في غزة، حيث أصبح الفقد جزءًا من تفاصيل الحياة، لا تنتهي بعض الحكايات برحيل أصحابها، بل تبقى معلقة في ذاكرة البيوت، وفي أحاديث من عرفوهم، وفي الأثر الذي تركوه خلفهم. من بين هذه الحكايات تبرز سيرة فاتنة عبد الجبار السحار، المعروفة بـ"أم عزيز"، التي لم ترَ في عملها وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل رسالة حملتها معها حتى يومها الأخير.
يروي زوجها، م. إسماعيل السحار، لـ"بنفسج"، أن فاتنة كانت ترى في خدمة الناس مسؤولية لا تتغير بتغير الظروف، وأن قربها من النساء ومشكلاتهم كان جزءًا أساسيًا من شخصيتها.
من مخيم جباليا إلى الشرطة النسائية

وُلدت فاتنة عام 1981 في مخيم جباليا، ونشأت على قيم الصبر والعطاء. درست علم النفس في الجامعة الإسلامية بغزة، وحصلت على درجة البكالوريوس عام 2001، قبل أن تواصل مسيرتها الأكاديمية والإنسانية. وفي عام 2009، التحقت بالشرطة الفلسطينية، وحصلت على رتبة ملازم، ثم تدرجت في الرتب والمسؤوليات حتى تولت إدارة الشرطة النسائية في محافظة غزة برتبة مقدم.
ويقول زوجها بكل فخر: "فاتنة لم تكن ترى عملها مجرد وظيفة أو رتبة، كانت تعتبره مسؤولية تجاه الناس، خصوصًا النساء والفتيات اللواتي يحتجن إلى من يسمعهن ويقف إلى جانبهن". وبحكم تخصصها في علم النفس، لم تكن فاتنة تتعامل مع الحالات التي تصل إليها باعتبارها ملفات، وفق زوجها، بل كانت ترى خلف كل شكوى إنسانًا يحتاج إلى الاستماع والمساندة.
ويستذكر السحار تلك الأيام قائلًا: "زوجتي فاتنة كانت قريبة من النساء، تسمع مشكلاتهن وتحاول مساعدتهن، وكانت حريصة على خصوصية الأسر وكرامتها. حتى بعد انتهاء ساعات العمل، كانت تتابع الحالات والشكاوى عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي". ويضيف السحار: "كانت أم عزيز تقول إن كل امرأة تأتي إليها تحمل قصة تستحق أن تُسمع".
عشرون رحلة نزوح.. والرسالة لم تتوقف

حين اندلعت الحرب عام 2023، عاشت فاتنة ما عاشه أهل غزة من خوف وقصف ونزوح. تنقلت، بحسب زوجها، قرابة عشرين مرة بين رفح والنصيرات ودير البلح ومناطق أخرى، بحثًا عن الأمان.
وفي حديثه عن تلك الفترة يقول السحار: "النزوح كان يغيّر المكان الذي تعيش فيه، لكنه لم يغيّر بوصلتها. كانت تنتقل من مكان إلى آخر، لكن همّ الناس وعملها كانا معها أينما ذهبت". وبعد أكثر من عام من النزوح، عادت إلى شمال القطاع، واستأنفت عملها في مدينة غزة.
اقرأ أيضًا: ابن ورث اسم أبيه.. واحتفظ بحكاية أب لم يلتقيه
وبنبرة يغلب عليها التأثر، يقول زوجها: "كنت أراها متعبة، وأعرف حجم ما مرت به، لكنها كانت تقول إن هناك نساءً وأسرًا بحاجة إليها، وإنها لا تستطيع أن تتركهم. بالنسبة لها، العمل لم يكن دوامًا ينتهي، كان رسالة".
ورغم ساعات العمل الطويلة، كانت فاتنة تحاول أن توازن بين مسؤولياتها المهنية وأسرتها. يصف زوجها ذلك قائلًا: "كانت تحمل أكثر من مسؤولية في وقت واحد، كانت زوجة وأمًا، وفي الوقت نفسه تشعر أن هناك ناسًا ينتظرون منها أن تساعدهم". ويتابع السحار: "لم تكن الظروف الصعبة تجعلها تتراجع، بل كانت تشعر أن حاجة الناس إليها أصبحت أكبر".
الأربعاء الأخير.. خرجت ولم تعد

في الأربعاء 19 أغسطس/آب 2026، توجهت فاتنة إلى مقر عملها في منطقة السرايا بمدينة غزة، كما اعتادت. وبعد نحو الساعة الثانية ظهرًا، تعرض المكان للاستهداف، ما أدى إلى استشهادها برفقة مسؤولة التجهيز والإمداد وعدد من زملائها، بينهم الملازم سماهر حمادة.
يقول زوجها، بصوت يختلط فيه الفخر بالفقد: "لم تكن فاتنة بالنسبة لي زوجة فقط، كانت امرأة تحمل رسالة وتعيش من أجل الناس. كانت تعرف أن الطريق صعب، لكنها لم تتراجع عن واجبها. خرجت فاتنة إلى عملها في ذلك اليوم، كما خرجت عشرات المرات من قبل، لكنها لم تعد إلى بيتها".
ووري جثمان فاتنة الثرى في مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة، لكن رحيلها لم يُنهِ سيرتها. يقول زوجها: "أريد أن يتذكرها الناس كإنسانة قبل أي شيء؛ امرأة كانت تحاول أن تساعد، وتحمل همّ غيرها حتى وهي متعبة". ثم يختتم حديثه بالدعاء: "رحم الله فاتنة، ورحم كل من رحلوا وهم يؤدون واجبهم. نسأل الله أن يتقبلهم، وأن يصبر أبناءهم وأهلهم، وأن تبقى سيرتهم شاهدة على ما قدموه لأهلهم وبلدهم".
في غزة، حيث تتشابه أيام الفقد، تبقى بعض الأسماء مختلفة بما تركته وراءها. وفاتنة، كما يروي زوجها، لم تترك خلفها رتبة أو منصبًا فحسب، بل تركت أثر امرأة آمنت أن خدمة الناس رسالة، وحملتها معها حتى لحظة الرحيل

