يطلُّ الهلالُ هذا العام شاحباً، كوجه طفل غزيٍّ غطّاه غبارُ الركام، لا يزفُّ بزوغه أفراحَ الزينةِ ولا طمأنينةَ البيوت الآمنة، بل يأتي شاهداً على مفارقةٍ وجودية لم يشهدها التاريخ الحديث. يدخل رمضانُ والناسُ في غزة قد استبقوا الشهر بصيامٍ قسريٍّ لم يبدأ برؤية الهلال، بل بدأ بحصارٍ يخنق الأنفاس ويقطعُ الشريان منذ شهورٍ عجاف. إن الصوم في جوهره رحلةٌ اختيارية نحو الجوع لتهذيب الروح، لكنه في غزة "قدرٌ مفروض" لتفتيت الجسد وتطويع الإرادة.
هنا، يتحول الزمان من "شهر فضيل" إلى "زمن للمكاشفة"، حيث تسقط الأقنعة عن التدين الشكلي الذي يكتفي بالامتناع عن الطعام والشراب، بينما يغض الطرف عن دماء تسيل وخيام تحترق. فكيف يستقيمُ صيامُ المترفِ مع احتضارِ الجائع؟ وكيف تتحول العبادة من "أنا" منشغلة بخلاصها الفردي، إلى "نحن" مسؤولة عن جرحها الجماعي؟ إن رمضان هذا العام ليس مجرد ركن من أركان الإسلام، بل هو صرخة في وجه العدم، واختبار لمدى بقاء "الإنسان" فينا تحت وطأة آلة القتل التي لا تشبع.
في فقه الإبادة
في فقه العبادات، الصوم "إمساكٌ" عن المفطرات من الفجر إلى الغروب تعبداً وتقرباً. لكن في فقه الإبادة، "الإمساك" هو فعلٌ سياسي وعسكري يمارسه الاحتلال ضد شعبٍ كامل؛ إمساكٌ للمساعدات عند معبر رفح، إمساكٌ لقطرة الماء في مواسير دمرتها الصواريخ، وإمساكٌ للقمة العيش عبر استهداف المخابز والمزارع.
تشير البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية ومصادر الصحة في غزة إلى واقعٍ مرير يتجاوز الوصف: أكثر من 2.2 مليون إنسان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. في شمال غزة، حيث بلغت المجاعة ذروتها، سقطت الأسطورة القائلة بأن الإنسان لا يأكل مما تأكله الأنعام؛ فقد اضطر الناس لطحن "أعلاف الحيوانات" والذرة الجافة المليئة بالشوائب ليصنعوا منها خبزاً مرّاً يغص به الحلق، بينما سُجلت عشرات الوفيات بين الأطفال والرضع بسبب "الجفاف وسوء التغذية الحاد" في مشافي الشمال المنهكة.
اقرأ أيضًا: ماورئيات الصمود: كيف يصوغ الغزيون نظريات الثبات والمقاومة؟
هنا، يبرز السؤال الأخلاقي الذي لا مفر منه: كيف يذوق الصائمُ في عواصم الرفاه حلاوة العبادة وهو يعلم أن "سحور" أخيه في جباليا كان ورقة شجر، وأن "فطوره" كان شربة ماءٍ ملوثة؟ إن الصوم هذا العام ليس تمريناً على "الشعور بالفقراء" كما اعتدنا أن نقول في دروس الوعظ، بل هو اختبارٌ لمدى إنسانيتنا؛ فإما أن يكون صيامنا "موقفاً" ينفي الظلم، أو يكون مجرد "حميةٍ" بيولوجية مغلفة بستار الدين، تخلو من الروح وتفتقر إلى الجوهر.
إن الإبادة الجماعية لا تستهدف الأجساد الفانية فحسب، بل تستهدف "المعنى" والذاكرة والهوية. حين يقصف الاحتلال المساجد التاريخية التي ارتبطت في ذاكرة الغزيين بصلاة التراويح، وحين يستهدف تجمعات المواطنين وهم ينتظرون شاحنات الطحين فيما عُرف بـ "مجازر الجوع" عند دوار النابلسي ودوار الكويت، هو لا يقتل جياعاً فحسب، بل يغتال "السكينة" المرتبطة بالشهر الفضيل ويحولها إلى ذعر دائم.
المقاطعة واجبة

لقد دمرت الحرب أكثر من 1000 مسجد في قطاع غزة بشكل كلي أو جزئي، وغابت أصوات المآذن التي كانت تؤنس ليل الصائمين. يتحول رمضان من شهر للاجتماع العائلي إلى زمنٍ للفقد الفاجع؛ تشير الإحصاءات إلى أن آلاف العائلات قد شُطبت من "السجل المدني" تماماً، ما يعني أن آلاف الموائد لن تجد من يجلس حولها، وأن "كرسي الغائب" صار هو الأغلبية في كل بيت. هذا الواقع يفرض علينا أن نفهم الصوم بوصفه "رفضاً للعدم"؛ فكل لقمةٍ نقتصد فيها، وكل صرخة حق نطلقها، هي محاولة لترميم هذا الوجود الإنساني المهدد بالزوال.
إن أعظم مخرجات الصوم هي "الإرادة". مَن مَلَكَ إرادة كبح شهوته عن الطعام والشراب الحلال لساعات طوال، يمتلك بالضرورة إرادة كبح نهم استهلاكه للمنتجات التي تمول آلة القتل. هنا يتحول الصوم إلى "مدرسة للمقاطعة الشاملة". المقاطعة في زمن الإبادة ليست مجرد خيار اقتصادي أو فعل عاطفي عابر، بل هي موقف تعبدي ينسجم مع روح الصيام في الترفع عن الرغبات من أجل غايات أسمى.
أخطر ما تتركه حروب الإبادة الطويلة ليس الموت فقط، بل "اعتياد المشهد". أن يصبح عدد الشهداء مجرد "رقم" في شريط الأخبار السفلي، وأن تغدو صور الأشلاء والبيوت المدمرة خلفيةً اعتيادية لتناول طعام الإفطار. الصوم يأتي هنا ليكون "صدمةً كهربائية" للضمير، ليعيد تنشيط الحساسية الأخلاقية التي يقتلها التكرار.
إذا كان الصوم "تخلّياً" لله، فإن المقاطعة هي "تخلٍّ" عن كل ما يقوي شوكة الجلاد. إنها لحظة استرداد السيادة على النفس وعلى "المعدة" التي يُراد لها أن تكون أداة لتركيعالشعوب. الصائم الحقيقي هو من يرى في السلع المدعومة للقاتل طعماً من دماء الأطفال الذين استُهدفوا في خيام النزوح بمدينة رفح. الصوم بهذا المعنى هو سلاح "الزهد المقاوم"، الذي يجعل من الامتناع فعلاً ثورياً يربط بين حرمان الصائم وبين حصار المظلوم.
أخطر ما تتركه حروب الإبادة الطويلة ليس الموت فقط، بل "اعتياد المشهد". أن يصبح عدد الشهداء مجرد "رقم" في شريط الأخبار السفلي، وأن تغدو صور الأشلاء والبيوت المدمرة خلفيةً اعتيادية لتناول طعام الإفطار. الصوم يأتي هنا ليكون "صدمةً كهربائية" للضمير، ليعيد تنشيط الحساسية الأخلاقية التي يقتلها التكرار.
في فقه الدماء: لا حياد

إن الجوع الذي يشعر به الصائم هو "خيط اتصال" بيولوجي يربطه بالضحية. حين يقرص الجوعُ أمعاءك عند اقتراب الغروب، تذكر أن هذا الجوع في غزة ليس له "أذان مغرب" ينهيه، وليس خلفه مائدة عامرة بالألوان. تذكر أن "خنساء غزة" تضع "الحجارة" في القدر لتوهم أطفالها بأن الطعام أوشك على النضج حتى يغلبهم النعاس من فرط التعب. الصوم هو ممارسة الوعي بآلام الآخرين في أدق تفاصيلها الجسدية، وحماية للروح من "التكيف" مع الظلم الذي هو أقسى أنواع الهزيمة النفسية.
في اللاهوت الأخلاقي، يعتبر الصوم موقفاً منحازاً للحق. لا يوجد في "فقه الدماء" شيء اسمه "حياد". عندما تُنتهك الحرمات وتُباد المدن على رؤوس ساكنيها، يصبح الصمت "لغة القتلة"، ويصبح الانشغال بتفاصيل الصوم الصغرى (مثل بطلان الصوم بقطرة أذن) مع تجاهل بطلان الإنسانية بذبح أمة، هو نوع من "الهروب المقدس".
إن الصوم الحقيقي يتجاوز "كف الأذى" إلى "رفع الأذى". إنها عبادة تدفع بصاحبها ليكون "شهيداً بالحق"، أي شاهداً على العصر، يرفض أن يكون مجرد رقم في قطيع المتفرجين. الصائم اليوم مطالب بأن يحول سجادته إلى منطلق للتغيير، ودعاءه إلى وقود للفعل، ووعيه إلى سد منيع ضد روايات التضليل التي تحاول مساواة الضحية بالجلاد.
إن رمضان هذا العام هو "الفرقان" الكبير؛ فرقانٌ بين التدين الوراثي البارد، والالتزام الرسالي المُتّقد. ليس الصوم أن تغلق فمك عن الرزق وتفتح عينك على ذبح أخيك ببرود. إن جملة "اللهم إني صائم" يجب أن تخرج من سياق الاعتذار عن المشادة الكلامية، لتدخل في سياق الإعلان الأخلاقي: "إني صائمٌ عن الصمت، صائمٌ عن الخنوع، صائمٌ عن قبول إبادة أهلي في غزة والضفة".
ستنتهي هذه الحرب يوماً ما، وسيكتب التاريخ أن شعباً صام في غزة صياماً لم يسبقه إليه بشر في العصر الحديث؛ صياماً عن الطعام والماء والأمان والكهرباء والدواء، لكنهم لم يصوموا أبداً عن "الكرامة" ولم يفطروا على "الذل". أما نحن، فسيظل صيامنا "موقوفاً" تحت مشيئة الضمير، حتى نؤدي "زكاة وجودنا" موقفاً حازماً، ودعماً عملياً، وعهداً ألا نعتاد الألم. إن العيد الحقيقي ليس لمن لبس الجديد وتبادل التهاني الزائفة، بل هو لمن استردَّ في هذا الشهر إنسانيته التي كادت أن تسحقها ماكينة الإبادة، وخرج من رمضان بقلبٍ لا يقبل الانكسار، وروحٍ لا تقبل الحياد.

