بنفسج

في أساليب التربية الحديثة... هل يتراجع دور الأجداد؟

السبت 22 اغسطس

دور الأجداد في الأسرة
دور الأجداد في الأسرة

شعرٌ أبيض، وتقاسيم حادة تخالطها تجاعيد كثيرة، ترسم ملامح وجهٍ يرى المتأمل فيه أنه عاصر الكثير، ومرَّ بالعديد من التجارب والخبرات. فكل تجربة، وكل خبرة، خطَّت على ملامحه أثرًا دقيقًا أسهم في تشكيل هذا الوجه الذي يختزن تاريخًا من الحكمة والتجربة. يمثل الجد والجدة امتدادًا للعاطفة والحنان، ومرساةً للأمن والأمان، ومعبرًا للقيم التربوية الأصيلة في الأسرة الممتدة.

ولا أعتبر الجد في الأسرة مجرد رمز عاطفي يُلجأ إليه ليغمر أحفاده بالحنان والدلال والمحبة، بل أراه، في الحقيقة، المؤسسة التربوية الأولى، والوسيط التاريخي لنقل القيم عبر الأجيال؛ فهو حارس الهوية، وجسر الثقافة الذي ينقل الأخلاق، والتقاليد، والخبرات الحياتية المتراكمة إلى الأحفاد، من خلال القدوة، والقصص الواقعية، ومواقف الحياة اليومية.

الجد: المؤسسة التربوية الأولى

IMG-20260822-WA0080.jpg

ومع ذلك، تشهد بنيتنا الاجتماعية المعاصرة تحولًا حادًا يتمثل في تراجع الدور الوظيفي للجد. فقد سحبت محركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، وأنماط الحياة الحديثة، إلى جانب التباعد المكاني والجغرافي بين أفراد العائلات، البساط من تحت أقدام الجد والجدة، وحيّدت جانبًا كبيرًا من دورهما التربوي الذي امتد لعقود طويلة.

ومع التوسع العمراني، وسعي الآباء إلى البحث عن مصادر رزق مختلفة، واضطرار كثير منهم إلى مغادرة الحي أو البلدة التي تمثل معقل الإنسان الأول وموطن أسرته، أصبحت العائلات أكثر تباعدًا مما كانت عليه في الماضي. كما ظهرت بدائل جاهزة تغني، في كثير من الأحيان، عن إشراك الجد والجدة في تربية الأبناء، أو طلب مساعدتهما، أو تناول الطعام معهما، أو حتى ترك الأطفال في صحبتهما لبعض الوقت. وقد أوجد ذلك حالة من الانفصال التدريجي، وأدى، شئنا أم أبينا، إلى انتزاع الفرد من عائلته الممتدة، وحصره في نطاق ضيق يقتصر على أسرته النووية.


اقرأ أيضًا: كيف تحفظ الذاكرة: أدب الأطفال كأداة تربوية


ولم يؤدِّ هذا الانقطاع إلى عزل الجد والجدة ووضعهما في خانة عدم الحاجة فحسب، بل أسهم أيضًا في سلبهما دورهما التربوي المهم، وأنتج جيلًا بات أكثر ابتعادًا عن جذوره، يتلقى كثيرًا من قيمه من الحضانات، والمربيات، والفضاء الافتراضي ذي الطابع العولمي، وهو ما أدى، بطبيعة الحال، إلى انتزاع جانب من الدفء العائلي والعمق الأخلاقي الذي كانت الأسرة الممتدة تنقله تلقائيًا من جيل إلى آخر.

وفي كثير من الأحيان، تكون علاقة الآباء بالأبناء مشوبة بضغوط التربية، والتحصيل الدراسي، والمسؤوليات اليومية. وهنا يأتي دور الأجداد بوصفهم ملاذًا آمنًا يمنح الطفل حبًا غير مشروط، بعيدًا عن الأحكام والضغوط. ويمنح هذا الاستقرار العاطفي الطفل ثقة أكبر بنفسه، ويجعله أكثر استعدادًا لتقبل القيم والتوجيهات الأخلاقية.

قصص الأجداد نموذجًا يُحتذى به

IMG-20260822-WA0079.jpg

وعادةً لا يميل الأجداد إلى التلقين الجاف أو إصدار الأوامر الصارمة، بل يمررون القيم من خلال الحكايات والقصص. فالقصص التي يرويها الأجداد عن ماضيهم، وعن الصبر، والكرم، والأمانة، والمواقف الصعبة التي مروا بها، تتحول في ذهن الطفل إلى نماذج حية يُحتذى بها، فتغرس فيه الأخلاق بصورة غير مباشرة، ولكن بأثر عميق ودائم.

كما أن الأجداد هم حملة الإرث الثقافي للعائلة، وحفظة تقاليدها وعاداتها. ويؤدي وجودهم، من خلال قصصهم وتفاعلهم مع الأطفال، إلى إحياء كثير من العادات الأصيلة. كما أن حضور الأسرة الممتدة يسهم بطبيعته في زيادة المناسبات العائلية، وتعزيز التواصل والترابط بين جميع أفراد الأسرة، وليس بين الجد والجدة والأحفاد فحسب، مما يقوي الروابط الاجتماعية والعائلية ويزيد من تماسكها.


اقرأ أيضًا: قبل انتهاء إجازة الصيف... سهرة عائلية حول "التغريبة الفلسطينية"


ويمرر الأجداد إلى الطفل كثيرًا من القيم التربوية التي تسهم في بناء شخصية أكثر توازنًا ونضجًا، ومن أبرزها:  منح الأمان النفسي والحب غير المشروط. تجسيد قيم الصبر والحكمة. وفي عصر السرعة، والوجبات السريعة، والحلول الفورية، يمثل الأجداد مدرسة في التأني والرضا. فطريقتهم في التعامل مع المواقف، ونظرتهم الحكيمة إلى المشكلات، تعلم الناشئة فضيلة الصبر، والتروي، وعدم الاستسلام أمام عقبات الحياة.

إضافة إلى تعزيز صلة الرحم والتكافل الأسري. ويبقى الجد والجدة دائمًا "عمود الخيمة"، ومركز تجمع العائلة الكبيرة. وبفضل وجودهما يلتقي الإخوة، والأعمام، والأخوال، والأحفاد، فينشأ الطفل بصورة عفوية على قيم صلة الرحم، والتكافل، واحترام الكبير، والشعور بأن له سندًا أسريًا ممتدًا يحميه ويحتويه.

ما القيم التي يمررها الأجداد للأحفاد؟

IMG-20260822-WA0078.jpg

إن انقطاع الصلة بالأجداد في ظل نمط حياتنا الحديث ليس مجرد صورة من صور العقوق الصامت، فالجفاء والبعد قد يكونان عقوقًا خفيًا، بل هو أيضًا جناية في حق الهوية القيمية والتربوية للطفل. فالأجداد هم من أهم مصادر القيم، والأخلاق، والتقاليد الأصيلة. ومن دونهم قد ينشأ الجيل الجديد كالنبتة التي فقدت جذورها، تعبث بها رياح العولمة الرقمية، وتتقاذفها الأفكار المستوردة، من غير مرجع راسخ أو جذور ثابتة تقاوم كل دخيل.

إن تمرير القيم من جيل إلى جيل ليس ترفًا ولا رفاهية، بل هو ضرورة لحفظ تماسك المجتمع واستمرار هويته. فكيف يتعلم الطفل قيمًا كثيرة، وفي مقدمتها صلة الرحم، إذا بُتر قسرًا عن عائلته الممتدة؟ وكيف يتعلم الكرم إذا لم يستمع إلى قصص جده عن إغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، ومواقف الشهامة والنخوة؟ إن التلقين المجرد لا يصنع إنسانًا سويًا خلوقًا، وإنما تصنعه القدوة الحية، والمجالسة الطويلة، والممارسة العملية التي يعيشها الطفل في بيئته الأسرية.

وقد أكد الإسلام أهمية صلة الرحم، وجعلها سببًا في سعة الرزق وبركة العمر، وكان الأجداد والآباء أولى الناس بهذه الصلة. قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».