تُمثل حركات التحرر الوطني عبر التاريخ الإنساني استجابة طبيعية وحتمية لظروف القهر والاستعمار الساعي لطمس الهوية وسلب الأرض. وفي السياق الفلسطيني الحديث، برزت شخصيات قيادية أثرت بشكل عميق في بنية العمل العسكري المقاوم وصياغة أدوات الردع. يُعد محمد دياب إبراهيم المصري، المعروف بلقب "محمد الضيف" (أبو خالد)، أحد أبرز هذه الشخصيات التي تجاوزت البعد العسكري لتصبح رمزًا هوياتيًا وثقافيًا في مسيرة التحرر الوطني الفلسطيني.
وهنا عرض لسيرة حياته، وتحولاته الفكرية والعسكرية، ودوره المحوري في بناء القوة الصاروخية والدفاعية للمقاومة الفلسطينية، وصولًا إلى مكانته الراسخة في الذاكرة الجمعية العربية والفلسطينية كقائد ملهم جسد مفهوم "الضيف الذي لا يغادر الأرض".
النشأة والتكوين: من أزقة اللجوء إلى رحاب العمل الطلابي

ولد محمد دياب المصري عام 1965 في مخيم خان يونس للاجئين جنوبي قطاع غزة، وهي البيئة التي شكلت وعيه الأول بمرارة اللجوء والتهجير؛ إذ تعود أصول عائلته المهجرة إلى قرية "القبيبة" المحتلة عام 1948. نشأ الضيف في أسرة فلسطينية كادحة، وعايش تفاصيل الاحتلال اليومية ومحاولاته المستمرة لكسر الإرادة الشعبية الفلسطينية.
تلقى تعليمه في مدارس المخيم التابعة لوكالة الغوث، ثم التحق بالجامعة الإسلامية في غزة ليحصل على درجة البكالوريوس في علم الأحياء (العلوم). ولم يكن تحصيله العلمي معزولًا عن الحراك المجتمعي والسياسي؛ بل انخرط بفاعلية في العمل الطلابي والنقابي من خلال الكتلة الإسلامية، وساهم في الأنشطة الثقافية والمسرحية، وهو ما صقل شخصيته القيادية وقدرته العالية على التواصل والتنظيم. خلال هذه المرحلة الجامعية، انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومع انطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام 1987، كان الضيف من أوائل الذين انخرطوا في صفوفها مساهمًا في تأسيس جهازها الدعوي والجماهيري.
التحول نحو العمل العسكري والتأسيس البنيوي لكتائب القسام

شكّلت الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) نقطة تحول محورية في مسار الضيف. ففي عام 1989، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي إداريًا ليمضي 16 شهرًا في السجون دون محاكمة، بتهمة العمل في الجهاز العسكري الأول للحركة (المجاهدون الفلسطينيون). أتاحت له تجربة الاعتقال الاحتكاك برعيل التأسيس الأول وتعميق فهمه للبنية الأمنية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي.
بعد الإفراج عنه عام 1990، لم يتراجع الضيف بل اتجه مباشرة لتطوير العمل العسكري المنظم. ساهم بفعالية، إلى جانب القادة المؤسسين مثل ياسر النمروطي وعماد عقل، في وضع اللبنات الأولى وتطوير الهيكل التنظيمي لـ "كتائب الشهيد عز الدين القسام" في قطاع غزة.
اقرأ أيضًا: الصحفيون الفلسطينيون: شهود الرواية في سجون الاحتلال
تميزت رؤية الضيف بتركيزها على مأسسة العمل العسكري والانتقال به من المبادرات الفردية العشوائية إلى العمل المؤسسي المنظم القائم على التخصص (تصنيع، عمليات، استخبارات، تدريب). وعقب اغتيال القائد العام للكتائب صلاح شحادة في عام 2002، تولى الضيف قيادة الكتائب رسميًا ليقود مرحلة تاريخية من إعادة الهيكلة والتطوير النوعي الشامل.
تحول محمد الضيف إلى "المطلوب الأول" لأجهزة الأمن والترسانة العسكرية للاحتلال. عاش حياته متخفيًا في الظل لأكثر من ثلاثة عقود، متنقلًا من مخبأ إلى آخر، ما منحه لقبه الشهير "الضيف" لأنه لا يحل في مكان إلا ويكون ضيفًا عابرًا لا يطيل المكث فيه حرصًا على القواعد الأمنية الصارمة والسرية المطلقة للعمل التحت أرضي.
عقيدة الصمود والمطاردة: سبع محاولات اغتيال وصناعة الردع

نجا الضيف من سبع محاولات اغتيال معلنة وممنهجة استخدم فيها الاحتلال أحدث ترسانته العسكرية والاستخباراتية. أسفرت هذه المحاولات عن إصابته بجروح بالغة وفقدانه لبعض أطرافه، إلا أن تلك التضحيات الجسدية لم تثنِ عزيمته. وفي عام 2014، استهدفت طائرات الاحتلال منزلًا تواجدت فيه عائلته، مما أدى إلى استشهاد زوجته "وداد" وطفليه (علي وحليمة)، لتشكل هذه الحادثة برهانًا حيًا على حجم التضحية الشخصية التي قدمها الضيف في سبيل القضية.
إن استمراره في قيادة المنظومة العسكرية رغم الإصابات البالغة وفقد عائلته، حوّله في الوعي الجمعي إلى رمز تاريخي للصمود الإنساني الأسطوري. تحت قيادة محمد الضيف، شهدت كتائب القسام طفرة استراتيجية هائلة نقلتها من مجموعات مسلحة تعتمد على البنادق الخفيفة والعمليات الفردية إلى "جيش شبه نظامي" يمتلك منظومات صاروخية بعيدة المدى، ووحدات كوماندوز بحري، وطائرات مسيرة، وشبكة أنفاق هجومية ودفاعية معقدة عُرفت باسم "مترو غزة". كان للضيف الدور الهندسي والاستشاري الأساسي في حفر هذه الأنفاق وتطوير الصناعات العسكرية المحلية لكسر الحصار المفروض على القطاع وفرض سياسة الاكتفاء الذاتي التسليحي.
الاغتيال الأخير

بلغت هذه الجهود ذروتها في السابع من أكتوبر عام 2023، عندما أعلن الضيف بصوته المهيب في بيان تاريخي انطلاق عملية "طوفان الأقصى". مثّل هذا الإعلان، والعملية العسكرية التي رافقته، أكبر صدمة استراتيجية وأمنية واجهها الاحتلال منذ تأسيسه، واعتبره الخبراء العسكريون تحولًا جذريًا في قواعد الصراع الإقليمي وفرضًا لمعادلة جديدة تسعى لرفع الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني وتحرير الأسرى والمقدسات الإنسانية.
ظلت الحالة الصحية ومكان تواجد محمد الضيف غائبة تمامًا عن وسائل الإعلام ومحاطة بسرية تامة طوال فترة الحرب العنيفة التي تلت طوفان الأقصى. وبعد صمود استثنائي استمر لأكثر من تسعة أشهر في وجه آلة الحرب والدمار وبحث استخباري دولي محموم، أعلنت حركة حماس وكتائب القسام رسميًا في يناير 2025 عن استشهاد القائد العام محمد الضيف، ليرحل الرجل الذي قضى حياته مطاردًا ثابتًا على مبادئه، مقدمًا روحه فداءً للأرض والحرية والكرامة الإنسانية.
اقرأ أيضًا: مما ترويه زوجة مقاتل: عزام الحية الزوج والمجاهد
لم ينتهِ تأثير محمد الضيف باستشهاده؛ بل تكرس حضوره في الفكر التحرري العربي والعالمي كرمز لرفض الاستعمار والظلم. يُنظر إليه أكاديميًا كنموذج رائد في "حرب العصابات الحديثة" والقدرة على مواجهة قوى متفوقة تكنولوجيًا وعسكريًا بإمكانيات محلية الصنع وبإرادة فولاذية لا تلين.
تجسد عبارة "ضيفنا الذي يسكننا.. عامان على الفقد الأول" المرفوعة في وجدان محبيه وأدبيات حركات التحرر، عمق الأثر المعنوي والروحي الذي تركه الضيف في نفوس الفلسطينيين والأحرار حول العالم. لقد تحول الضيف من مجرد قائد عسكري إلى "فكرة، والفكرة عصية على الفناء والاندثار". وسيظل اسمه ملهمًا في تظاهرات التضامن العالمي كرمز للعدالة والمقاومة المشروعة ضد الفصل العنصري والاضطهاد.

