بنفسج

أم الأسيرين محمود وصهيب الغرة تكابد وجع الأسر ومرارة النزوح

السبت 13 يونيو

أمهات الأسرى
أمهات الأسرى

تغرغرت الدموع في عينيها، وخرج صوتها مرتجفًا مثقلًا بالوجع. تمسك هاتفها الخلوي بين يديها، تتصفح صور فلذتي كبدها التوأم محمود وصهيب، تتحسس ملامحهما وكأنها تحاول انتزاعهما من الشاشة إلى حضنها، لكن سرعان ما تنهمر الدموع على خديها، فيما تعتصر قلبها غصة من الشوق والخوف على نجليها المعتقلين في سجون الاحتلال. تعيش كل يوم على أمل خبر يطمئنها عنهما، أو رسالة تبدد شيئًا من قلقها الذي لا يفارقها.

تبث أشواقها لهما، وتحادثهما كما لو كانا جالسين أمامها. تتمنى رؤيتهما ولو لمرة واحدة، واحتضانهما ولو للحظات قليلة. تدعو الله أن يرزقها رؤيتهما في المنام، علّ ذلك يطفئ شيئًا من لهيب الشوق الذي يشتعل في قلبها منذ سنوات. فالواقع كما تقول مرّ وقاسٍ إلى حد لا يستوعبه عقل ولا يصدقه منطق، في ظل ما يتعرض له الأسرى من انتهاكات وتعذيب، وما تعيشه عائلاتهم من قلق وترقب وألم لا ينتهي.

أم الأسرى نوال الغرة

IMG-20260613-WA0009.jpg

ومع كل سجدة وصلاة ترفع السيدة نوال محمد العزة من مخيم نور شمس شرق مدينة طولكرم يديها إلى السماء، ملحة بالدعاء أن يفرج الله كرب ولديها ويجمع شملهما بالعائلة من جديد. تتمسك بحبل الصبر، وتواجه مخاوفها بالإيمان واليقين، منتظرة فرجًا من الله ولمّة عائلية افتقدتها منذ عام 2018.

تشتاق إليهما في كل لحظة، وتستشعر حالهما باستمرار، فلا يغيبان عن مخيلتها أو تفكيرها. وفي كثير من الأيام لم تذق طعم النوم، ولم تعد تشعر بأي متعة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى الطعام والدفء فقدا معناهما بالنسبة لها. فكل ما يشغل بالها هو حال نجليها وما قد يحتاجانه داخل الأسر من ملابس وأغطية وطعام ومكان دافئ ورعاية صحية، إلى جانب حقوق كثيرة للأسرى سلبها الاحتلال عبر سياسات القمع والتنكيل والتجويع والإهمال الطبي.

ومع حلول المناسبات المختلفة، تتضاعف مشاعر الحنين. فبينما تستعد العائلات لاستقبال الأعياد والمناسبات السعيدة، وحتى في المناسبات الحزينة التي تجتمع فيها الأسر، تزداد مرارة الغياب في قلب أم الأسيرين. تقول بصوت يملؤه الحنين: “الله يجبر قلبي في المناسبات، وخاصة الأعياد ورمضان. شو بتمناهم معي بهاي المناسبات وكل لمة عيلة، لأنه ما في بعد لمة العيلة”.

ولا تخفي نوال قلقها الدائم على توأمها، لكنها تتسلح بالدعاء باعتباره طوق النجاة الوحيد الذي يمنحها القوة على الاستمرار، مؤمنة بأن ما تمر به هو قضاء الله وقدره، وأن الفرج مهما طال انتظاره آتٍ بإذن الله.

عن تفاصيل الاعتقال

IMG-20260613-WA0007.jpg

وتعود الأم بذاكرتها إلى تفاصيل اعتقال نجليها. فقد اعتقل الاحتلال محمود لأول مرة عام 2020 بعد أن داهمت قوات الاحتلال منزل العائلة وفتشته، كما اعتقلت والده وإخوته للضغط عليه من أجل تسليم نفسه. وبعد اعتقاله أصدرت محاكم الاحتلال بحقه حكمًا بالسجن لمدة اثنين وثلاثين شهرًا. وفي يوم الإفراج عنه، التقط شقيقه التوأم صهيب صورة تجمعهما، وأرفقها بعبارة قصيرة لكنها عميقة الدلالة: “توأمي حر”. غير أن تلك الحرية لم تكتمل، إذ نصب الاحتلال حاجزًا عسكريًا مفاجئًا في اليوم ذاته، وقام باعتقال صهيب، لتبدأ رحلة أسر جديدة للعائلة.

أما الاعتقال الثاني لمحمود، فكان في شهر نيسان من عام 2026، عقب اتصال هاتفي تلقاه من ضابط المنطقة، أبلغه فيه بضرورة تسليم نفسه على حاجز عنّاب، ليتم اعتقاله مجددًا. وحاليًا، مضى شهر على اعتقال محمود، فيما أمضى صهيب حتى الآن ثلاث سنوات وثلاثة أشهر في سجون الاحتلال، رغم أنه لا يزال موقوفًا. وتقول والدته إن كل ما تعرفه عنهما أن صهيب محتجز في سجن نفحة، بينما يقبع محمود في معسكر منشة.


اقرأ أيضًا: يتم قسري.. إيلياء وحور وحضن سرقته السجون


ويبلغ الأسيران التوأم محمود وصهيب من العمر ستة وعشرين عامًا، وهما اثنان من بين خمسة أبناء للعائلة. كما سبق أن تعرض شقيقهما محمد للاعتقال مرتين. وعندما تتحدث والدتهما عن شخصيتيهما، ترتسم على وجهها ابتسامة ممزوجة بالحزن. تقول إن صهيب يتمتع بروح مرحة وخفة دم، وكان يملأ المنزل بالحيوية والطاقة والفرح، بينما يتصف محمود بالهدوء وقلة الكلام، فهو كتوم بطبعه ويميل إلى الصمت أكثر من الحديث.

وطالبت السيدة نوال المؤسسات المعنية بالأسرى، وعلى رأسها نادي الأسير، بضرورة توفير زيارات المحامين للأسرى على نفقة تلك المؤسسات، نظرًا للتكاليف الباهظة التي يتقاضاها المحامون. وأوضحت أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العائلة، شأنها شأن آلاف العائلات الفلسطينية، لا تسمح بتحمل هذه النفقات، خاصة في ظل قطع الرواتب وتردي الأوضاع المعيشية.

ومع توالي شهادات الأسرى المحررين وما تحمله من روايات صادمة حول ظروف الاعتقال والتعذيب، تتزايد مخاوف الأم على ولديها. كما يضاعف قلقها الحديث المتكرر عن مشاريع قوانين تستهدف الأسرى، في وقت يواصل فيه الاحتلال سياساته التي تصفها باللاإنسانية واللاقانونية بحق المعتقلين الفلسطينيين.

أمنية أم الأسرى

IMG-20260613-WA0008.jpg

وفي ظل هذه الظروف، يعيش أكثر من تسعة آلاف أسير فلسطيني خلف القضبان، في واقع يصفه ذوو الأسرى بأنه “قهر الرجال”. قهر لا تكفي الكلمات لوصفه، ولا تستطيع المشاعر وحدها ترجمة قسوته. فكل من عاش تجربة الأسر أو عايشها عن قرب يدرك حجم المعاناة التي يواجهها الأسير يوميًا، وما يرافقها من إذلال وقهر وحرمان.

ولم تتوقف معاناة السيدة نوال عند فراق نجليها، بل وجدت نفسها تخوض تجربة قاسية أخرى تتمثل في النزوح القسري. فقد أجبرت قوات الاحتلال العائلة، كغيرها من عائلات مخيم نور شمس، على مغادرة منزلها تحت تهديد السلاح.

وتصف واقعها الحالي قائلة: “نزحنا إلى حارة السلام، وظروفنا صعبة جدًا. نسكن مع ابني المتزوج في البيت نفسه، والله المستعان. المعاناة قاسية، فلا خصوصية ولا راحة نفسية ولا استقرار مادي، إضافة إلى الاكتظاظ داخل المنزل. نتأمل أن تبقى قضية عودتنا مطروحة على الطاولة، ونطالب بالعودة إلى منازلنا أو على الأقل توفير ظروف أفضل للنازحين ومساعدتهم على مختلف الأصعدة”.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


وتشير بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى تهجير نحو 45 ألف فلسطيني منذ بدء عملية “السور الحديدي” العسكرية في كانون الثاني/يناير 2025، من بينهم نحو 11 ألف فلسطيني هُجّروا من مخيم نور شمس إلى مناطق وأحياء مختلفة في مدينة طولكرم.

وعندما سُئلت عن أمنيتها اليوم، أجابت دون تردد: “أشوف أولادي، أحضنهم، وأرجع لبيتي ولحارتنا بالمخيم، لذكرياتي مع عيلتي وجيراني. بعرف إنه كل إشي بالمخيم تغيّر والاحتلال قلبه رأسًا على عقب، لكن نفسي أرجع على المخيم، وأتصبح بوجه جارتي، وأنزل عند الخضري أشتري للطبخة، وأطمن على أمهات الشهداء وأزورهن. نفسي يرجع كل إشي زي زمان”.

إنها الأمنية ذاتها التي تسكن قلوب آلاف الأمهات والزوجات والأطفال الذين ذاقوا مرارة الأسر وألم الفراق وقسوة النزوح. معاناة مزدوجة أثقلت كواهلهم، وراكمت فوق قلوبهم أوجاعًا لا يبددها سوى لقاء الأحبة وعودتهم إلى دفء البيت من جديد، حيث تستعيد الحياة شيئًا من معناها المفقود.٠