لم تكن زوجات الأسرى المبعدين يتوقعن أن يتحوّل الإفراج الذي انتظرنه لسنوات طويلة إلى بداية مرحلة جديدة من الفراق. فحين تحرر عشرات الأسرى الفلسطينيين ضمن الدفعة الثانية من صفقة طوفان الأحرار مطلع عام 2025، بدا أن عقارب الزمن تستعد أخيرًا لتصحيح مسارها، وتعوّض العائلات ما سرقته سنوات السجن من أعمارهم. بيد أن فرحة الحرية سرعان ما اصطدمت بواقع المنفى المر؛ إذ أُبعد الأسرى إلى خارج فلسطين، فيما بقيت زوجاتهم وأبناؤهم مقيّدون في الضفة.
وما إن أُعلن عن أسماء الأسرى المشمولين بالإبعاد، حتى بدأت العائلات ترتب تفاصيل اللقاء المنتظر، على أمل أن تلتحق بالأزواج والآباء في أماكن وجودهم الجديدة؛ في مصر غالبًا أو قطر أو تركيا أو منافي أخرى وافقت على استقبال الأسرى الفلسطينيين. لكن محاولات السفر عبر جسر الأردن قوبلت بقرارات منع أمني من الاحتلال، طالت الزوجات والأبناء، وحتى الخطيبات، لتتبدد أحلام اللقاء عند بوابات العبور، ويتحول التحرر من السجن إلى شكل آخر من أشكال الإقصاء.
وبعد نحو عام ونصف على إبعاد الأسرى، لا يزال كثير منهم موزعين في جغرافيا الأرض، فيما تزال عائلاتهم في الضفة الغربية تعيش على وقع انتظار ثقيل، عاجزة عن زيارتهم أو الاستقرار بقربهم. وبين أسير نجا من الزنزانة ولم يستعِد أسرته، وعائلة تحررت من هاجس السجن لتجد نفسها أسيرة المنع والحدود، تتواصل فصول معاناة يصفها حقوقيون بأنها امتداد للعقوبات الجماعية التي يبرع الاحتلال في انتهاجها، ولا تنتهي بخروج الأسير إلى عالم الحرية.
انتهى الأسر.. وبدأ فراق من نوع آخر

تقول زوجة أحد الأسرى المبعدين، مفضلة عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية، إن لحظة الإفراج عن زوجها كانت من أسعد لحظات حياتها، لكنها سرعان ما تحولت إلى صدمة جديدة. فبعد انتظار طال 22سنة ليخرج من السجن، والاعتقاد أن المعاناة ستنتهي بمعانقته للحرية، وانتظار لحظة اللقاء ولئم الشمل، فإذا بهم يفاجؤون على جسر الأردن بقرار الاحتلال منعها وأبناءها من السفر. وإعادتهم مرة أخرى دون أي تفسير حقيقي.
وتتابع الزوجة بألم: "ابني الأصغر الذي أنجبته بنطفة محررة، كان يعد الأيام لرؤية والده. ويسألني كل يوم: متى سنسافر؟ وعندما عدنا من الجسر بكى بحرقة قائلًا: لماذا يمنعونني من رؤية أبي؟ لم أعرف بماذا أجيبه". وتؤكد أن التواصل عبر الهاتف لا يعوّض غياب اللقاء، قائلة: "هناك أشياء لا تنقلها الشاشات. الأبناء يحتاجون أن يحتضنوا أباهم، وأن يعيشوا معه تفاصيل الحياة اليومية، لا أن يروه عبر مكالمة قصيرة".
اقرأ أيضًا: "متى بابا مروح؟".. زوجات الأسرى في مواجهة الأسئلة
وفي حالة أخرى تجسد تعقيدات هذه المعاناة، في حالة الأسيرة إخلاص حماد، زوجة الأسير المبعد شادي عودة، التي تتعرض لعقاب مضاعف طال الأسرة بأكملها. فبعد إبعاد زوجها حاولت أن تسافر إليه مع أبنائها، لكنهم مُنعوا من السفر الذي لم يتوقعوه نهائيًا. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ازداد باعتقال إخلاص نفسها نكاية بزوجها المبعد أيضًا. لإبقاء العائلة كلها تحت الضغط؛ الزوج بعيد في الخارج، والأبناء محرومون من والدهم، ومن أمهم المغيبة في سجون الاحتلال أيضًا.
الأطفال يكبرون، ووالدهم بعيد عنهم. تمر المناسبات والأعياد وهم ينتظرون لقاءه. وفي لقاء صحفي سابق مع إخلاص، ذكرت أن أكثر ما يؤلمها أنها لا تستطيع أن تجيب عن أسئلة طفليها وهما يسألانها: متى سيعود أبي؟ أو متى سنذهب إليه؟
بين الوعد والمنفى.. زواج ينتظر العبور

أما لينا (اسم مستعار)، فكانت تتهيأ لبدء حياة طال انتظارها مع خطيبها الذي أمضى عشرة أعوام في الأسر، قبل أن يُفرج عنه ضمن صفقة طوفان الأحرار رغم أن أربعة أعوام كانت لا تزال تفصله عن موعد انتهاء محكوميته. وكانت قد ارتبطت به بعد خمس سنوات من اعتقاله، متمسكة بالأمل بأن يجمعهما يوم الحرية ويكلل صبرهما بالزواج وإنشاء أسرة.
غير أن قرار إبعاده إلى خارج فلسطين قلب تلك الأحلام رأسًا على عقب، ثم جاء منعها من السفر ليجعل المسافة بينهما أبعد من مجرد حدود وجغرافيا، ويحول مشروع الزواج إلى قصة معلقة لم يُكتب لها أن تكتمل بعد.
اقرأ أيضًا: الأسير محمد عزيزي.. زنزانة تجدد إداريًا
وتروي لينا معاناتها قائلة: "كنا نعتقد أن الإفراج سيكون بداية حياتنا معًا، وأن سنوات الانتظار أوشكت على الانتهاء، لكن الاحتلال حوّل تلك اللحظة إلى فصل جديد من الغياب. حاولت السفر أكثر من مرة للالتحاق به، وفي كل مرة كنت أُمنع من العبور". وتضيف: "لا نعرف متى سنلتقي، ولا متى يمكن أن نتزوج. حياتنا كلها أصبحت مرتبطة بقرار أمني لا نعرف له سببًا ولا موعدًا لانتهائه".
وتشير إلى أن بعض العلاقات لم تحتمل هذا الواقع، موضحة: "هناك خطيبات اضطررن لإنهاء ارتباطهن بسبب طول الغياب وعدم وضوح المستقبل. ليس لأن المحبة انتهت، بل لأن الظروف أصبحت أقسى وأعقد من أن تُحتمل".
حرية تصطدم بالقيود

ويعتقد حقوقيون ومختصون في شؤون الأسرى أن منهجية منع عائلات الأسرى المبعدين من السفر لا يمكن فصلها عن سياسة الإبعاد نفسها، إذ يحرم الأسرى المحررين من أحد أبسط حقوقهم الإنسانية المتمثلة في استعادة حياتهم العائلية بعد سنوات طويلة من الاعتقال. كما يثير هذا الواقع تساؤلات قانونية وحقوقية حول حق الأسرى المحررين وأسرهم في حرية التنقل ولمِّ الشمل، في ظل استمرار القيود المفروضة عليهم رغم انتهاء فترة احتجازهم.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المطالبات الحقوقية بتمكين العائلات من زيارة أبنائها وأزواجها أو الالتحاق بهم، تبقى القضية شاهدة على الأثر الممتد للإبعاد، بوصفه إجراءً لا يتوقف عند نقل الأسير خارج وطنه، بل يمتد ليطال شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية التي يحاول أصحابها استعادتها. وبين نصوص القانون ومقتضيات الواقع، تظل عشرات العائلات عالقة أمام حق طبيعي لم يتحول بعد إلى واقع.

