هناك أحلام لا تأتي فجأة، بل تولد مع الإنسان، وتنمو معه عامًا بعد عام. منذ طفولتي، لم أرَ نفسي في أي مكان سوى أمام الكاميرا. وما زالت والدتي، حتى اليوم، تبتسم وهي تستعيد تلك المشاهد التي لم تغادر ذاكرتها؛ فقد كنت، في الخامسة من عمري، أقف أمام شاشة التلفاز ممسكةً بجهاز التحكم وكأنه ميكروفون، أقلّد الإعلامية الفلسطينية القديرة جيفارا البديري في أسلوبها وطريقتها أمام الكاميرا.
وأحيانًا كنت أجلس خلف مكتب والدي، أرتب أوراقه بعناية، ثم أبدأ بتقديم موجز إخباري متخيَّل، متأثرةً بأيقونة شاشة الجزيرة، الإعلامية القديرة خديجة بن قنة. بالنسبة إلى الآخرين، لم تكن تلك سوى ألعاب طفلة، أما بالنسبة إليّ، فقد كانت أولى ملامح الحلم. لكن الطريق إلى الأحلام لا يكون دائمًا مستقيمًا.
نشأت في عائلة تؤمن بأن العلم هو أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان أثرًا بعده. كانت عائلتي عائلةً علميةً مثقفة تُجلّ المعرفة، وكان والدي، الحاصل على درجة الدكتوراه، قدوتي الأولى في حب العلم والاجتهاد. كما أن والدتي وجميع إخوتي اتجهوا إلى التخصصات العلمية. لذلك، وبعد إنهائي الثانوية العامة في الفرع العلمي، التحقت بتخصص تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، انسجامًا مع قناعات عائلتي ورغبة والديّ، اللذين كنت وما زلت أعتز بحكمتهما وأقدّر حرصهما على أن أمتلك تخصصًا يواكب المستقبل.
تعلمت الكثير في هذا المجال، وأدركت قيمة التكنولوجيا وأثرها في بناء المستقبل، لكن في داخلي كان هناك صوت لا يتوقف عن تذكيري بحلم الطفولة. كنت أشعر أنني أنتمي إلى عالم الكلمة، والحكاية، والرسالة أكثر من أي شيء آخر. وحين حان الوقت، التحقت بكلية الدراسات العليا في الجامعة العربية الأمريكية. أردت أن أقتدي بوالدي في مواصلة المسيرة الأكاديمية، لكنني، في الوقت ذاته، أردت أن أختار الطريق الذي يشبهني ويقودني إلى حلمي الحقيقي. لذلك اخترت دراسة العلاقات العامة والإعلام، وهناك شعرت، للمرة الأولى، أنني لا أدرس تخصصًا فحسب، بل أعيش الحلم الذي بدأ يتشكل منذ سنوات الطفولة.
اقرأ أيضًا: الصحافية الفلسطينية: حين تكتب الحقيقة بمداد الدم
ولم أتوقف عند الدراسة، بل واصلت رحلتي حتى أصبحت عضو هيئة تدريس في الجامعة العربية الأمريكية؛ لأنني أؤمن بأن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل صناعة لجيل جديد من الإعلاميين القادرين على حمل الرسالة بمهنية ومسؤولية. وإلى جانب عملي الأكاديمي، أشارك في تقديم المؤتمرات والفعاليات الوطنية، والأكاديمية، والمجتمعية، وهي تجربة أتاحت لي أن أمارس الحضور الإعلامي المباشر، وأن أصقل مهاراتي في التقديم، والتواصل مع الجمهور، وإدارة المنصات باحترافية، لتكون امتدادًا عمليًا لشغفي القديم بالإعلام.
ومع ذلك، ظل حلم الطفلة التي كانت تحمل جهاز التحكم أمام شاشة التلفاز يكبر معي يومًا بعد يوم. كان حلمي، وما يزال، أن أصبح مذيعة وإعلامية على شاشة قناة الجزيرة؛ تلك الشاشة التي ارتبطت بطفولتي، وشكّلت جزءًا كبيرًا من شغفي بالإعلام. ولهذا سافرت إلى الدوحة، والتحقت بدورة في التقديم التلفزيوني في معهد الجزيرة للإعلام. وكانت بالنسبة إليّ أكثر من دورة تدريبية؛ فقد كانت خطوة أقترب بها من حلم رافقني منذ سنواتي الأولى.
وهناك التقيت بالإعلامية القديرة خديجة بن قنة، التي طالما جلست خلف مكتب والدي أقلّد أسلوبها وطريقة جلوسها أمام شاشة التلفاز وأنا طفلة. والتقطت معها صورة شعرت معها أن الأحلام تصبح أقرب عندما نعمل من أجلها بصدق. ثم واصلت رحلتي بالحصول على دبلوم الإعلام الرقمي من معهد الجزيرة للإعلام، وهي تجربة منحتني أدوات جديدة لفهم الإعلام الحديث وصناعة المحتوى الرقمي.
ما الأثر الذي أريد أن أتركه؟ كنت أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد مهنة أو شهرة، بل رسالة ومسؤولية. وبوصفي فتاة فلسطينية عاشقة لفلسطين وقضيتها العادلة، كنت أبحث عن طريقة أقدم بها شيئًا مختلفًا لوطني؛ شيئًا يتجاوز نشرة الأخبار اليومية، ويعيد للناس علاقتهم بتاريخهم، وهويتهم، وحضارتهم، ويجعل الفلسطيني يزداد حبًا وفخرًا بوطنه.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يرافقني أينما ذهبت: ما الأثر الذي أريد أن أتركه؟ كنت أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد مهنة أو شهرة، بل رسالة ومسؤولية. وبوصفي فتاة فلسطينية عاشقة لفلسطين وقضيتها العادلة، كنت أبحث عن طريقة أقدم بها شيئًا مختلفًا لوطني؛ شيئًا يتجاوز نشرة الأخبار اليومية، ويعيد للناس علاقتهم بتاريخهم، وهويتهم، وحضارتهم، ويجعل الفلسطيني يزداد حبًا وفخرًا بوطنه، ويمنح العالم فرصة ليرى فلسطين بعيون أهلها.
وأثناء دراستي لدبلوم الإعلام الرقمي، سألت نفسي سؤالًا غيّر مسار رحلتي: لماذا لا أصنع مشروعًا يحمل اسمي، لكنه يحمل فلسطين قبل أي شيء؟ ومن هنا وُلدت فكرة "نبأ من سبأ"؛ مشروع أردته مختلفًا عن الأساليب التقليدية، يروي الحكايات التي لا تصل إلى نشرات الأخبار، ويقدّم فلسطين بتاريخها، وثقافتها، وإنسانيتها، بأسلوب معاصر يجمع بين السرد، والمعرفة، والهوية.
أؤمن بأن الإعلام الصادق قادر على أن يصنع أثرًا، وأن يحمل صوت فلسطين إلى العالم كما تستحق. وأؤمن بأن الأحلام لا تتحقق دفعة واحدة، بل تتحقق كل يوم بخطوة جديدة، وبعلم نتعلمه، وبعمل لا يتوقف، وبإيمان راسخ بأن لكل إنسان رسالة خُلق ليؤديها. أما رسالتي، فهي أن أروي حكاية فلسطين... كما تستحق أن تُروى.
وفي السادس عشر من أيار عام 2026، انطلقت أولى حلقات "نبأ من سبأ"، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعمل بكل شغف على تقديم محتوى يجعل المشاهد يخرج من كل حلقة وهو أكثر حبًا لفلسطين، وأكثر فخرًا بها، وأكثر إيمانًا بأن لهذا الوطن حكايات تستحق أن تُروى. واليوم، أشعر بامتنان كبير لكل رسالة تصلني من أحد أفراد الجمهور يخبرني فيها أن حلقة من "نبأ من سبأ" جعلته يكتشف معلومة جديدة، أو يشعر بفخر أكبر بانتمائه، أو ينظر إلى فلسطين من زاوية مختلفة. بالنسبة إليّ، تمثل هذه الرسائل النجاح الحقيقي، وهي الدافع الذي يجعلني أواصل الطريق.
ورغم كل ما تحقق، فإن الحلم الذي بدأ بطفلة تحمل جهاز التحكم أمام شاشة التلفاز ما زال حيًا في داخلي. ما زلت أحلم بأن أقف يومًا أمام كاميرات قناة الجزيرة مذيعةً وإعلامية، لا لأن الظهور هو الغاية، بل لأنني أؤمن بأن الإعلام الصادق قادر على أن يصنع أثرًا، وأن يحمل صوت فلسطين إلى العالم كما تستحق. وأؤمن بأن الأحلام لا تتحقق دفعة واحدة، بل تتحقق كل يوم بخطوة جديدة، وبعلم نتعلمه، وبعمل لا يتوقف، وبإيمان راسخ بأن لكل إنسان رسالة خُلق ليؤديها. أما رسالتي، فهي أن أروي حكاية فلسطين... كما تستحق أن تُروى.

