كانت بساطته وعفوية حديثه سرَّ قربه من الناس، فكان صوتهم ولسان حالهم، والنافذة التي أطلت منها غزة على العالم. حمل وجع أهلها وقهرهم وجوعهم، وبمشاعر صادقة نقل تفاصيل أيامهم كما عاشوها. هو أنس الشريف، الإنسان الصحفي المحبوب.
شكّل أنس مدرسة خاصة به في الصحافة، إذ جمع أسلوبه بين بساطة السرد وعمق الحكاية، وأنسنة الحدث، بعيدًا عن التكلف، فلم يألُ جهدًا في الوصول إلى الناس، ونقل أصواتهم واحتياجاتهم، كاشفًا ما عاشوه من أهوال تحت وطأة حرب مستعرة لم تُبقِ ولم تذر، وما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياتهم حتى اليوم.
لن ننسى أنس الشريف

أنس الشريف ابن مخيم جباليا، عمل مراسلًا لدى شبكة الجزيرة الإعلامية أثناء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت أهوال الحرب، التي بلغت أشدّها وأحرقت الناس، دافعًا لأنس لمواصلة نقل واقع تعجز الكلمات عن الإحاطة بقسوته وأوجاعه. كان الشاهد الذي عايش تلك التفاصيل لحظة بلحظة، فما إن كان يسمع دويَّ انفجار، حتى يسارع إلى حمل معداته والتوجه نحو مكان الموت، غير آبه بما قد يواجهه، ليقف بين المكلومين، يبكي لبكائهم، ويوثّق آلامهم. فلم يكن صحفيًا فحسب، بل كان واحدًا منهم، ابنهم وهم أهله.
شاهدًا على الحقيقة، فشهيدًا لها، حمل أنس روحه على كفّه، وحمل أمانة ثقيلة كثقل الحرب، بل أشد، فكان صوت الحقيقة، وصوت الغزيين المنسيين، المحاصرين، والمجوّعين، والمكلومين. عاش ما عاشه أهل الشمال، هزل جسده من الجوع، واكتوى بنار الفقد، وظل رغم ذلك صامدًا. لم يخفت صوته، بل اشتد عوده، وازداد إصرارًا على المضي في حمل أمانة الحقيقة.
برز أنس الشريف كأحد الأصوات الإعلامية الميدانية في القطاع المعذّب، آثر نقل الرواية وكشف زيف أكاذيب الاحتلال باستهدافه المدنيين العزل، والأطفال الرضع والنساء، فلم يتوانَ قيد أنملة عن سرد جرائم احتلال يعجز المنطق عن استيعابها. فكيف بمن يقف ثابتًا أمام كاميرا، خلفها عشرات الآلاف من المشاهدين، ليشرح لهم معنى أن تكون معذّبًا، مجوّعًا، مقهورًا ومخذولًا، أن ترى أبناءك يُقتلون أمام عينيك، وتتبعثر أجسادهم بعدما أحرقتها آلة الحرب، أو أن يموتوا جوعًا ومرضًا.
سنواصل نقل الحقيقة

كان أنس صوت القهر والموت الذي يلاحق الغزيين، بقي هناك.. في الشمال، رغم جحيم الحرب ومآلاتها، إذ أيقن أن مكانه الطبيعي بين الناس، حيث الوجع في أشدّه والحقيقة في أقسى صورها، فاختار أن يؤدي رسالته الصحفية من قلب واقعهم الأليم، كما آمن أن للصحفي مكانًا بين أهله حين تضيق بهم الأرض.
ورغم التهديدات المباشرة والمتواصلة من قوات الاحتلال باستهداف أنس، آثر البقاء في الميدان، متمسكًا برسالته الصحفية، ومواصلًا نقل الحقيقة مهما كان الثمن. وكان يؤمن بأن الكلمة سلاح، وأن الكاميرا قادرة على مقاومة محاولات طمس الحقيقة، وأن القصة لا تنتهي بموت أصحابها، بل تبقى أمانةً في أعناق من يأتي بعدهم. لذلك ظل يعوّل على من يحمل الراية من بعده، مرددًا: “إذا انقطع البث… لا تنسوا أن القصة لم تنتهِ، هناك دائمًا من يكملها من بعدنا”.
كان البقاء في الشمال يعني موتًا محققًا للناس، فلم يعد القصف وحده سببًا للموت، بل تعددت أوجهه، وكان أشدّها قسوة الجوع. ومع ذلك، خرج أنس مرارًا أمام الكاميرا، ومعدته تقرقر من شدة الجوع، وجسده خائر لا يكاد يقوى على الوقوف، لكنه كان يتظاهر بالتماسك، مستندًا إلى ثقل الأمانة التي حمّله إياها الناس، وإلى أمل زرعوه في نفسه، إذ رأوا فيه نافذتهم الوحيدة إلى العالم، وصوتهم الأخير.
لن ننسى أنس الشريف أبو صالح، الابن البار، والزوج الوفي، والأب الحاني، والإنسان الطيب الخلوق، صاحب الابتسامة الجميلة. لن ننسى أنس الإنسان، قبل أن نتذكر الصحفي والشاهد والشهيد، والذي ترك أثرًا باقيًا في قلوب كل من عرفوه.
لن نغادر الشمال

خلال تغطيات أنس للحرب، حفرت مواقف كثيرة في ذاكرة المشاهدين، وهو ينقلها على الهواء مباشرة، تاركة أثرًا لا يُمحى ولا يُنسى. فكانت مشاعره حاضرة في كل تغطية، تتسابق مع كلماته، فكثيرًا ما كانت تخرج كلماته محمّلة بالحشرجة والبكاء، تعكس وجعًا عاشه كما عاشه أبناء غزة، وربما ذلك ما جعله صحفيًا متفردًا بين زملائه، إذ كان إحساسه في نقل الواقع سريع الوصول إلى المشاهد.
غالبًا ما تستهل نشرات الأخبار على قناة الجزيرة بالقول: “والآن معنا مراسلنا أنس الشريف ليطلعنا على آخر التحديثات عن الغارة الجديدة التي نفذها الاحتلال”، إلا في ذلك اليوم، يوم 10 أغسطس/آب 2025، إذ كان هو الخبر: “استشهد أنس”. فكان وقع الخبر أثقل من استيعابه، وكان بمثابة فاجعة حلّت بالغزيين، الذين كانوا يرون فيه صوتهم، وأملهم، ولسان حال أهل غزة يقول: مات صوتنا، هل ستنتهي قصتنا؟
ارتقى أنس برفقة أربعة صحفيين، وهم محمد قريقع، وإبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عليوة، إلى جانب مواطنين، في غارة نفذها الاحتلال باستهداف خيمة صحفيين قرب مجمع الشفاء الطبي. رحل أنس بجسده، لكن صوته لا يزال يتردد في الأذهان، وما زالت سيرته حاضرة. لم ولن ننسى أنس الشريف، لأنه كان في الميدان ومع الناس، ينقل الهموم ويحملها في الوقت ذاته

