تحت سماءٍ لا تكادُ تخلو من أزيز الطائرات المسيّرة، وفي أزقةٍ ضيقةٍ رسمت ملامحها جنازير الدبابات، يستقبل الفلسطيني في مخيمات الشمال شهر رمضان المبارك بوجدانٍ مغاير وتحدٍّ يتجاوز حدود الصبر البشري. ليس رمضان هنا مجرد شعيرة دينية أو محطة سنوية للسكينة، بل هو "معركة وجود" تدور رحاها بين مائدة يغيب عنها الكثير، وإرادة تأبى الانكسار تحت وطأة التدمير الممنهج.
في مخيمات جنين، ونور شمس، وطولكرم، وبلاطة، يتحول الفانوس من زينة طفولية إلى شعلة تحدٍ، وتصبح صلاة التراويح فعلًا نضاليًا يُقام على عتبات المنازل المهدمة، حيث الصيام ليس إمساكًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيامٌ عن الهزيمة، وإفطارٌ يومي على يقين البقاء الذي يرفض التبخر أمام آلة المحو التي تحاول طمس المعالم المادية والمعنوية للإنسان الفلسطيني في ملجئه المؤقت.
كيف يعيش أهالي مخيمات الشمال؟
يعيش أهالي مخيمات الشمال واقعًا استثنائيًا يحول اليوم الرمضاني إلى رحلة محفوفة بالمخاطر وتحدٍ صارخ للظروف اللوجستية القاسية التي تفرضها الاقتحامات المتكررة. فالاقتحامات التي تزايدت وتيرتها لتصبح طقسًا شبه يومي، خاصة في العامين الأخيرين، جعلت من وقت "السحور" موعدًا مرتقبًا لتوغل الآليات العسكرية، ومن "الإفطار" لحظة ترقبٍ حذرة خلف جدرانٍ مثقوبة بالرصاص.
وتشير البيانات الميدانية والتقارير الحقوقية إلى أن البنية التحتية في هذه المخيمات، وخاصة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، تعرضت للتدمير الممنهج بنسبة تتجاوز 65% في مخيمي جنين ونور شمس تحديدًا، مما يضطر الصائم لقضاء يومه في تدبير أدنى مقومات الحياة عبر صهاريج المياه المشتركة والمولدات الصغيرة التي باتت شريان الحياة الوحيد.
هذا الواقع حول المائدة الرمضانية من مساحة للرفاه الاجتماعي إلى خندق للصمود، حيث غابت الأصناف المتعددة لا بسبب العوز المادي المتمثل في معدلات بطالة قياسية تجاوزت 60% في أوساط الشباب داخل المخيمات فحسب، بل لأن فعل التسوق بحد ذاته بات مغامرة سياسية واقتصادية ترفض الخنوع لسياسة التجويع والحصار.
اقرأ أيضًا: التكايا في رمضان: طوق نجاة لنازحي مخيمات الشمال
وفي قلب هذا المشهد السريالي، يبرز دور الكلمة والصورة كأداة للمقاومة، حيث ينقل الصحفي "مجاهد نواهضة" نبض هذه المعاناة من المسافة صفر. يرى نواهضة أن رمضان في المخيم هو "تكثيف للحالة الفلسطينية"؛ فالمخيم الذي يُقصف ليلًا ينهض فجرًا ليعد أهله السحور على ضوء الشموع، في رسالة واضحة بأن الحياة لا تتوقف عند حدود الدمار. ويؤكد نواهضة في شهادته أن التغطية الصحفية في رمضان تختلف عن بقية الشهور، حيث يمتزج الواجب المهني بالواجب الإنساني، فبينما يوثق الصحفي آثار الدمار، يجد نفسه شاهدًا على أسمى صور التكافل، كأن يتقاسم الجيران رغيف الخبز الوحيد تحت القصف.
ويضيف نواهضة أن الاحتلال يحاول عبر تكثيف المداهمات في ساعات الفجر الرمضانية كسر الرمزية الروحية لهذا الشهر، إلا أن النتيجة تأتي عكسية تمامًا، إذ تتحول المساجد إلى قلاع، وتتحول الساحات العامة التي جرفتها الجرافات إلى مصليات مفتوحة تعج بالمصلين الذين يواجهون طنين "الزنانة" بصدح التكبيرات، مما يجعل من كل زاوية في المخيم قصة صمود تستحق أن تُروى للعالم كإعلان عن رفض المحو الوجودي.
طقوس لم تنته
ورغم الركام الذي يغلق مداخل الحارات، تصر المخيمات على استحضار الذاكرة الجماعية كدرعٍ واقٍ ضد محاولات التذويب الثقافي، فالمسحراتي في أزقة مخيم جنين ونور شمس ليس مجرد منادٍ للاستيقاظ، بل هو صوتٌ جوال يثبّت العزائم ويمر عبر المسارات التي شهدت اشتباكات الأمس ليؤكد أن الأرض لا تزال تعرف أصحابها.
ورغم الركام الذي يغلق مداخل الحارات، تصر المخيمات على استحضار الذاكرة الجماعية كدرعٍ واقٍ ضد محاولات التذويب الثقافي، فالمسحراتي في أزقة مخيم جنين ونور شمس ليس مجرد منادٍ للاستيقاظ، بل هو صوتٌ جوال يثبّت العزائم ويمر عبر المسارات التي شهدت اشتباكات الأمس ليؤكد أن الأرض لا تزال تعرف أصحابها.
هذا التمسك بالعادات الرمضانية يمثل حلقة الوصل المتينة بين جيل النكبة الذي لا يزال يحتفظ بمفاتيح بيوته الأصلية، وجيل الشباب الذي يقود المواجهة اليوم. إن انتشار الفوانيس في الأزقة المظلمة بفعل الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي ليس مجرد فعل تجميلي، بل هو إنارة معنوية لمساحة جغرافية يراد لها أن تغرق في عتمة النسيان. وتتحول الجلسات الرمضانية بين الأنقاض إلى فصول في التاريخ الشفوي، حيث تُروى حكايات البلاد القديمة وتُعاد صياغة الهوية الوطنية، مما يرسخ حقيقة أن المخيم ليس حالة انتظار سلبية في محطة اللجوء، بل هو مساحة اشتباك مستمر يعيد إنتاج الأمل مع كل أذان مغرب.
ويتجلى الصوم في مخيمات الشمال كموقف أخلاقي يتجاوز العبادة الفردية ليصبح حالة تضامن اجتماعي كبرى، حيث تبرز مبادرات "التكايا الشعبية" والمطابخ التعاونية كنموذج رائد للتكافل العضوي في زمن الاقتلاع. وتكشف الإحصاءات المحلية أن أكثر من 75% من العائلات في المخيمات تعتمد على نظام "المنح المتبادل" والتكافل المباشر، حيث تخرج الأطباق من البيوت التي لا تزال قائمة لتصل إلى العائلات التي هُدمت منازلها أو فقدت معيلها.
هذا المجتمع العضوي لا ينتظر المساعدات الخارجية التي غالبًا ما تُعرقل عند الحواجز، بل يصنع كفايته من القليل المتوفر، محولًا الصوم إلى فعل سياسي يعلن رفض التبعية والاحتياج. إن استمرار الحياة وإقامة الولائم الجماعية فوق الركام هو أبلغ رد على سياسة "كي الوعي" التي ينتهجها الاحتلال، وتأكيد على أن المخيم، رغم كونه بقعة جغرافية صغيرة، يمثل عمقًا استراتيجيًا لحق العودة الذي يتجسد في رمضان كفعل إيماني ووطني لا يقبل القسمة على اثنين.
إعلان حق وصبر
إن البعد الرمزي لرمضان في مخيمات شمال فلسطين يتجاوز فكرة الجوع البدني ليصل إلى مرتبة "السمو الروحي فوق الألم"، حيث يصبح الصبر على فقدان الأحبة وتدمير الممتلكات جزءًا من العبادة. وفي ظل غياب الأمان المادي، يحضر "أمان الإيمان" كقوة دافعة تجعل من الصائمين مرابطين بالمعنى الحرفي للكلمة. فالشاب الذي يوزع التمر عند المداخل والمسن الذي يقرأ القرآن فوق أنقاض غرفته، كلاهما يرسلان رسالة واحدة: أن المخيم فكرة والفكرة لا تموت.
إن هذا الصمود الرمضاني يعيد تعريف علاقة الفلسطيني بالمكان؛ فالمخيم لم يعد مجرد ملجأ اضطراري، بل صار معقلًا للهوية الوطنية حيث تُلتحم الطقوس الدينية بالقيم الثورية لتنتج حالة فريدة من العصيان المدني والروحي ضد محاولات التغييب والتهجير القسري.
وفي ختام هذا السرد، يبدو رمضان في مخيمات شمال فلسطين كأنه قصيدة صمود تُكتب كل يوم بمداد الصبر وعرق الجبين تحت شمس الحرية المرجوة. إنها مساحة زمنية يثبت فيها الفلسطيني أن "المحو" مستحيل أمام شعبٍ جعل من جوعه صلاة، ومن حزنه قوة، ومن ركامه منابر للتكبير. سيخرج العيد من رحم هذه المخيمات، ليس كاحتفالٍ عابر بالزينة والبهجة، بل كإعلان انتصارٍ يومي للحياة على الموت، وللحق التاريخي على الباطل الطارئ. فالمخيم الذي يرفض أن ينام جائعًا للكرامة، هو المخيم الذي يرى في كل مغيب شمسٍ اقترابًا حتميًا من فجر العودة الكبرى.
ويبقى صوت الآذان المنبعث من بين الركام هو الحقيقة الوحيدة الصارخة في وجه النسيان، معلنًا أن هذه الأرض، بفقرها وعزها، بجوعها وشبعها، ستبقى لأصحابها الذين ما هانت عزائمهم يومًا، وما فطروا إلا على أمل اللقاء في البلاد التي سُلبت منها أسماؤهم وظلت في قلوبهم حية لا تموت.

