جرحكم مفتوح أيا أمتنا، فبينما يخلد العالم إلى سكينته الزائفة، وتغرق المدن في ضجيج الحياة اليومية، ثمة حياة أخرى تُسحق خلف جدرانٍ صماء، وأرواحٌ تُفتن في أبسط حقوقها الإنسانية. ليست السجون مجرد جدران وأسلاك شائكة، بل هي ثقوب سوداء في جسد التاريخ، يحاول فيها الجلاد ممارسة هوايته في "هدم الإنسان" قطعة قطعة.
إن ما تنقله الشهادات الواردة من عتمة الزنازين ليس مجرد قصص عابرة، بل هو بيانٌ موجه إلى ضمير الأمة؛ بيانٌ مكتوبٌ بالدم، والدمع، والصبر الأسطوري. نحن أمام مرحلة تاريخية فارقة، حيث لم يعد الصمت فيها حياداً، بل تواطؤ، وحيث لم يعد التعاطف فيها كافيًا، بل بات واجبًا أن يتحول الوعي الجمعي إلى سدٍ منيع يحمي أسرانا وأسيراتنا من وحشية لا تعرف حدودًا.
في أبشع صور السقوط الأخلاقي لمنظومة الاحتلال، يتحول جسد المرأة الفلسطينية إلى مستهدفٍ مباشر في محاولة لكسر الروح الوطنية من خلال بوابة "الخصوصية" و"الكرامة". تروي الصور تفاصيل تقشعر لها الأبدان؛ حيث يُستخدم التفتيش العاري كأداة للتعذيب النفسي والإذلال الممنهج. إنها معركة الكرامة في أنصع صورها، حين تقول إحدى الأسيرات: "فاتورة رفضي للتفتيش العاري أكبر بكثير من قدرة البشر".
هذا الوجع لا يتوقف عند انتهاك الخصوصية، بل يمتد ليطال أسمى آيات الحياة؛ الأمومة. كيف للأمة أن تغمض جفنها وهي تقرأ عن أسيرة حُرمت من أبسط الرعاية الطبية أثناء مخاضها، لتُكبّل يداها ورجلاها وهي في ذروة ألم الولادة؟ إن "مية الراس" التي سالت في وسط الزنزانة ليست مجرد سائل بيولوجي، بل هي شاهدة على ولادة جيلٍ يخرج من القيد ليقهر القيد.
إن حرمان الأسيرات من الفوط الصحية والمستلزمات الأساسية أثناء فتراتهن الطبيعية، وتركهن ينزفن في صمت، هو محاولة وضيعة لإشعار الأنثى بالهزيمة أمام جسدها. لكن الحقيقة التي يغفلها الجلاد أن كل قطرة دمٍ نزفت في تلك الزنزانة، تحولت إلى وقودٍ لثورةٍ لا تنطفئ، فالمعركة اليوم ليست على الأرض فحسب، بل هي معركةٌ تُخاض داخل كل زنزانة، حيث يظل الصمود هو الرد الوحيد والمقدس.
اقرأ أيضًا: إليك شقيقة الدين والعروبة: حينما حاصرتني الزنزانة
يا أمتنا، نأخذكم إلى زاوية أخرى من زوايا الجحيم، وهي سياسة "القتل البطيء" وابتزاز الأوجاع. حين تتحول "حبة الأكامول" من وسيلة علاج إلى أداة مساومة، فنحن أمام نظامٍ تجرد من أدنى معاني البشرية. استغلال المرض لانتزاع المواقف أو لإذلال النفس البشرية هو قمة الإفلاس الأخلاقي. الأسرى لا يواجهون السجان فقط، بل يواجهون أوجاع أجسادهم التي تُترك فريسة للإهمال الطبي المتعمد.
وفي مشهدٍ آخر، تبرز الصدمة النفسية العنيفة التي خلفتها أحداث السابع من أكتوبر داخل السجون، حيث أُطلقت الكلاب البوليسية لنهش الأجساد والنفوس. إن "نوبات الهلع" التي تطارد أسرانا اليوم ليست دليلاً على الضعف، بل هي أثر الجريمة التي لم يجد العالم شجاعة كافية ليدينها. الجلاد يسعى لتحويل الذاكرة إلى جحيم، بحيث تظل صورة الكلب أو صوت المفاتيح أو ذكرى القمع حاضرة في كل لحظة.
يا أبناء الأمة، إن الأسرى لا ينتظرون منا بكائيات، بل ينتظرون أن نكون صوتهم الذي لا يُخنق، ويدهم التي تضرب على طاولات المحافل الدولية. إن مساندة الأسرى تبدأ من: التدويل الإعلامي جعل قصصهم مادة يومية في كل لغات العالم، وفضح ممارسات الاحتلال التي تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة.
إننا أمام جريمة منظمة تستهدف تدمير الجهاز العصبي والنفسي للإنسان الفلسطيني، ليعود إلى أهله جسداً بلا روح. ومن هنا، وجب على الأمة أن تدرك أن دعم الأسير يبدأ من فهم حجم هذا الضغط النفسي الهائل، وتوفير حاضنة وطنية وشعبية تُشعر الأسير أنه ليس وحيداً في مواجهة هذا التوحش.
إن الوعي بقضية الأسرى يجب أن يتجاوز العاطفة الموسمية إلى العمل المؤسسي والمستدام. الأسرى هم طليعة هذه الأمة، وهم الذين دفعوا سنوات أعمارهم ثمناً لحرية لم يذوقوا طعمها بعد. الشهادات التي تتحدث عن النظرات الأخيرة للأهل قبل الاعتقال، والنظرات الأخيرة للزملاء قبل التحرر، تلخص مأساة جيلٍ كامل يعيش "بين فكي كماشة".
اقرأ أيضًا: الأسير محمد عزيزي.. زنزانة تجدد إداريًا
يا أبناء الأمة، إن الأسرى لا ينتظرون منا بكائيات، بل ينتظرون أن نكون صوتهم الذي لا يُخنق، ويدهم التي تضرب على طاولات المحافل الدولية. إن مساندة الأسرى تبدأ من: التدويل الإعلامي جعل قصصهم مادة يومية في كل لغات العالم، وفضح ممارسات الاحتلال التي تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة. ومن ثم الضغط الشعبي:أن تظل قضية الأسرى هي المحرك للشارع العربي والإسلامي، وألا تُترك كملفٍ ثانوي في المفاوضات السياسية. والدعم النفسي والاجتماعي: احتضان عائلاتهم وتوفير حياة كريمة لهم، ليعلم الأسير أن ظهره محمي وأهله في عيون أمته.
ستبقى تلك الصور والشهادات وصمة عار في جبين الإنسانية، ووسام شرف على صدور من صمدوا. إن لحظة التحرر قادمة لا محالة، لكن السؤال الذي سيوجه للتاريخ: "ماذا فعلت الأمة حين كان أبناؤها يُسامون سوء العذاب؟". إن الوعي هو أولى خطوات التحرير، والدعوة لمساندة الأسرى هي دعوة لاستعادة كرامتنا نحن كأمة. فمن يترك أسيره وحيداً، يترك نفسه للفناء.
ليكن هذا الخطاب ميثاقاً بيننا وبينهم؛ أن نبقى على العهد، وألا تجف أحبارنا حتى تكسر آخر حلقة في قيد آخر أسير. إنهم هناك، ينتظرون بزوغ فجرٍ صنعته أوجاعهم، فكونوا أنتم ذلك الفجر.

