بنفسج

صناع الفن والجمال... وجوه غيبتها الإبادة

السبت 03 يناير

وجوه غيبتها الإبادة
وجوه غيبتها الإبادة

لم يقتصر استهداف الاحتلال الإسرائيلي في حربه على غزة على البيوت والبنية التحتية، بل طال الذاكرة والهوية والثقافة، ووجه آلته الحربية مستهدفة الفنّانين والمنشدين والممثلين الذين شكّلوا صوت الناس وصورتهم أمام العالم.

في غزة، لم يكن الفن ترفًا، بل فعل بقاء ومقاومة؛ صورة تُلتقط وسط الركام، نشيد يُغنّى في العتمة، أو دور تمثيلي يعكس الحكاية الفلسطينية كما هي. لذلك، بدا استهداف الفنانين وكأنه محاولة لإسكات الرواية نفسها، وقطع الخيط الذي يصل الوجع بالمعنى.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على عدد من الفنانين والمنشدين من غزة، الذين استشهدوا خلال الحرب، تاركين خلفهم أعمالًا وكلمات باتت بمثابة وصايا أخيرة.

حمزة أبو قينص: منشد غزة… صوت الرثاء والمخيم

inbound7622499534452180227.jpg

حمزة أبو قينص منشد فلسطيني من قطاع غزة، عُرف بصوته الشجي المؤثر، وبرز خلال الحرب كأحد أكثر الأصوات تداولًا في رثاء الشهداء والتعبير عن الفقد الجمعي الذي تحوّل إلى صوت يومي للناس في لحظات الوداع.

قدّم حمزة مجموعة من الأناشيد التي انتشرت على نطاق واسع، من أبرزها: مع السلامة يا مسك فايح، وشيّعوه، وعشق المخيم. أناشيد حملت مفردات الوداع، الأم، الشهيد، والمخيم، وقد تداولها الناس في غزة وخارجها بشكل كبير.  استُشهد حمزة أبو قنيص متأثرًا بجراحه، بعد قصف إسرائيلي استهدف منزله في حي الشيخ رضوان شمال غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

رشاد أبو سخيلة: الكاميرا والقصيدة في مواجهة الحرب

inbound3244682864156640496.jpg

رشاد أبو سخيلة ممثل وشاعر فلسطيني من مخيم جباليا، من مواليد 2001. درس الصحافة والإعلام، وجمع بين التمثيل والكتابة الشعرية، وكان من الأصوات الشابة التي سعت إلى تقديم رواية فلسطينية أصيلة عبر الدراما.

شارك في أعمال درامية محلية، أبرزها مسلسلات ذات طابع وطني، وأصدر ديوانًا شعريًا بعنوان (رسائل التراب)، تناول فيه الأرض والهوية والاقتلاع والذاكرة. ورشاد هو بطل مسلسل "قبضة الأحرار" ومسلسل "بوابة السماء". 

استُشهد رشاد أبو سخيلة في سبتمبر/أيلول 2024، إثر قصف إسرائيلي استهدف مدرسة الفاخورة في مخيم جباليا، حيث كان يحتمي عدد من النازحين. من أقواله المتداولة عن الفن قبل استشهاده: "الفن ليس حيادًا… هو موقف، إمّا أن يكون مع الإنسان أو ضده. كما أعاد كثيرون تداول مقاطع من شعره بعد رحيله، بوصفها شهادة مبكرة على ما سيحدث لاحقًا.

فاطمة حسّونة: الصورة التي سبقت الاستشهاد

inbound6095897389838098099.jpg

فاطمة حسّونة مصوّرة فوتوغرافية فلسطينية من غزة، كرّست عدستها لتوثيق الحياة اليومية تحت القصف، وبرزت أعمالها في منصات دولية، كما كانت محور فيلم وثائقي عن غزة والحرب. صورت البيوت المدمرة والأطفال وتفاصيل الحياة وسط الدمار وكانت تقول إن الصورة "ليست خبرًا، بل ذاكرة". استُشهدت فاطمة مع عدد من أفراد عائلتها، إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلهم في حي التفاح بمدينة غزة.

إسماعيل أبو حطب: الكاميرا كفعل مقاومة

inbound8439323568900894661.jpg
 


إسماعيل أبو حطب مصور فوتوغرافي وصانع أفلام من غزة، عُرف بمشاريعه البصرية التي وثّقت الحروب المتكررة على القطاع، وساهم في إيصال الصورة الفلسطينية إلى معارض دولية.

من أهم أعماله تصوير وثائقي للحياة تحت الحصار، ومشاريع بصرية عن الأطفال والبيوت والمدينة، ومبادرات فنية شبابية داخل غزة. استُشهد خلال قصف إسرائيلي أثناء وجوده في أحد مواقع القصف في غزة عام 2025. من أهم أقواله: "الصورة قد لا توقف الحرب، لكنها تمنع الكذب". 

سامر أبو دقّة: عين الحقيقة التي لم يُسمح لها بالانسحاب

inbound4640929818477984617.jpg
 


سامر أبو دقّة مصوّر تلفزيوني عمل لصالح قناة الجزيرة، ومخرج ميداني فلسطيني من غزة، عمل لسنوات طويلة في توثيق الحروب والاعتداءات، وكان من أبرز الوجوه الميدانية التي نقلت صورة الواقع الغزّي كما هو.

عمل في تغطيات ميدانية للقصف والنزوح، وتوثيق مباشر لاستهداف المدنيين، ومساهمات في تقارير مصوّرة شكّلت أرشيفًا بصريًا للحرب. استُشهد سامر أبو دقّة متأثرًا بإصابته أثناء تغطيته قصفًا إسرائيليًا في خان يونس، بعد منعه من تلقي الإسعاف لساعات. قال: "الكاميرا ليست درعًا… لكنها شاهد". 

ابتسام نصّار: الممثلة التي لم تنفصل عن وجع الناس

inbound1364955719651547591.jpg

ابتسام نصّار ممثلة فلسطينية من غزة، شاركت في أعمال مسرحية ودرامية محلية، وركّزت أدوارها على قضايا المرأة، العائلة، والحياة تحت الحصار. كانت قريبة من الناس، ولم تفصل الفن عن الواقع. استُشهدت ابتسام نصّار إثر قصف إسرائيلي استهدف مكان نزوحها في وسط قطاع غزة، مع 13 فردًا من أفراد أسرتها. 

إن استهداف الفنانين في غزة ليس حدثًا عابرًا، بل سياسة غير معلنة ضد الذاكرة والرواية والخيال الفلسطيني. فالفنان في غزة لا ينتج جمالًا مجردًا، بل يخلق معنى للحياة تحت الحصار، ويحوّل الألم إلى شهادة. وبرغم القصف، بقيت أصواتهم، لوحاتهم، صورهم، وأناشيدهم حيّة، تؤكد أن الاحتلال قد يقتل الجسد، لكنه يعجز عن إسكات الأثر. لم يُقتل هؤلاء لأنهم حملوا سلاحًا، بل لأنهم حملوا صوتًا، صورة، كلمة، ونشيدًا.