجات المبعدين في صفقة "طوفان الأحرار" في سجون الانتظار
ويزداد قلقها على ابنها عبد الله على وجه الخصوص، بعد أن تعرّض لإصابة داخل السجن قبل نحو عام، تسببت بكسر نظارته الطبية، ومنذ ذلك الحين تبذل العائلة جهودًا حثيثة، بالتعاون مع مؤسسات الأسرى، لتأمين نظارة بديلة له، إلا أن جميع تلك المساعي لم تُكلّل بالنجاح حتى اليوم، الأمر الذي يفاقم معاناته داخل الأسر. في حين تناشد الجهات المعنية والمؤسسات الحقوقية والدولية التدخل العاجل لتوفير نظارة طبية لابنها، إذ تمتلك العائلة تقارير طبية تؤكد حاجة عبد الله الملحّة إلى نظارة تمكّنه من ممارسة حياته اليومية داخل السجن، ورؤية زملائه الأسرى.
"كسروا نظارته"

هذا وقد أصيب الشقيقان عبد الله وعبد الرحمن بمرض الجرب (السكابيس) أكثر من مرة، نتيجة الظروف الصحية والبيئية القاسية داخل السجون، إلى جانب معاناتهما، كسائر الأسرى، من الحرمان الممنهج من أبسط مقومات الحياة، فلا يكاد يتوافر لهما سوى الحد الأدنى الذي يبقيهما على قيد الحياة. ونتيجة لتلك الظروف، فقد عبد الله ما يقارب 40 كيلوغرامًا من وزنه، فيما خسر شقيقه عبد الرحمن نحو 45 كيلوغرامًا.
تسرد لنا أم عبد الله تفاصيل اعتقال نجليها، وتعود بذاكرتها إلى تاريخ 23/6/2024، حيث حاصرت قوات الاحتلال منزل العائلة الكائن في قرية كفر عبوش، قضاء مدينة طولكرم، قبل أن يقتحمه عشرات الجنود المدججين بالسلاح، وعاثوا فسادًا في محتويات المنزل عقب تفتيشه بشكل دقيق، لتنتهي العملية باعتقال عبد الله، البالغ من العمر 25 عامًا.
ولم تكد تمضي ثلاثة أشهر على اعتقال عبد الله، حتى تكرر اقتحام المنزل، وهذه المرة لاعتقال شقيقه عبد الرحمن، بالتحديد في تاريخ 26/9/2024، إذ استيقظ أفراد العائلة مفزوعين على وقع صراخ الجنود وطرقاتهم العنيفة على الأبواب بأعقاب بنادقهم وأدوات الاقتحام.
أمنيات أم

وما هي إلا دقائق حتى انتشر الجنود في أرجاء المنزل، وبدؤوا بتخريب وتكسير كل ما طالته أيديهم، فيما أخضع الجنود عبد الرحمن للتحقيق لأكثر من ساعة، واعتدوا عليه أمام عائلته. ومنذ ذلك الحين، تؤجل محاكم الاحتلال البت في إصدار الحكم، لكن الأم المكلومة علقت على ذلك، وبحسب المحامي: “لهسا أولادي ما انحكموا، عبد الله مطلوب له مؤبد، وعبد الرحمن لسه ما حددوا حكمه، بس حكى المحامي إنه رح يكون الحكم عالي.”
وتضيف: “يريد الاحتلال، والله غالبٌ على أمره، ونحن راضون بحكم الله وقدره، غير أن للشوق وجعًا لا يخف، وللفراق ألمًا لا يهون، مهما بلغ الصبر والرضا، والحمد لله على كل حال.”
ويتهم الاحتلال الشقيقين الأسيرين عبد الله وعبد الرحمن بشناق بتقديم المساعدة لمنفذ عملية إطلاق نار أدت إلى مقتل مستوطن صهيوني، وفق ادعائه، في 22 حزيران/يونيو 2024 بمدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، بعد استهداف مركبته بوابل من الرصاص أثناء دخولها المدينة عبر ما يُعرف بـ”شارع 22”.
اعتقال وهدم للمنزل

ولم تتوقف معاناة عائلة بشناق عند اقتحام منزلها واعتقال اثنين من أبنائها الأربعة، بل تفاقمت بعد نحو عام من اعتقالهما، حين نفذت قوات الاحتلال، في العاشر من أيلول/سبتمبر 2025، أمرًا بهدم منزل العائلة بعد تفخيخه بالمتفجرات وتفجيره، في إطار سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها بحق عائلات المقاومين الفلسطينيين، والتي يبررها بأنها وسيلة ردع لمنع تنفيذ عمليات ضد قواته ومستوطنيه.
وتعقب الأم بالقول: “سكنا ببيتنا 26 سنة، فيه كل ذكرياتنا وأحلامنا، لكن الاحتلال بسعى يهدم كل إشي حلو بالنسبة إلنا، ومع هيك الحمد لله على كل حال، هذا قدرنا وإحنا راضيين، المهم أولادي بخير، وأملنا بربنا كبير بحريتهم، وما إلنا غير الصبر.”
اقرأ أيضًا: علا قطشيات: أصغر أسيرة في السجون
وسبق أن اعتقل الاحتلال، عام 2022، عبد الرحمن لمدة عشرة أشهر، حينها كان يعمل في الداخل المحتل نظرًا لقلة فرص العمل والأجور المتدنية في الضفة المحتلة، في حين أن هذا الاعتقال الأول بالنسبة لشقيقه عبد الله.
وفي ختام حديثها، وجهت أم عبد الله رسالة إلى كل المعنيين بقضية الأسرى: “رسالتي للمؤسسات، قبل أي شيء، صحّوا ضمائركم، ولا تنسوا اللي ضحّى بعمره وشبابه وبيته وأهله عشان يحفظ كرامتكم. لا تضلوا ساكتين عن الظلم اللي بيتعرض له الأسرى، الأسرى أمانة بأعناقكم، كل يوم بموتوا يا إما جوع أو إهمال طبي أو بسبب العزلة التامة عن العالم، أنقذوا الأسرى يا عالم.”

