في مطلع العام الجديد، وتحديدًا في السابع من يناير عام 2025، توقّف الزمن في قلب الشابة الغزية “بيسان”؛ فقد رحل زوجها، حسن عامر محمد العف، الملقب بـ”أبو عامر”، عن عمر ناهز الواحد والثلاثين عامًا. رحل الشاب الذي درس القانون والعلوم الشرطية، لكنه اختار، في زمن الحرب على غزة، أن يكتب رسالته بطريقة أخرى، تاركًا خلفه طفلين، وزوجةً تفتش عن نفسها في المكان الذي فقدته فيه.
"ابن المقاومة"

بعيدًا عن بلاغات الحرب وصفات المقاومة، كان حسن في بيته رجلًا يشبه بساطة الصالحين الأوائل، يملأ المنزل طمأنينة وسعادة، ويحمل أطفاله على كتفيه، ويلاعبهم طويلًا حتى يغلبهم النعاس. تتذكر بيسان، بألم حنون، طقوس صباحاتهم الراحلة: “أكثر شيء كان يفعله، أن يأخذنا في الصباح الباكر لنتناول الفطور على شاطئ البحر، نركب خلفه على دراجته النارية، ونشعر أن العالم كله لنا”.
اليوم، لا تقتصر خسارة بيسان على صفة محددة فيه، بل تقول بلوعة: “أنا لا أفتقد صفة.. أنا أفتقد الحياة بأكملها. السعادة التي كانت تملأ قلبي لأجله، والأكثر من ذلك الاهتمام؛ كان يخبرني دومًا: لن أجد أحدًا يحبني ويهتم بي مثله، واللهِ صدق. في اللحظة التي فقدته فيها، فقدت نفسي.. أبحث عنها حتى أكمل لأجل أطفالي، لكنني لا أجدها كاملة”.
منذ الأيام الأولى للحرب، وبعد أن دمّر الاحتلال بيتهم، تغيّر إيقاع الحياة. بدأ حسن يغيب لأيام متواصلة، وكان الانتظار يقتل بيسان رويدًا رويدًا. وحينما كان يعود، لم يكن يجلب معه رسائل مكتوبة أو وصايا تقليدية، بل كان يهيئها نفسيًا لوفاء الفراق. عرضت عليه مرارًا أن يكتب وصية، فكان يرفض؛ لأنه يعلم يقينًا أن زوجته ستكمل المسيرة على دربه، وتربي أطفاله على ذات القيم.
حين نادى منادي الجهاد

لم يكن حسن يرى في واجبه “مسؤولية إضافية”، بل كان يعتبره فرضًا كباقي الفروض. وتستذكر بيسان حوارًا دار بينهما: “في أحد المرات سألته: وإن حدث لك شيء، ماذا أفعل؟ هل هذا الشيء أهم مني؟ فأخبرني أنه شيء لا يجب مقارنته.. إنها قضية لا بد منها”.
كان حسن يكبر زوجته بيسان بثماني سنوات، وكان سندها ومستشارها الأول. تقول: “في فترات غيابه، كنت أؤجل أي قرار غير طارئ حتى يعود، وكان حريصًا جدًا ألا يعلم أحد بغيابه. لكن، بعد استشهاده، عانيت المرارة كلها وأنا أتخذ القرارات بمفردي، ولا شك أنني أخطأت في بعضها”.
اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا
تستحضر بيسان تفاصيل لقائهما الأخير بدقة موجعة؛ كان ذلك يوم السبت، الرابع من يناير عام 2025. جاء صديقه المقرب ليخبره بأنهم مطلوبون للخروج فورًا. نادى حسن على بيسان بصوت خافت، وأغلق الباب، وبدأ يصبرها، رغم أنه لم يقضِ معهم سوى يومين. تقول: “بدأتُ بالبكاء وطلبت منه أن يؤجل خروجه قليلًا، لكنه رفض. أخبرته أنني أريد الموت معه، ولا يهمني شيء سوى أن نكون معًا، فرفض أيضًا، واحتضنني سريعًا وهو يضحك”.
سألته، والدموع تتسابق، وكأن قلبها علم أنه الفراق الأخير: “حسن.. ماذا لو لم تأتِ؟”، فأجابها باختصار: “إنها سنة الحياة”. كانت بيسان قد جهزت طعامًا من المعلبات (فطيرة ذهبية)، ولم يكن هناك وقت ليأكل. رجته أن يبقى لدقائق حتى تقليها له، لكنه أخذها معه مسرعًا، وقال: “سأقليها وآكلها مع الشباب”. خرجت خلفه مع أطفالها، يبكون حتى تورمت أعينهم، وكانت آخر كلمة سمعتها هي قول صديقه له: “نيالك يا عم”، ثم رنّت في أذنها ضحكة حسن الأخيرة.
يوم تلقت الخبر

بعد يومين، جاء الخبر الصاعق. في تلك الليلة، استيقظ طفلها الصغير يصرخ مرعوبًا: “بابا.. بابا!”، بالتزامن مع سقوط صاروخ قريب هزّ المنطقة. بعدها، راسلها أحد الجيران ليخبرها أن الصديق المقرب الذي خرج مع حسن قد استشهد، لتتيقن بيسان أن مكروهًا قد أصاب زوجها، وهو ما تأكد في اليوم التالي.
تتذكر تلك اللحظات قائلة: “أيقظتُ كل من كان يسكن في منطقتي وأنا أنادي على زوجي.. لم أصدق في البداية، لأنني كنت أدعو الله دائمًا أن نكون معًا في الحياة والموت”. بعد رحيله، تضاعفت المعاناة، واقتربت الدبابات من مكان سكنهم بشارع واحد، مما دفع بيسان إلى النزوح قسرًا لإنقاذ أطفالها من الهلع وأصوات القصف المستمر.
اقرأ أيضًا: مقاتلو رفح: مؤمن الجمل.. مقاتل الأنفاق
حتى اليوم، يرقد حسن مع صديقه تحت الركام في مبنى قُصف، ولم يتمكن أحد من إخراجهما بعد. أخذت الأم أطفالها إلى المكان، وحاولت أن تشرح لهما أن والدهم في السماء، في مكان جميل يوجد فيه كل ما يتمنون.
لكن الطفولة لا تنسى؛ فابنتها الصغيرة، كلما أكلت شيئًا مميزًا، تقول: “نخبئ لبابا حتى يأتي ويأكل معنا”. وحينما ترى أبًا يلاعب طفله، تحدق بتمعن يقطع قلب أمها. تقول بيسان: “في تلك اللحظة، لو أنني أستطيع هدم هذا العالم لفعلت.. تقول لي ابنتي: ماما، أريد بابا أن يأخذني إلى المطعم لنأكل المثلجات.. هي تشتاق لوالدها”.
"لو بابا معنا"

تستعين بيسان على أيامها بالاحتفاظ بأشيائه الصغيرة؛ ساعته، ودبلته، وبعض ملابسه التي ترتديها لتستمد منها الدفء. كما تحتفظ بأول “عيدية” أهداها إياها (ورقة نقدية من فئة 20 شيكلًا، جديدة لم تُستخدم)، ولم تفرط بها يومًا رغم قسوة الحاجة والضيق، بالإضافة إلى زجاجة عطر، وقلب مضيء مكتوب عليه اسمها “بيسان”، كان آخر الهدايا قبل رحيله بشهر.
كلما وضعت بيسان رأسها على الوسادة ليلًا، تلازمها الذكرى ذاتها؛ فقد كانا متفقين على أن الليل هو “مكافأة اليوم”، المحطة التي يجتمعان فيها ليخفف كل منهما عن الآخر، أما الآن، فالليل وحدة واحتراق. لو عاد ببيسان الزمن إلى ذلك اللقاء الأخير، لكانت كلماتها له: “خذني معك أينما تذهب، فواللهِ فقدتُ نفسي قبل فقدانك.. إن كان ابتلائي بحبي لك، فسأحاول أن أوقف هذا الحب”.
اقرأ أيضًا: الطبيب الشهيد مروان السلطان: سيرة طبيب قاوم الإبادة
تريد بيسان أن يعرف الناس عن حسن أنه كان نعم الزوج الصالح، والأب الذي أعطى أولاده، في سنوات قليلة من الأبوة الحانية، ما لم يعطه آباء على مدى عشرين عامًا. كان يعاملها بمحبة تقتدي بأدب الرسول الكريم مع زوجته عائشة، ولم يُخفِ حبه يومًا، رجلٌ ضحّى بروحه وترك عائلته ليبقى الوطن.
وإليه تبعث بكلماتها الأخيرة: “زوجي حبيبي، عزائي الوحيد أنك في مكان أفضل، وأنك لا تعاني من هذه الدنيا الفانية.. لكن الاشتياق لك يجعلني أحترق حية. أدعو الله بالصبر والثبات، وألا يطيل هذا الفراق، وأن نتنعم معًا بقصور الجنة”. تنتهي الكلمات هنا، لتظل حكاية بيسان فصلًا من فصول الفقد الممتد في غزة. ليست قصة حسن العف مجرد رقم في قوائم الراحلين، بل هي تفاصيل حياة انتُزعت قسرًا؛ ضحكة أخيرة على عجل، وفطيرة لم تكتمل، ووعود مؤجلة على شاطئ البحر.
يرحل المقاومون، وتنزح زوجاتهم وبناتهم حاملات إرث البيوت المدمرة، يربين الصغار على ملامح آباء غابوا جسدًا، ويحرسن، بالوفاء، ذكريات رجال آثروا أن يرحلوا ليبقى الوطن. وتحت الركام الذي يضم جسد حسن، تلملم بيسان بقايا روحها، وتعيش على أمل واحد: ألا يطول الفراق، وأن يجمعهم لقاءً أبديًا في الجنة التي تليق بكل هذا الصبر.

