بنفسج

رمضان: خيارك بين الوعي والانصياع لشاشات التطبيع

الخميس 05 مارس

التطبيع عبر المسلسلات في رمضان
التطبيع عبر المسلسلات في رمضان

مع حلول شهر رمضان تتحول الشاشات العربية إلى ساحات مكتظة بالإنتاجات الدرامية والترفيهية التي تستقطب ملايين المشاهدين يوميًا. هذا الموسم الرمضاني الذي يعامل كموسم و مساحة تأثير يومية على عقول ملايين العائلات ووعيهم التي تجتمع حول شاشة واحدة بعد الإفطار، في ساعات الذروة الإعلامية. في هذه البيئة، تصبح البرامج والمسلسلات أكثر من مجرد محتوى ترفيهي كما يروج له؛ فهي أدوات تشكيل رأي، ووسائل يمكن أن تحمل رسائل أخلاقية أو سياسية، أو حتى استغلالية، بحسب الجهة المنتجة.

في السنوات الأخيرة، ظهر اتجاه خطير استغل ارتفاع نسب المشاهدة في رمضان لتمرير رسائل تطبيعية تجاه إسرائيل، وهو ما يثير أسئلة جوهرية حول المسؤولية الإعلامية، ووعي المشاهد العربي: هل كل ما يُعرض ينسجم مع روح الشهر وقيمه الأخلاقية والدينية؟ أم أن السباق على نسب المشاهدة يتقدّم على أي اعتبار وطني أو أخلاقي؟

هذا التقرير يأتي ليضع أمام الجمهور العربي خيارات واضحة: التحرّي قبل المشاهدة، مقاطعة القنوات والمنصات المطبعّة، ودعم البدائل الإعلامية الهادفة والقيمية، التي تُعزز الهوية العربية والإسلامية بعيدًا عن التطبيع والتشويه التاريخي.

دراما رمضان والتطبيع الثقافي

مسلسل "مخرج 7"، على سبيل المثال، حاول تصوير الصراع العربي - الإسرائيلي بطريقة حيادية أو متساهلة، متجاهلاً آلاف الضحايا الفلسطينيين، ومقدّمًا الاحتلال كجار يمكن التعايش معه، وهو خطاب تزامن مع محاولات بعض الأنظمة العربية رسمياً تمرير التطبيع مع إسرائيل. هذا النوع من المحتوى يخلق لدى الجمهور العربي انطباعًا زائفًا بأن العلاقة مع الاحتلال ليست عدائية بالضرورة، وهو ما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا ودعوات مقاطعة.

في رمضان 2020 أطلقت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، المنضوية تحت مظلة حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، دعوة واضحة لمقاطعة مجموعة MBC. جاء ذلك على خلفية عرض مسلسلي "مخرج 7" و"أم هارون" خلال شهر رمضان، إذ اعتبرت الحملة أن هذين المسلسلين يمثلان تطبيعًا ثقافيًا صريحًا مع إسرائيل، عبر إعادة تقديم العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي كخلاف في وجهات النظر، وتمرير روايات تاريخية مشوّهة.

مسلسل "مخرج 7"، على سبيل المثال، حاول تصوير الصراع العربي - الإسرائيلي بطريقة حيادية أو متساهلة، متجاهلاً آلاف الضحايا الفلسطينيين، ومقدّمًا الاحتلال كجار يمكن التعايش معه، وهو خطاب تزامن مع محاولات بعض الأنظمة العربية رسمياً تمرير التطبيع مع إسرائيل. هذا النوع من المحتوى يخلق لدى الجمهور العربي انطباعًا زائفًا بأن العلاقة مع الاحتلال ليست عدائية بالضرورة، وهو ما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا ودعوات مقاطعة واسعة على منصات التواصل تحت وسم #قاطعوا_MBC.


اقرأ أيضًا: المقاطعة بعد وقف إطلاق النار: معركة الوعي التي لا تنتهي


أما مسلسل "أم هارون"، فقد ركّز على حياة امرأة يهودية في البحرين خلال أربعينيات القرن الماضي، لكن مع تحريف متعمّد للتاريخ، مثل عرض النكبة الفلسطينية وكأنها حدث بعيد عن الحقائق التاريخية، وذكر قيام إسرائيل في "تل أبيب" بعد انتهاء الانتداب البريطاني، في محاولة لتقديم فلسطين على أنها "أرض إسرائيل" بشكل تدريجي. هذا الأسلوب لا يقتصر على مسألة فنية أو تاريخية، بل يمثل أداة تطبيع ثقافي تهدف إلى تليين موقف الجمهور العربي من الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في شهر يُفترض أن يعزز القيم الأخلاقية والعدالة.

الجدل حول هذه المسلسلات ليس مجرد مسألة فنية، بل أخلاقية وسياسية، ويؤكد ضرورة وعي المشاهدين بدورهم في مقاومة أي محتوى يروّج للتطبيع، لا سيما في رمضان، الذي يمثل موسمًا للروحانية والتأمل الاجتماعي.

الإعلام في زمن الحرب

اتفاقيات التطبيع بين شاهد وبارتنر.jpg

في عام 2023، اتسع نطاق التطبيع ليشمل الشراكات الاقتصادية، عندما وقّعت منصة شاهد اتفاقية مع شركة Partner Communications، وهو ما اعتبرته اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل انتقالًا من التطبيع الثقافي الخفي إلى التطبيع الاقتصادي العلني.

هذه الاتفاقية لم تؤثر على المحتوى وحده، بل أضفت بعدًا ماليًا وسياسيًا، إذ تساهم في دعم اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر، وتغطي جرائم الاستيطان والإبادة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. وقد دعت اللجنة الجماهير العربية إلى مقاطعة هذه المنصة وعدم المشاركة بأي شكل، بما في ذلك المشاهدة أو الإعلان أو التفاعل على مواقع التواصل الخاصة بها، كوسيلة ضغط فعالة للتراجع عن التطبيع.

الإعلام في العالم العربي ليس مجرد نقل للأخبار؛ بل هو ساحة حرب نفسية وسياسية. فالقنوات والمواقع التي تتبع بعضها أجندة التطبيع تقدم معلومات مختصرة أو مشوّهة حول المجازر، مثل الإشارة إلى "اندلاع حريق في خيام النازحين" دون ذكر سببها المباشر، بينما تبرز أحداثًا جانبية لصالح الرواية الإسرائيلية.

الأسئلة التي يجب أن يطرحها المشاهد قبل كل مشهد هي: من ينتج هذا العمل وما الرسائل التي يمرّرها وهل ينسجم مع قيمي ومواقفي وهل يدعم جهات متورطة في الانتهاكات؟ مقاطعة المحتوى غير المسؤول لا تُعد فقط خيارًا أخلاقيًا، بل أداة ضغط اجتماعية واقتصادية تثبت أن الجمهور العربي قادر على التأثير في السوق الإعلامي.

مع رمضان، يصبح هذا التأثير مضاعفًا بسبب ارتفاع نسب المشاهدة واهتمام الجمهور الكبير بالبرامج والمسلسلات. في هذا السياق، أصبحت مقاطعة القنوات المطبّعة ضرورة أخلاقية، لا مجرد خيار شخصي، لضمان عدم استغلال الجمهور الرمضاني لتغذية خطاب يبرر الاحتلال ويروج لسياسات التطبيع.

يصبح رمضان موسمًا مزدحمًا إعلاميًا، إذ تتسارع الحملات الدعائية وتكثف الإنتاجات الدرامية، ما يجعل المشاهد معرضًا للانجراف دون مساءلة. سلوكيات المشاهدين، مثل متابعة كل ما يُعرض دون تدقيق، تشجع بعض القنوات على الاستمرار في عرض محتوى تطبيعي، مستغلة ارتفاع نسب المشاهدة.


اقرأ أيضًا: المقاطعة في سجل الشعوب المقهورة: كف ناطحت المخرز


الأسئلة التي يجب أن يطرحها المشاهد قبل كل مشهد هي: من ينتج هذا العمل وما الرسائل التي يمرّرها وهل ينسجم مع قيمي ومواقفي وهل يدعم جهات متورطة في الانتهاكات؟ مقاطعة المحتوى غير المسؤول لا تُعد فقط خيارًا أخلاقيًا، بل أداة ضغط اجتماعية واقتصادية تثبت أن الجمهور العربي قادر على التأثير في السوق الإعلامي.

كما أن تجارب المقاطعة السابقة أثبتت فعاليتها، مثل حملة مقاطعة "مخرج 7" و"أم هارون" عام 2020، التي دفعت المنصة لاحقًا إلى حذف أو تعديل بعض المحتويات، وأظهرت أن صوت الجمهور له تأثير مباشر على القرارات الإعلامية. هذه التجربة تؤكد أن المقاطعة لا تضر فقط بالمؤسسة الإعلامية بل تدافع عن القيم الوطنية والأخلاقية، وتجعل المشاهد العربي شريكًا فاعلًا في تشكيل المشهد الإعلامي.

بدائل تستحق المشاهدة في رمضان

لحماية وعي المشاهد العربي المسلم هناك العديد من البرامج التي تقدم محتوى غنيًا ثقافيًا ودينيًا بعيدًا عن التطبيع. من بين هذه الأعمال التي نرشحها لكم في بنفسج، برنامج "مسرى" للشيخ فهد الكندري، الذي يقدم سلسلة حلقات عن المسجد الأقصى، وبرنامج "الرجل الأعظم" للأستاذة نور الأشقر، إلى جانب برامج مثل "هو الله" تحدثك عن أسماء الله للشيخ عمر سليمان، و "أيام الله" للدكتورة هيفاء يونس، و"النهاية" للشيخ نبيل العوضي.

لحماية وعي المشاهد العربي المسلم هناك العديد من البرامج التي تقدم محتوى غنيًا ثقافيًا ودينيًا بعيدًا عن التطبيع. من بين هذه الأعمال التي نرشحها لكم في بنفسج، برنامج "مسرى" للشيخ فهد الكندري، الذي يقدم سلسلة حلقات عن المسجد الأقصى، وبرنامج "الرجل الأعظم" للأستاذة نور الأشقر، إلى جانب برامج مثل "هو الله" تحدثك عن أسماء الله للشيخ عمر سليمان، و "أيام الله" للدكتورة هيفاء يونس، و"النهاية" للشيخ نبيل العوضي.

كما تتوفر محتويات حصرية على منصات رقمية، مثل برنامج "رفقا 2" عبر منصة الجزيرة 360، وبرنامج "وسام القرآن" الموسم الثالث على قناة الشيخ فهد الكندري على اليوتيوب، إضافة إلى برنامج "أرسلني إليك" على ذات القناة. هناك أيضًا برامج مثل "سواعد الإخاء" و"في ظلال الأسماء الحسنى" للمحرر ماهر الهشلمون، التي تقدم محتوى عربي إسلامي غني بالقيم والمعرفة والارتباط المباشر بقضيتنا.

هذه الأمثلة تمثل محتوى قيّمًا ومتنوعًا، وهي ليست قائمة نهائية بالطبع؛ فالمشاهد يمكنه البحث واختيار برامج أخرى بذات المستوى من الجودة والرسائل الإيجابية، مع الحرص على الابتعاد عن أي محتوى يحمل رسائل تطبيعية أو تشويه للتاريخ والقضايا الوطنية.