بنفسج

الصحافي عبدالله شتات: كيف عشت 32 شهرًا في القبر؟

الإثنين 06 يوليو

الأسير المحرر عبدالله شتات
الأسير المحرر عبدالله شتات

هو بعثٌ جديدٌ إلى الحياة، وحريةٌ بطعمٍ مختلفٍ عن كل ما سبق، كأنها خروجٌ من اللاشيء إلى كل شيء، ومن العتمة إلى السماء، ومن الغياب إلى الأهل. بهذه الكلمات وصف الأسير المحرر عبد الله شتات (36 عامًا)، ابن بلدة بديا غرب سلفيت، لحظة تحرره من سجن نفحة، بعد اثنين وثلاثين شهرًا قضاها في الاعتقال. وبذلك يكون شتات قد أمضى في سجون الاحتلال ما مجموعه خمس سنوات على مدار اعتقالاته المتعددة.

في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران من العام الجاري، أفرجت قوات الاحتلال عن الناشط عبد الله شتات عند حاجز الظاهرية جنوب مدينة الخليل، بعد أن أنهى 32 شهرًا في الاعتقال. ومع ذلك، فإن الوصول إلى حاجز الظاهرية توجب على عائلته المرور باثنتي عشرة نقطة تفتيش وحاجز احتلال، إذ أصبح السفر من دولة إلى أخرى أسهل من التنقل بين مدينة وأخرى في الضفة الغربية المحتلة.

32 شهرًا من الاعتقال

الاعتقال الإداري

خرج شتات وقد فقد من وزنه 56 كيلوغرامًا، وهي كافية لتغيير ملامحه بشكل كامل. وقد تحرر من سجن نفحة، قسم 16، غرفة 3، وكان في حالة صحية متدهورة، وبدا عليه الإنهاك الشديد وآثار الإعياء، قبل أن يفقد وعيه من شدة التعب والإرهاق فور الإفراج عنه، في مشهد بات يتكرر مع الأسرى المفرج عنهم في الآونة الأخيرة.

يستحضر شتات تلك اللحظة التي بدت له أقرب إلى حلم طال انتظاره، قائلًا: "لم أكن أصدق أنني خرجت من القبور إلى فضاء الحياة، كنت أنظر حولي باستغراب، وأتساءل: هل فعلًا خرجت من السجن؟ فعليًا مجموعة أسئلة داهمت ذهني، كان همي الأول أشوف أولادي وزوجتي وأهلي وأطمئن عليهم أنهم بخير، لأنه فعلًا إحنا كنا بقبور".


اقرأ أيضًا: المسن الستيني حسام حرب: ثلث العمر في السجون


مشاعر متناقضة غمرت العائلة في لحظة لقاء شتات؛ فرحة عارمة بحريته امتزجت بحزن عميق وصدمة أمام التغير الكبير الذي طرأ على ملامحه وجسده بفعل الاعتقال. غير أن الصدمة الأكبر كانت في اللقاء الأول بين شتات ونجله عز الدين، البالغ من العمر ستة أعوام، والذي لم يتمكن من التعرف إلى والده للوهلة الأولى. يستعيد شتات تلك اللحظة قائلًا: "كان عز بين الذين جاءوا لاستقبالي عند الحاجز، سلّمت على ابنتي حنان، وعمرها تسع سنوات، وعلى زوجتي، وكنت أرى طفلًا يقف بينهم يحدّق بي بصمت.

قال لي أهلي: هذا ابنك عز، سلّم عليه… والله ما كنت مستوعب أنه ابني، وهو أيضًا كان مصدومًا، ولم يبادر حتى بالسلام، وحين احتضنته قال لي: “إنت متغير كثير… ليش هيك متغير؟”. شعورٌ صعب على الأب أن يرى ابنه عاجزًا عن التعرف إليه من شدة ما غيّره الاعتقال."

ملامح متغيرة جدًا

زوجات الأسرى

على الصعيد الصحي، فلا تزال آثار الاعتقال محفورة في جسده، إذ كشف شتات عن إصابته بأربعة كسور في الأضلاع، ومعاناته من آلام حادة في الرأس وأجزاء متفرقة من جسده، فضلًا عن آلام مستمرة في الركبتين نتيجة الاعتداءات التي تعرض لها خلال فترة اعتقاله، وهو ما استدعى نقله إلى المستشفى فور الإفراج عنه، حيث لا يزال يخضع لسلسلة من الفحوصات الطبية لتقييم حالته الصحية ومتابعة علاجه.

أمضى شتات 32 شهرًا في سجون الاحتلال، قضى منها 16 شهرًا محكومًا بتهمة "التحريض" على خلفية عمله في مجال الصحافة، قبل أن تحوّل قوات الاحتلال ملفه إلى الاعتقال الإداري. وخلال فترة اعتقاله، تنقل بين سجني مجدو وريمون، ليقضي الجزء الأكبر من اعتقاله في سجن نفحة، والذي امتد لنحو 20 شهرًا.


اقرأ أيضًا: والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"


وعن أوضاع السجون، يصف شتات واقع الأسرى بجملة واحدة: “الداخل مفقود والخارج مولود”، وهي عبارة تختزل حجم المأساة التي يعيشها آلاف الأسرى داخل السجون، في ظل ما يصفه بسياسات قمعية وانتهاكات متواصلة تمارسها إدارة السجون بحقهم، غير آبهة بالقوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف، التي تكفل حماية الأسرى وحقوقهم الإنسانية.

ويكمل: “الأسير موجود في مكان بانتظار الموت أو الحرية، فعليًا ما في حياة بالسجن غير قهر الرجال، كل أصناف التعذيب الجسدي والنفسي تم تطبيقها على الأسرى، بالإضافة لعزلك التام عن العالم الخارجي، إلا من معلومات شحيحة تصل من خلال المحاكم أو زيارة المحامين.”

هناك يتجلى قهر الرجال

أبناء الأسرى

وفي حديثه، لفت عبد الله شتات إلى أن قوات الاحتلال تتعمد عزل الأسرى عن العالم الخارجي، في إطار سياسة ممنهجة لتعذيبهم نفسيًا، ما يجعل الأسرى يعيشون في قلق دائم على عائلاتهم.

وفي السياق، يسرد عبد الله بعضًا من المواقف التي عايشها خلال فترة اعتقاله: “كانت تصلنا أخبار بعد انقضائها بشهور، أنا عرفت بعودة أختي أفنان إلى الوطن بعد تخرجها من الجامعة، حيث كانت تدرس في فرنسا، وخطبتها وزواجها دفعة واحدة، وعن طريق الصدفة، إذ تزامن يوم زفافها مع انعقاد محكمة لي، وقد أبلغني المحامي بذلك دون تفاصيل أكثر، مثل: من هو العريس مثلًا!”.

ويكمل: “القيادي الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا علم بوفاة زوجته بعد شهرين من رحيلها، فيما بقي أسير آخر يجهل ولادة زوجته لطفلتهما قرابة ثمانية أشهر، ولم يعلم إلا لاحقًا أنها مرت بظروف صحية بالغة الخطورة إثر إصابتها بنزيف استدعى إدخالها إلى العناية المكثفة، ولا يزال يتمنى رؤيتها واحتضان ابنته للمرة الأولى.”


اقرأ أيضًا: أم الأسيرين إسلام وسليم بدارنة: "كيف يأكل القلق قلب الأمهات؟"


وفيما يتعلق بالطعام وكميته، أوضح شتات مدى شحّ ما يُقدَّم للأسرى ورداءته، إذ لا يرقى إلى مستوى الاستهلاك الآدمي، ولا يكفي لإشباع طفل صغير. وعن كمية الطعام وجودته، قال عبد الله شتات: “حصة كل أسير عبارة عن كأس بلاستيكي من الأرز شبه الني، وملعقتين من الحمص، وملعقة من اللبنة، وفي أيام محددة من الأسبوع تقدم إدارة السجن أصنافًا مختلفة، لكنها غالبًا ما تكون غير صالحة للاستهلاك الآدمي، مثل التونة محددة الكمية أو قطعة صغيرة من الشنيتسل أو لحم الحبش المليء بالريش.” ويضيف ساخرًا لوصف رداءة الطعام: “لو شدّت حالها بتطير.”

ويؤكد شتات أن المشكلة لا تقتصر على رداءة الطعام، بل تمتد إلى النقص المتعمد في كمياته، الأمر الذي يدفع بعض الأسرى إلى التنازل عن جزء من حصصهم لسد جوع رفاقهم في الغرفة، في مشهد يجسد حجم المعاناة اليومية التي يعيشونها داخل السجون.

إلى جانب حرمانهم من المنكهات كالملح والبهارات، فضلًا عن أن جميع الوجبات تُقدَّم لهم باردة، ما يزيد من صعوبة تناولها في ظل رداءة نوعيتها وقلة كميتها. وقد دفعت هذه الأمور مجتمعة بالأسرى إلى خوض صيام يومي مستمر، عبر تجميع وجبات الطعام على مدار اليوم، في محاولة للحصول على لحظة واحدة من الشعور بالشبع، وإن لم يكن شبعًا كاملًا.

"بابا ليش متغير هيك"

الوضع الصحي للأسير عبدالله شتات
 

ومعاناة الأسرى امتدت لتطال مختلف مناحي الحياة داخل السجن، حتى أبسط مقومات النظافة الشخصية، التي تكاد تكون معدومة. أما فيما يتعلق بالملابس، فأوضح شتات أن إدارة السجون تفرض قيودًا مشددة على ما يمكن للأسير الاحتفاظ به، إذ يُسمح له بامتلاك غيارين فقط من الملابس الداخلية، إضافة إلى بدلة السجن “الشاباص”، وبدلة مقدمة من الصليب الأحمر، فيما يُمنع من الاحتفاظ بأي ملابس أخرى. ويضيف شتات: “4 شهور وأنا حافي القدمين، والفورة ممنوعة تقريبًا، حتى مرآة نقدر نشوف فيها حالنا ممنوعة.”

بعد حرب الإبادة الجماعية على غزة، انقلبت الأمور داخل السجون رأسًا على عقب، فلم تعد هناك حركة أسيرة ولا تنظيمات، فبات كل أسير مسؤولًا عن نفسه، يواجه إدارة السجون وحده، وأصبح الأسرى مجردين من أي حقوق، تُمارس بحقهم جرائم مركبة وصلت إلى حد القتل المتعمد خلال عمليات القمع المتكررة التي تنفذها عدة وحدات باستخدام الكلاب البوليسية والقوة المفرطة.

وعن الاكتظاظ داخل السجون، يقول شتات إن المعاناة لا تقل قسوة، إذ يؤكد أنه في إحدى المرات بلغ عدد الأسرى داخل غرفة لا تتجاوز مساحتها سبعة أمتار طولًا وثلاثة أمتار عرضًا سبعة عشر أسيرًا. وفي ظل هذا الاكتظاظ الشديد، تنعدم الخصوصية، ويقتصر الحيز الشخصي لكل أسير على الفرشة التي ينام عليها، فيما تتحول أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى معاناة، حتى إن الوصول إلى دورة المياه يتطلب انتظار الدور في مساحة بالكاد تتسع للحركة.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


وعن مرض السكابيوس، أكد شتات أن أغلب الأسرى أصيبوا به، وتحدث عن تبعاته المريرة على حياتهم، وقال إن إدارة السجون تتعامل مع المرض بلامبالاة مقيتة، فيما تعاملت باستهزاء مع الأسرى المصابين، وتنعتهم بـ”الزومبي”، دون تقديم العلاج لهم.

أمام هذا الظلم والقهر، يبرز السؤال: كيف يستطيع الأسرى مواصلة حياتهم في ظل هذه الظروف القاسية يومًا بعد يوم؟ يجيب شتات: “ربنا فقط وإيماننا فيه هو من يعيننا على الحياة داخل السجن. بتذكر مرة زارتنا محامية، انهارت لما رأتني وصارت تبكي من هول منظري حسب كلامها، وسألتني نفس السؤال: كيف متحملين؟ فأجبت: لطف ربنا، والصبر يتنزل مع الابتلاء، وإحنا راضيين محتسبين، قلبنا مع الله، والقرآن والدعاء سلاحنا. عشرات الأسرى أتموا حفظ القرآن، وهناك العديد منهم على الدرب.”

وفي ختام حديثه، وجّه الناشط عبد الله شتات رسالة عتب إلى المؤسسات المعنية بقضية الأسرى، معربًا عن استيائه، واستياء الأسرى، مما وصفه بعدم اكتراثها بقضيتهم، وبأنها باتت على هامش أولويات كثير من الجهات، مضيفًا: “كأن الجميع يعمل ضدنا، ولم نرَ الاكتراث الذي كنا نأمله بقضية الأسرى.”

وعلّق شتات على قرار السلطة الفلسطينية بقطع رواتب مئات الأسرى، وهو أحد المشمولين به، معتبرًا أنه قرار مجحف بحق الأسرى وعائلاتهم، وقال إن هذا القرار حرم العديد من الأسر من مصدر دخلها الوحيد، رغم أن أبناء الأسرى وعائلاتهم، بحسب تعبيره، لا ينبغي أن يُحرموا من حقهم في العيش الكريم وتأمين مصدر رزق لهم.