بنفسج

المطبخ كمساحة مقاومة: على مائدتك تصنعين الوعي

السبت 21 فبراير

المقاطعة الاقتصادية
المقاطعة الاقتصادية

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، لا يأتي هذا الشهر كطقسٍ تعبّديّ فحسب، بل كسؤالٍ أخلاقيّ يوميّ يُطرَح في كل بيت فلسطيني: ماذا نضع على موائدنا؟ ومن نُطعِم بأموالنا؟ وبينما يواصل شعبنا مواجهة حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، يتضاعف العبء الأخلاقي والوطني، ويتحوّل الاستهلاك من فعلٍ اعتيادي إلى فعلٍ سياسيّ بامتياز.

في هذا السياق، لا تبدو المقاطعة مجرّد حملة موسمية، بل جزءًا من معركة الوعي، ومعركة الاقتصاد، ومعركة الكرامة. فشهر رمضان، الذي يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الاستهلاك الغذائي، يشكّل فرصة سانحة لشركات الاحتلال لتوسيع حضورها في السوق الفلسطيني والعربي والمسلم، واستعادة حصتها السوقية التي تراجعت في السنوات الأخيرة بفعل تصاعد الوعي الشعبي.

رمضان كفرصة تجارية للاحتلال

IMG-20260218-WA0041.jpg

تروّج جهات الاحتلال لمنتجاتها على مدار العام، لكن رمضان يظلّ موسمًا ذهبيًا بالنسبة لها. فطبيعة الشهر ترتبط بأنماط استهلاك خاصة: التمور، العصائر، المعلبات، منتجات الألبان، الحلويات، والمواد الأساسية المستخدمة في الطهي اليومي. هذه الزيادة في الطلب تفتح الباب أمام حملات تسويقية أكثر كثافة واتساعًا.

تواصلنا في بنفسج مع المنسق العام لحركة المقاطعة BDS، الأستاذ محمود نواجعة.  ووفقًا لمتابعتهم في BDS  لحركة السوق، أكدوا أن حجم الحملات الترويجية يتغيّر بوضوح قبل وخلال الشهر الفضيل. تتسع رقعة الإعلانات، وتكثر العروض، وتُضخّ كميات أكبر من المنتجات في الأسواق. الهدف ليس فقط تحقيق أرباح موسمية، بل تثبيت الحضور وإعادة تطبيع المنتج في الوعي الاستهلاكي الفلسطيني.

الأخطر من ذلك، كما تشير عمليات المتابعة والرصد، هو تصاعد تهريب بعض المنتجات، وعلى رأسها التمور، مستفيدة من ارتفاع الطلب الرمضاني. في موسم يفترض أن يكون شهر بركة وتكافل، تتحوّل بعض المعابر والأسواق إلى ممرّات لسلع تُضخّ أرباحها في ماكينة الاحتلال الاقتصادية والعسكرية.

في تقرير سابق لنا في بنفسج، وضحنا باستفاضة كافة التفاصيل المتعلقة بشركات التمور الإسرائيلية والداعمة للاحتلال. وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرّد "منتج على رف"، ليطال البنية الكاملة للاقتصاد الاستعماري الذي يستفيد من كل عملية شراء.

من ردّة فعل إلى ثقافة

IMG-20260218-WA0044.jpg

غالبًا ما يُختزل خطاب المقاطعة في توجيه اللوم إلى المستهلك. لكن مساءلة السوق لا يمكن أن تكون فردية فقط. المسؤولية، كما يؤكد أ.محمود نواجعة، جماعية. المستهلك يتحمّل بطبيعة الحال مسؤولية قراره الشرائي، واختياره بين منتج احتلالي وآخر محلي أو عربي أو أجنبي غير متورّط. لكن التاجر أيضًا شريك أساسي في هذه المعادلة. تقع على عاتقه مسؤولية حصر المنتجات الإسرائيلية، أو قطعها تمامًا، أو على الأقل تقليصها إلى الحد الأدنى، مع توفير بدائل حقيقية ومرئية للمستهلك.

في كثير من الحالات، حين تتوفر البدائل بوضوح وتُمنح مساحة عادلة على الرفوف، يميل المستهلك إلى اختيارها. لكن حين يُغرق السوق ببضائع الاحتلال، وتُمنح مواقع بارزة وعروض مغرية، يصبح القرار الفردي أكثر تعقيدًا. هل هناك ضغوط في سياق المقاطعة تُمارَس على التجار؟ تشير التجربة إلى وجود نوعين من الضغط: ضغط الموردين والشركات الكبرى التي تسعى للحفاظ على حصتها السوقية، وضغط شعبي متصاعد يدعو إلى المقاطعة. بين هذين الضغطين، يتحدد موقف التاجر. وهنا تتجلى أهمية الحملات الشعبية المنظمة، التي لا تكتفي بالشعارات، بل تتابع وتوثّق وتخاطب التجار وصنّاع القرار.


اقرأ أيضًا: هل تفسد صيامك بتمور إسرائيلية؟


أحد أبرز التحديات التي تواجه المقاطعة هو موسميتها. ففي كل مرة تتصاعد فيها جرائم الاحتلال -سواء مجازر في غزة أو اعتداءات في الضفة والقدس- تعلو الدعوات للمقاطعة، ثم تخفت مع تراجع الحدث إعلاميًا. لكن التجربة المتراكمة تشير إلى ضرورة تحويل المقاطعة من "رد فعل" إلى "فعل دائم". المقاطعة ليست انفعالًا عاطفيًا مرتبطًا بحدث طارئ، بل جزء من تنظيم المقاومة المدنية، وشكل من أشكال العصيان المدني الاقتصادي ضد نظام استعماري يستفيد من جيوب ضحاياه.

وهنا يبرز دور الإعلام ولأجل ذلك نعمل في بنفسج..! فالإعلام ليس ناقلًا محايدًا للخبر، بل فاعلًا في تشكيل الوعي. الرسائل المستمرة، القصص الإنسانية، التقارير التحليلية، نشر قوائم الشركات المتورطة، إظهار البدائل المحلية، تسليط الضوء على قصص نجاح المقاطعة—كلها أدوات لتحويل الفكرة إلى ثقافة. المطلوب خطاب يُذكّر بأن القضية في جوهرها فعلٌ يوميّ، وأن المقاومة ليست حكرًا على جبهة دون أخرى. كل بيت يمكن أن يكون جبهة، وكل فاتورة شراء يمكن أن تكون موقفًا.

المطبخ كمساحة مقاومة

IMG-20260218-WA0043.jpg

في قلب البيت الفلسطيني، أو حتى العالمي..  تقف المرأة غالبًا في مركز القرار الغذائي: هي من تخطط، وتشتري، وتطبخ، وتعدّ المائدة. من هنا، يتحوّل المطبخ إلى مساحة سياسية بامتياز، حتى وإن بدا للوهلة الأولى فضاءً مختلفّا. إن "تحرير المطبخ" من منتجات الاحتلال هو خطوة رمزية وعملية في آن واحد. أن يكون المطبخ خاليًا من هذه المنتجات يعني رفض إدخال الاستعمار إلى الحيز الأكثر خصوصية في حياتنا اليومية.

في رمضان تحديدًا، تتضاعف رمزية المائدة. فهي ليست مجرد وجبة، بل طقس اجتماعي وروحي يجمع العائلة. اختيار مكونات الإفطار والسحور يصبح قرارًا سياسيًا، وتعبيرًا عن عصيان مدني هادئ. حين تقرر أسرة أن موائدها في هذا الشهر ستكون خالية من منتجات الاحتلال، فهي لا تتخذ قرارًا استهلاكيًا فحسب، بل تعلن موقفًا أخلاقيًا.


اقرأ أيضًا: رمضان شهر القرآن: إضاءات في مدارج السالكين


قد يبدو التأثير الفردي محدودًا، لكن على المستوى الجمعي، يتحول هذا القرار البسيط إلى قوة اقتصادية هائلة. السنوات الأخيرة أثبتت أن التراجع في مبيعات بعض المنتجات لم يكن وهمًا، بل نتيجة تراكم قرارات فردية تحوّلت إلى تيار شعبي.

ما أبسط قرار رمضاني يمكن أن يُحدث فرقًا؟ أن تُعلن الأسرة بوضوح: "لن تدخل منتجات الاحتلال إلى بيتنا هذا الشهر."  هذا الإعلان البسيط يعيد ترتيب قائمة المشتريات، ويدفع للبحث عن البدائل، ويفتح نقاشًا داخل العائلة -خصوصًا مع الأطفال- حول معنى المقاطعة ولماذا نفعلها.

وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرحه كل شخص على نفسه قبل الشراء: هل يُسهم هذا المنتج، بشكل أو بآخر، في تمويل نظام يدمّر بيوتًا في غزة؟ في دعم سياسات هدم المنازل في الأغوار؟ في ترسيخ الاستيطان؟ السؤال ليس عاطفيًا فحسب، بل أخلاقي واقتصادي. إنه يربط بين الرفّ في المتجر، والواقع على الأرض. بين العملة التي نخرجها من جيوبنا، والرصاصة التي قد تُطلق في مكان ما.

الاقتصاد المحلي: الوجه الآخر للمقاطعة 

IMG-20260218-WA0045.jpg

المقاطعة ليست فعل رفض فقط، بل فعل دعم أيضًا. حين تتراجع حصة المنتجات الإسرائيلية في السوق، تفتح المساحة أمام المنتج المحلي. هذا يعني زيادة خطوط الإنتاج، خلق فرص عمل، تعزيز صمود المزارعين والعمّال، وتحسين جودة المنتجات الفلسطينية. في ظل واقع اقتصادي ضاغط، يصبح دعم المنتج المحلي ضرورة معيشية ووطنية في آن. فكل "شيكل" يُصرف على منتج وطني يعاد تدويره داخل الاقتصاد الفلسطيني، بدل أن يتحوّل إلى رافعة لاقتصاد الاحتلال.

من هنا، لا تنفصل المقاطعة عن مشروع تنموي أوسع. إنها جزء من معركة فكّ الارتباط التدريجي مع اقتصاد استعماري يغزو السوق الفلسطينية، وينهب الموارد، ويعيد ضخّ أرباحه في ترسانة عسكرية تُستخدم ضد الشعب نفسه.

رواج بضائع الشركات الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية ليس مسألة تجارية بحتة. إنه، وفق توصيفنا إسهام مباشر في تغذية منظومة الاضطهاد والإبادة. فهذه الشركات ليست كيانات محايدة..! أرباحها تذهب إلى اقتصاد الاحتلال مباشرةّ، وتدعم سياساته.  في ظل مشاهد الحرب والدمار، يصبح من الصعب الفصل بين ما يحدث هناك، وما يحدث هنا على رفوف المتاجر. المقاطعة، بهذا المعنى أداة ضغط حقيقية يملكها الجميع دون استثناء.

المرأة: قلب المعادلة

IMG-20260218-WA0046.jpg

في المجتمعات عامةّ، تلعب المرأة دورًا مركزيًا في تشكيل الثقافة الاستهلاكية داخل البيت. هي التي تضع قائمة المشتريات، وتختار البدائل، وتشرح لأطفالها معنى الامتناع عن منتج معين. في رمضان، يتضاعف هذا الدور. حين تقرر امرأة أن تطهو بمنتجات محلية، وأن تشرح لعائلتها سبب هذا الاختيار، فهي تمارس شكلًا من أشكال التربية الوطنية اليومية. المطبخ هنا لا يعود مساحة هامشية، بل يتحول إلى موقع مقاومة حقيقية..! لكنها عميقة الأثر.

وهكذا، تتقاطع المقاطعة مع دور المرأة، ومع رمضان، في لحظة واحدة، لحظة قرار بسيط أمام رفّ في متجر، لكنه ممتدّ في أثره إلى ما هو أبعد بكثير. في النهاية، لا يتعلق الأمر بحرمان أو تضييق، بل بإعادة تعريف العلاقة مع السوق. أن نحرّر موائدنا ورفوفنا من المنتجات الملطخة بدماء شعبنا، وأن ندعم في المقابل اقتصادنا المحلي، هو فعل ممكن ومتاح.

رمضان ليس فقط شهر الصيام، بل شهر المراجعة. مراجعة النفس، ومراجعة العادات، ومراجعة الخيارات. وفي زمن الإبادة والاستعمار، قد يكون من أصدق أشكال الصيام أن نصوم عن تمويل من يعتدي علينا. من هنا، تبدأ الحكاية من سؤال صغير قبل الدفع عند الصندوق. سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طيّاته معنى الانتماء والمسؤولية: لمن تذهب نقودي؟ وفي الإجابة، يتحدد الموقف..