بنفسج

أين أبي؟.. أطفال شروق صلاح يكبرون على انتظار بابا "الشهيد"

الأربعاء 19 اغسطس

أبناء الشهداء في غزة
أبناء الشهداء في غزة

حين غادرت غزة، لم تكن تعلم أنها تودّع زوجها للمرة الأخيرة، حملت طفليها بين ذراعيها وغادرت، بعدما أصرّ زوجها على أن ينجوا بعيدًا عن أهوال الحرب والقصف المستمر، فيما اختار هو البقاء حتى اللحظة الأخيرة. ظنت أن الغياب لن يستمر إلى الأبد، وأن الأيام ستجمعهم من جديد، لكن الحرب كان لها رأي آخر، وموعد آخر مع هذه العائلة؛ إذ تحولت رحلة النجاة إلى رحلة فقد وفراق أبدي، وأصبحت أمًا تتحمل وحدها مسؤولية طفليها وحزنهما في الغربة.

لم تكن تعلم هذه الأم أن مغادرتها للوطن ستكون إلى الأبد، فقد عانت في غربتها وحدها، دون معيل لها ولطفليها. وكان قرار خروجها من وطنها صعبًا للغاية، بعد إصرار زوجها على أن تبقى هي وطفلاها بعيدين عن أهوال الحرب، ليبقى قلبه مطمئنًا على أسرته. عاشت تلك الأسرة بعيدًا عن سندها في هذه الحياة، على أمل اللقاء به بعد انتهاء الحرب، لكن في يناير/كانون الثاني 2025، استشهد الأب، وبقي اللقاء بهم مؤجلًا، لتنتهي أحلام العائلة باللقاء الذي كانت تؤجله حتى انتهاء الحرب، وتبدأ رحلة جديدة في حياة الأسرة، لم تكن الأم مستعدة لها.

واستشهد رفيق الدرب

زوجات الشهداء.jpg

ربما كانت أصعب لحظة بالنسبة للأم هي تلقي خبر استشهاد زوجها، لكن الأصعب والأكثر إيلامًا كان السؤال الذي راودها منذ اللحظة الأولى: كيف سأخبر أطفالي أن والدهما قد رحل ولن يعود أبدًا؟ لم يكن الأمر مجرد خبر عليها أن تنقله إلى طفليها، بل كان أصعب مما تخيلت؛ كيف لها أن تشرح معنى الفقد والغياب لطفلين صغيرين للغاية؟ وكيف تمنحهما شعورًا بالحب والحنان في أكثر لحظات حياتهما صعوبة؟

 لم تكن شروق تتوقع وصولها خبر استشهاد زوجها الذي قصف بالخيمة، وهي بعيدة عن الوطن والأهل، كانت نائمة رن هاتفها فاستيقظت من نومها وأسرعت إلى هاتفها فكانت المتصلة بها شقيقتها قالت لها:"افتحي على الانترنت على الاخبار" للحظات لم تستوعب ماذا تقرأ وما سمعته من أختها ففتحت مسرعة وعندما قرأت اسمه على لائحة شهداء اليوم محمد صلاح، وكأن الدنيا وقفت للحظة صمت لاستيعابها الخبر المحزن والمؤلم، وبينما تحاول استيعابها للخبر كان عليها أن تفكر في طفليها نائمين في الغرفة وهي تواجه هذا الخبر لوحدها كانت مجبرة أن تخفي حزنها وتبحث عن كلمات سهلة لإخبار طفليها أن والدهما استشهد.


اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا


حين سألها طفلاها: "أين أبي يا أمي؟"، أخبرتهما بأن أباهما في الجنة، ينظر إليهما كل يوم، وأنه عند الله في السماء. كانت جوري، ذات الأعوام التسعة، أكثر قدرة على استيعاب ما حدث حولها، فبكت كثيرًا بعد معرفتها بخبر استشهاد والدها. ومع مرور الوقت، بدأت تفهم وتستوعب أكثر أن والدها في الجنة يراها ويرى أعمالها الصالحة ويفرح بها، فقررت أمها أن تجعل من حبها لوالدها دافعًا يحفزها ويقربها إلى الله، فبدأت بحفظ القرآن الكريم حتى حفظت منه عشرة أجزاء.

أما أنس، ذو الأعوام الخمسة، فلم يكن قادرًا في البداية على استيعاب معنى الفقد، فقد كان صغيرًا لا يفهم فكرة أن والده أصبح في الجنة، لكنه بدأ، مع مرور الأيام، يفهم ما تعنيه كلمة الجنة، فحفظ جزء "عمّ" من القرآن الكريم. وتحاول والدتهما أن تغرس في طفليها أن والدهما حاضر دومًا معهما، في كل مكان وكل وقت، وأن دعاءهما له يصل إليه.

في الغربة.. حياة دون أب

أبناء الشهداء.jpg

لن تتوقف المسؤوليات عند الأم، ولن تنتهي في هذه الغربة؛ فعليها أن تحتوي طفليها، وأن تلبي جميع متطلباتهما الحياتية. لم تتوقف هذه الأم عن تلبية احتياجات طفليها، بل كانت لهما السند والدعم، والأم والأب، دون تذمر. وبدأت تتحمل مسؤوليات جديدة في حياتها بعد تلقيها خبر استشهاد زوجها، ولم تكن تتخيل أنها تستطيع مواجهة الحياة وحدها، دون مساعدة من أحد، لكنها بقيت في الغربة تقاوم.

وتصف الأم أن أصعب الظروف التي مرت بها بعد استشهاد زوجها لم تكن الفقد وحده، وإنما التفكير في مستقبل طفليها، وكيف ستتمكن من تعويض غياب الأب لهما؟ وكيف ستمنحهما شعورًا بالأمان والحب؟ وكيف ستؤدي دور السند الذي فقداه مبكرًا؟ وكيف ستساعدهما على مواصلة حياتهما دون والدهما؟


اقرأ أيضًا: "حملت غيابه بنصف قلب"... ندى شاهين تروي حكاية أوجعها الرحيل


لم يعد لديها سند، ولا معيل، ولا من يساعدها في غربتها. أصبحت تدبر أمورها بنفسها؛ فتارة تعمل لتوفير الاحتياجات الأساسية لطفليها، وتارة أخرى تنهكها الحياة، والمسؤولية، والأعباء التي تحملها وحدها، دون مساعدة أحد.

الغربة، التي كانت في البداية وسيلة لنجاتها هي وعائلتها من الحرب، أصبحت اليوم تحمل تحديات الحياة ومسؤولياتها، وتحديات تتعلق بتربية طفلين بعيدًا عن وطنهما، وأقاربهما، وأصدقائهما. لتواجه الحياة الصعبة دون سند، بينما كان من المفترض أن يكون زوجها إلى جوارها، أو أن يكون أقاربهما بقربها لمساعدتها على تجاوز الأيام الصعبة.

وصية تركها أب

أعداد الأيتام في غزة.jpg

لم يكن يعلم الأب أنه سيعيش يومًا بعيدًا عن عائلته، بل كان ينتظر انتهاء الحرب على غزة ليجتمع بعائلته من جديد. واليوم، تحمل الأم الرسالة التي أرادت أن تبقى محفورة في ذاكرة طفليها، فتقول لهما: "بحبكم كتير، وبدي إياكم تكونوا أفضل الناس، وبابا كان بحبكم، ويتمنى يشوفكم أحسن طفلين، وكان دائمًا يستنى اللحظة اللي تكبروا فيها ويشوفكم دكاترة وحافظين القرآن الكريم."

لم تسرق هذه الحرب من هذه العائلة الأب فقط، بل سرقت منهما جزءًا من حياتهما، وحرمت طفلين من حنان والدهما وحبه، قبل أن يكبرا معًا ويصنعا ذكرياتهما، لكن شاء القدر أن يستشهد الأب، ويترك خلفه طفلين يتذكرانه دومًا. لكن الحرب لم تستطع أن تسرق إصرار أم على أن تكون لطفليها مصدر القوة والأمان والاستقرار، وأن تحمل عنهما وجع الغربة ومرارة الفقد.

في مصر، بعيدًا عن غزة التي خرجوا منها طلبًا للنجاة من أهوال الحرب، تكبر جوري وأنس وهما يحملان في قلبيهما صورة والدهما، الذي أحبهما كثيرًا واحتواهما، وكان يحلم أن يراهما من أفضل الناس، بينما تخوض والدتهما رحلة جديدة وحدها، إذ لا تزال تحاول، كل يوم، أن تحقق لطفليها ما كان يحلم به والدهما قبل أن تفرق الحرب بينهما إلى الأبد.