بنفسج

محررون ولكن.. قيود لا ترى وحاجة للتعافي

السبت 08 اغسطس

الأسرى المحررون
الأسرى المحررون

يتوقع الأسير والأسيرة بعد تحررهم من سجون الاحتلال حياة بلا قيود، وهامشًا من الحرية المعقولة، ولكنهم يجدون أنفسهم في مجتمعٍ يضعهم تحت المجهر، يراقب تفاصيلهم، ينصّب نفسه حاكمًا عليهم، مشرعًا لمسلكياتهم ومحرّمًا بعضها. فما أن يتحرر الأسير والأسيرة من سجون الاحتلال، حتى تقيده نظرات الناس إليه، وتضعه في قالب المثالية، معتبرةً أنّ أي تصرف خارج هذا القالب يضعه في دائرة التقليل من شأنه.

لا شك أن السجون أضفت رمز الصمود والتضحية على الأسير والأسيرة، وهذا استحقاق طبيعي لمن ترك كل ملذات الحياة واختار أن يسير على طريق النضال، مدركًا أنّ السجن أحد نتائجه. غير أن المعضلة تتمثل عندما يحوّل المجتمع هذا الصمود إلى رمزية "الأسطورة" مفترضًا بقاءها بعد حريته، مجرِّدًا إياه من صفة الإنسانية التي تصيب وتخطئ، تقوى وتضعف، تبكي وتضحك، فيضعوه في قالب جامد ويطالبوه أن لا يتجاوز الحدود وأن يبقى بطلًا في كل وقت، وأن يفكر قبل القول، ويزن كل كلمة وقرار وعلاقة بميزان توقعات المجتمع، لا بميزان رغباته واحتياجاته.

ما لا يدركه المجتمع حين يستقبل الأسير والأسيرة، أن عمره يتوقف عند ذاك السن الذي دخل به السجن، ورغم استيعابه أنه تحرر من السجون وقد غزى الشيب السواد، ولكنّ روحه التي حرمت من ملذات الحياة ما زالت واقفة هناك، زمن الفتوّة والعود الممشوق وحب المغامرة غير المشروط. وبمجرد تنفسه لهواء الحرية لا يرى إلا شبابه، فنراه مقبلًا على كلّ ما حرمه السجان، يريد اللعب والضحك واللبس، محبًا لكل ما حوله، رافضًا لأي قيدٍ بكل أنواعه.

فلا ضير مثلًا؛ إن رأيناه يركب دراجة هوائية، أو يرتدي الألوان الزاهية رغم بياض الشعر، ولا مشكله إن أحبت الأسيرة أن تمشي على شاطئ البحر مرتدية قبعة وحافية القدمين، ولا غبار على بطولاتهم إن فلتت منهم ضحكة لافتة أو كان خارج توقعات محيطه في حل مشكلة عائلية ما.

البطولة لا تعني تجاهل الرغبات والاحتياجات الإنسانية، فالأسير يخرج إلى عالمٍ قد تغيّر أيضًا، يوازيه تغيّر ذاته بفعل الجدران والسجان والحرمان، لذلك فهو يحتاج إلى تعلم الحرية من جديد، إلى فكفكة شيفرتها وبناء علاقة جديدة معها، ويحتاج لاكتشاف نفسه خارج أتون السجن، وهذا يتطلب الجهد والتركيز والمشقة.


اقرأ أيضًا: إسماعيل الغول: لماذا لن ننسى صوت الشمال؟


إنّ انبهار المجتمع ببطولة الأسير والأسيرة ينبع من محبتهم وإعجابهم به، وحاجتهم لبقائه في قالب "الأسطورة" و "المثالية" في ظل المتغيرات، لا سيما خلوّ الوطن من الرموز الأصيلة، في وقت لعبت فيه السياسة لعبه خبيثة وشوّهت مفهوم الرمزية في الوطن. فنرى الناس عطشى لوجود شخصية مثالية في كل شيء فكريًا، سياسيًا، اجتماعيًا، ثقافيًا ودينيًا. وهذا بحد ذاته ثقيل على الأسير المحرر الذي يحتاج لفسحة من الحرية بلا رقابة، كي يتحرر من كل قيد ويقرر بنفسه إعادة برمجة ذاته وفق المسار الذي يريد، لا ما يريده المجتمع.

لا يمكن أن يتحمل الأسير والأسيرة المحررة عقلية مجتمعٍ يناقش قضية زواجه مثلًا، أو إن أخطأ أم أصاب الاختيار! أو أن يحكم عليه سلبًا إن أراد أن يبتعد عن الأضواء، فيتهموه بالشخصية السلبية، أو أن يشوّهوا صورته البطولية عند أول منعطف، فمثل هكذا أحكام تدفع الأسير إلى العزلة، وتفضيله للصمت على الكلام، والقعود على العمل.

تحتاج الأسيرة والأسير المحرر بعد الإفراج عنهم إلى مساحة للتعافي خالية من الرقابة، تمكنهم من التحرر من قيود السجن وتعطيهم فرصة للولوج في الحرية برفق. ويبدأ ذلك من غرفة الأسير التي تحضّرها له عائلته، فلا بد أن تتحلى بكامل الخصوصية والانفرادية وأن يكون مفتاحها بيده، بهدف تعزيز روح الملكية التي انتزعت خلال سنوات أسره.

تحتاج الأسيرة والأسير المحرر بعد الإفراج عنهم إلى مساحة للتعافي خالية من الرقابة، تمكنهم من التحرر من قيود السجن وتعطيهم فرصة للولوج في الحرية برفق. ويبدأ ذلك من غرفة الأسير التي تحضّرها له عائلته، فلا بد أن تتحلى بكامل الخصوصية والانفرادية وأن يكون مفتاحها بيده، بهدف تعزيز روح الملكية التي انتزعت خلال سنوات أسره. ثم ننتقل لمنزل العائلة وطبيعة تعاطي أفرادها مع الأسير خلال الحياة اليومية، وضرورة التعامل مع الأسير المحرر بروح المشاركة في كل تفصيله، فيساعد في رفع الصحون وسكب الطعام وتنظيف غرفته، لا أن نأطّره بشخصية القائد الذي يقدَّم له كل شيء.

ثم ننقل إلى الدائرة الأوسع وهي المحيط الخارجي (المجتمع)، وضرورة مراعاة نفسية الأسير والأسيرة والحاجة الملحة لتوفير كامل الحرية في التصرف دون قيود، وتأطير للشخصية في قالب القدوة، وإتاحة المجال للتفريغ النفسي، الذي يعتبر بوابة عتق الروح مع القيود، فنتركه يفرّغ ضغوطاته غير المرئية من خلال المشي أو الصراخ أو الضحك غير المفسر أو شرود الذهن، وقد يصل لمرحلة شوقه لممارسة طقوس الطفولة كلعب كرة القدم مع الأطفال أو نثر التراب في الهواء.


اقرأ أيضًا: عامان تحت الأنقاض: ندى بدوان حين يجرح الأمل صاحبه


لا يعيب كل ذاك وغيره شخصية الأسير ببطولته وتميّزه، بل إنّ تركه على سجيته دون مجهر فوق رأسه، يجعله ينطلق في هذه الحياة كما يرسم لنفسه وكما يحب أن يكون، لا حسب مقاييس المجتمع التي قد تأول به نحو العزلة أو مزيد من العقد النفسية.

يؤدي الإعلام دورًا رئيسيًا في أسطرة الأسير والأسيرة بعد الحرية، عبر تسليط الضوء عليه باعتباره بطلًا خارقًا، لا إنسانًا له رغباته واحتياجاته، متوقعًا منه أن يصلح كل اعوجاج المنظومة الحاكمة في الدولة، فيحمّله فوق طاقته وقدرته الاستيعابية، لا سيّما إن كان ينتمي إلى تنظيم معين، فيه حسابات خاصة ومؤامرات كبيرة قد تستنزف وقته وجهده وتفرض عليه قيد (القدوة) التي يحرّم عليها الخطأ في الرأي والمسلك والتفكير.

حب الناس للأسير والأسيرة المحررة مبرر وشرعي، ولكن حين يتحول إلى أداة رقابة على قراراته بما فيها أبسط القرارات، فذلك ضرب من الجنون المجتمعي، وإجحاف بحق الأسير في ممارسة إنسانيته، دون تحويله إلى قدّيس. فما أجمل أن نحفظ لهم مكانتهم ولا ننسى أنهم بشرًا قبل أن يكونوا رموزًا وطنية.