بنفسج

غزة مرآة القلوب.. وكأني أرى الرعيل الأول

الأربعاء 22 يوليو

ماذا علمتنا غزة في حرب الإبادة؟
ماذا علمتنا غزة في حرب الإبادة؟

ما أكثر النعم التي نتمتع بها يوميًا حتى غدت جزءًا من روتيننا وتفاصيل حياتنا، نمارسها دون أن نتوقف عندها أو نستشعر عظيم أثرها. ومع مرور الوقت، نعتادها إلى حدٍّ يجعلنا لا نلتفت إلى قيمتها، فلا ندرك حقيقة ما نملك إلا عندما نفقده. عندها فقط نكتشف أن أبسط ما كان بين أيدينا كان نعمةً تستحق الشكر في كل حين.

ولعل غرس القيم الأخلاقية المستندة إلى الأصول الدينية يُعد رؤيةً استراتيجيةً لبناء جيلٍ مؤمن، عميق الإيمان بقدرة الله تعالى، وبالقضاء والقدر؛ جيلٍ يستحضر نعم الله في كل أحواله، ويوقن أن الشكر لا يقتصر على أوقات الرخاء، بل يتجلى أيضًا في أحلك الأزمات وأشد لحظات الفقد، حين يبقى القلب متعلقًا برحمة الله، راضيًا بحكمته، مستمسكًا بالأمل، ومستشعرًا ما بقي من نعمه التي لا تُحصى.

في كل مرة تدهشني قوة الإيمان التي يتحلى بها الغزّي. فمع كل فاجعة تُلمّ به، وما أكثرها، تتجلى معاني الرضا والتسليم بقضاء الله بصورة يصعب وصفها. كم من مشهد استوقفني، وعدت إلى مشاهدته مرة بعد أخرى، وفي كل مرة يزداد عجبي من عظيم إيمانهم. فأول ما تنطق به قلوبهم قبل ألسنتهم: "الحمد لله." 

يا الله... ما أعظم هذا الصبر، وما أعظم الأجر الذي يرجوه من صبر واحتساب، وإيمانٍ بأن رحمة الله أوسع من كل ألم، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
كثيرة هي المواقف التي وثقتها عدسات الكاميرات؛ لقطات عفوية التُقطت في اللحظات الأولى لتلقي نبأ الفقد، فكانت أصدق تعبير عن الإيمان والاحتساب.

فهذه أمٌّ فُجعت باستشهاد ثلاثة من أبنائها إثر انفجار صاروخ استهدف مركبة كانوا بالقرب منها، ومع هول المصاب ارتفع صوتها بالحمد، تردد بيقين يبعث على الدهشة: "راحوا عند اللي أحنّ مني... ربنا اختارهم، الحمد لله، الحمد لله." وذاك شاب في مقتبل العمر، تلقى نبأ استشهاد زوجته الحامل بطفلهما الأول بعد سنوات من الانتظار والأمل، فلم يكن أول ما نطق به سوى الحمد والرضا بقضاء الله، في مشهد تختلط فيه مرارة الفقد بعظمة اليقين.


اقرأ أيضًا: نساء في قلب الحرب: الوعي الأمني كفعل نسوي تحت القصف


يا الله... أيُّ قلوبٍ تلك التي يثبتها الله في أشد لحظات الألم؟ وأيُّ إيمانٍ هذا الذي يمنح صاحبه القدرة على أن يقول: "الحمد لله" وهو يودع أحب الناس إلى قلبه؟ وداعٌ قد يكون لأشلاء متفرقة جُمعت في كيس أسود، أو لجسد متفحم التهمته النيران، أو لجزء من جسد لم يبقَ منه سوى ما يُعرف به. وقد يكون الوداع أشد قسوة حين لا يكون للجسد أثرٌ يُودَّع، فيبقى الحبيب تحت الركام والأنقاض.

ومع ذلك، يخرج من بين هذا الوجع صوتٌ يلهج بالحمد، وتسليمٌ بقضاء الله وقدره، وإيمانٌ راسخ بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. الألم موجود، والقهر كذلك، ففقد العزيز من أعظم الابتلاءات، ولا شك أنهم يتمزقون ألمًا، لكن الله يمنحهم، من حيث لا يحتسبون، قدرة على الاحتمال والصبر.

ولعل فعاليات السرد القرآني، وحلقات حفظ القرآن المنتشرة في غزة، رغم القصف والدمار وانعدام الأمن والأمان، تقدم مفتاحًا للإجابة عن كثير من الأسئلة التي تتزاحم في الأذهان. فحين ترى أطفالًا وشبانًا يواصلون حفظ كتاب الله وتلاوته في الخيام، وبين الركام، وفي مراكز الإيواء، تدرك أن هذا الإيمان العميق ليس مجرد شعور عابر، بل منهج حياة يصنع في النفوس يقينًا راسخًا، ويمنحها قدرة استثنائية على الصبر والثبات والتسليم بقضاء الله وقدره. فكلما تعلقت القلوب بالقرآن، ازداد أصحابها يقينًا، ورسخ في نفوسهم الصبر، والرضا، والتسليم لحكمة الله.