بنفسج

غزة خارج التغطية: شهادة عن الحياة والتعليم وانهيار المعنى

الأحد 15 فبراير

واقع الحياة في غزة
واقع الحياة في غزة

ما تنقله الصحافة عن غزة لا يتجاوز سطح المأساة. صور الدمار والجثث والركام، على قسوتها، تبقى شذرات مبتورة من حقيقة أوسع وأثقل من أن تُختزل في تقرير إخباري أو خبر عاجل. فغزة لا تُروى بعدسة كاميرا ولا بميكروفون يلتقط الصراخ ثم يتركه يتلاشى في الفراغ. ما يحدث هنا أكبر من التوثيق العابر، وأعمق من لغة العناوين.

تبدو غزة اليوم ككوكبٍ خارج الزمن، تتكدّس فيه تناقضات العالم كلّها: الجوع إلى جانب الصبر، الخوف إلى جوار الاعتياد، والفقد وقد صار حالة يومية. في شوارعها مشاهد لا تُوثَّق؛ أطفال حفاة بملابس بالية، يحملون أكياسًا فارغة ويجوبون الأزقة بحثًا عن ورق أو بلاستيك ليصنعوا وقودًا للطهي، أو يقفون لساعات طويلة في طوابير “التكيات” من أجل وجبة واحدة. أطفال كان من المفترض أن يكونوا في المدارس وساحات اللعب، صاروا عمّالًا صغارًا يتعلّمون قسوة الحياة قبل أبجدياتها.

أما السوق الغزّي، فتحوّل إلى مسرح للاختفاء والنهب: بضائع شحيحة، أسعار ملتهبة، ومساعدات تُفرَغ من معناها الإنساني لتتحول إلى تجارة قاسية يدفع الجائع ثمنها من كرامته. هنا يُباع كل شيء؛ من السكر إلى الأمل. حتى طائرات الإنزال التي تهدر في السماء تُستقبل كسراب، يركض الناس خلفه بفرحٍ يشبه فرحة النجاة المؤقتة… فرحة لا تلبث أن تنكسر.

وسط هذا المشهد، يصبح الركض فعلًا عبثيًا: ركضًا خلف الطعام، خلف المساعدة، خلف مكان آمن لا يأتي. تطفو أسئلة موجعة بلا إجابات: كيف وصلنا إلى هنا؟ من سرق كرامتنا؟ وإلى أين نمضي؟ وتتفاقم المأساة مع مشاهد النزوح. شاحنات مكتظة بالأجساد المتعبة، صمت ثقيل يلفّ الوجوه، جرحى يتألمون مع كل مطب. في تلك اللحظات، تستحضر الذاكرة “الخزّان” في رواية غسان كنفاني؛ حيث الداخل موت، والخارج موت آخر. لا خيار حقيقي، بل أشكال متعددة للاختناق.

ورغم ملاحقة الصحافة للحدث، يبقى ما لا يُقال أكثر مما يُقال. حتى الصحفيون أنفسهم باتوا أهدافًا، يُقتلون حين يصبح حضورهم شاهدًا. عندها تتحوّل الكتابة إلى فعل توثيق أخلاقي، محاولة لإنقاذ التفاصيل من المحو، وشهادة تُترك للأجيال القادمة عن حياة عاشت على الحافة.


اقرأ أيضًا: ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد


ومن بين أعمق الجراح، يبرز التعليم بوصفه مأساة صامتة. في غزة، لم يعد التعليم انتقالًا من الجهل إلى المعرفة، بل انتقالًا من خوف إلى خوف آخر. يُطلب من الطالب أن يترك رعب الليل خارج الخيمة، وأن يجلس صباحًا أمام سبورة باهتة، كأن شيئًا لم يكن. لا أحد يسأل عمّا رآه، عمّن فقده، أو عمّا استقر في ذاكرته.

الطالب منهك نفسيًا، والمعلم كذلك. معلم نازح، مكسور، بلا أمان وظيفي، يعلم أن عقده مؤقت، وأن علاقته بطلابه قد تنقطع في أي لحظة. كيف يمكن بناء تعليم حقيقي فوق هذا القدر من الهشاشة؟ وكيف يُطلب من الطالب أن يثق بمشروع تعليمي مهدد بالانقطاع في كل حين؟ تحوّل التعليم إلى مشاريع طارئة: خيم، سبورات متشققة، كراسٍ غير متشابهة. لا مدارس بالمعنى الحقيقي، ولا مكتبات، ولا ساحات. التعليم هنا فعل إسعاف لا مشروع بناء، محاولة لإثبات أننا لم نتوقف عن الحياة، أكثر مما هو مسار معرفي متكامل.

لم تعد المدرسة ملاذًا مختلفًا عن البيت؛ كلاهما صار مخيمًا مكتظًا بلا خصوصية ولا أمان. ومع النزوح المتكرر، يفقد الطالب استقراره، ومعلمه، وزملاءه، وأحيانًا منهاجه. أي تحصيل يمكن أن يُطلب فوق أرضٍ متحركة؟ يُقال إن التعليم ضرورة في الأزمات، وهذا صحيح. لكن ما لا يُقال إن التعليم بلا كرامة، وبلا أمان نفسي، وبلا استمرارية، قد يتحول إلى عبء إضافي؛ عبء يذكّر الطفل يوميًا بما فقده بدل أن يفتح له أفقًا جديدًا. هنا، لا يتأخر الطفل دراسيًا فحسب، بل إنسانيًا.

ومع ذلك، ورغم انهيار المعنى، ما زال هناك من يكتب على سبورة متشققة، ومن يفتح كتابًا نجا من الحرق، ومن يحلم بصوت خافت. في غزة، التعليم ليس طريقًا إلى وظيفة، بل شكل من أشكال المقاومة الهادئة، ومحاولة أخيرة للقول: نحن هنا، وما زلنا نفكّر، رغم كل شيء.