بنفسج

إسماعيل الغول: لماذا لن ننسى صوت الشمال؟

الإثنين 03 اغسطس

الشهيد الصحافي إسماعيل الغول
الشهيد الصحافي إسماعيل الغول

لطالما استوقفني هدوء إسماعيل، وملامحه الساكنة. في كل مرة أشاهده بعد تغطية جديدة ينقلها من قلب الإبادة في شمال قطاع غزة، كنت أتساءل: من أين يأتي بكل هذا الهدوء؟ كيف يستطيع أن يقف ثابتًا أمام كل هذا الدمار؟ أمام القصف المتواصل، والنزوح، والمجازر، والتجويع، ليمسك الميكروفون وينقل حجم الإجرام والإبادة إلى العالم؟

صحافي عاش تفاصيل الخبر

استهداف الصحافيين

كم مرة اضطر إلى أن يكبح مشاعره ليواصل عمله؟ كم مرة رأى أشلاء الأطفال متناثرة، ثم أكمل توثيق المشهد؟ كم مرة جلس أمام أم فقدت أبناءها دفعة واحدة، وأنصت إلى وجعها، بينما كان يؤجل انكساره إلى وقت لا يعلم إن كان سيأتي أصلًا؟ أنا، كصحفية، واثقة أن إسماعيل لم يعتد المشهد؛ فالتجويع لا يمكن أن يصبح أمرًا اعتياديًا، ولا أظن أن النزوح المتكرر من مكان إلى آخر، بلا وجهة واضحة ولا بيت، يمكن أن يتحول إلى تفصيل يومي عابر.

لا يعتاد الإنسان أن يحمل ما استطاع من بقايا حياته، ثم يمضي وهو لا يعلم أين سيقضي ليلته، ولا أين سيستيقظ في الصباح. وكل ما كان يملكه إسماعيل، كغيره من النازحين، يقين بالله، وإيمان راسخ بقضائه وقدره. أما ما سوى ذلك، فوجهة مبهمة، ومسكن مجهول، وغد يلفه الخوف.

أعتقد أن إسماعيل لم يكن هادئًا لأنه اعتاد الحرب؛ فالهدوء كان جزءًا أصيلًا من شخصيته، غير أن هذا الهدوء لم يكن يعني غياب الألم، بل كان، كحال كثير من الصحفيين في غزة، يؤجل الانهيار حتى تستمر التغطية، وتصل الرواية إلى العالم. كان لزامًا عليه أن يكبت دموعه، ويؤجل خوفه، ويضع جانبًا التفكير المضني بطفلته زينة، وزوجته، وأهله. فقد أصبحت ثقل الأمانة، ورسالة نقل الحقيقة إلى العالم، أولوية تتقدم على كل ما عداها.

بإنسانية مطلقة، وثّق إسماعيل الغول وجوهًا لا تُحصى من القهر والألم. سار بين الركام، وبين الجثث المتفحمة، وبين المنازل والمساجد والمدارس المدمرة، وحمل إلى العالم تفاصيل الإبادة كما هي، دون مبالغة أو انتقاص. فلم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان يعيش تفاصيله، ويشهد عليه قبل أن يرويه.

وفي كثير من الأحيان، كانت المأساة أكبر من اللغة نفسها، فتعجز الكلمات عن حمل ثقل المشهد. ومع ذلك، حاول مستميتًا البقاء في شمال قطاع غزة، ورصد فصول الإبادة حتى اللحظة الأخيرة.

الغول: منح للضحايا أسماء ووجوهًا

الصحافي إسماعيل الغول

كما حاول إسماعيل جاهدًا أن يُؤنسن الأحداث، وأن يسرد حكايات ضحايا حرب الإبادة، بالحديث عن قصصهم، وانتماءاتهم، وأحلامهم التي لم تكتمل. فلم يكن صحفيًا يبحث عن أرقام الشهداء فحسب، بل كان يسعى إلى الغوص في تفاصيل حياتهم، ومنحهم أسماءً ووجوهًا، لأن وراء كل شهيد قصة إنسان، وعائلة، وطموحًا لم يكتمل.

كان إسماعيل يدرك أهمية وجوده بوصفه صحفيًا في قناة الجزيرة، في شمال قطاع غزة. كما كان على يقين بأن كونه غزيًا وصحفيًا في آن واحد يجعله هدفًا مباشرًا، في ظل تهديدات الاحتلال المتكررة للصحفيين واستهدافهم.


اقرأ أيضًا: الصحافية الفلسطينية: حين تكتب الحقيقة بمداد الدم


ومع ذلك، لم يغادر الميدان، بل أصر على البقاء واستكمال التغطية، مدركًا أن كل يوم يمضيه في الميدان قد يكون ثمنه حياته، لكنه آثر مواصلة عمله، شاهدًا على الإبادة، وناقلًا لحقيقتها إلى العالم. عامان على رحيل إسماعيل، وما زال حضوره يسكن الذاكرة. لم ولن ننسى إسماعيل الغول، صوت الشمال، فالغياب لا يمحو الأثر، وقد ترك لنا صورة ستبقى شاهدة على الحقيقة، وخالدة في وجداننا.

وكيف لا، وهو الذي آثر البقاء، وحمل مسؤوليته المهنية والإنسانية حتى اللحظة الأخيرة، مدركًا تمام الإدراك أن الموت يحيط به من كل حدب وصوب، وأن استهداف الصحفيين كان سياسة معلنة من الاحتلال. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يغادر الميدان، بل ظل صوته حاضرًا، وعينه شاهدة على معاناة الناس.

شاهدًا حتى اللحظة الأخيرة

الشهيد إسماعيل الغول

لن ننساه، لأنه ما لان وما استكان في سبيل نقل الحقيقة من قلب الحدث، ولم يتوان يومًا عن دفع ثمنها. أتذكر جيدًا يوم رحيل إسماعيل، في الحادي والثلاثين من يوليو/تموز 2024. في ذلك اليوم، سارعت مجموعات الأخبار على تطبيق “واتساب” إلى تناقل نبأ صادم: “الغول استشهد.”

كان خبرًا ثقيلًا، مفجعًا. فقد اغتال الاحتلال الصحفي إسماعيل الغول برفقة زميله المصور رامي الريفي، إثر استهدافهما بطائرة مسيّرة صهيونية بشكل مباشر أثناء أدائهما واجبهما الصحفي، ما أدى إلى استشهادهما على الفور. لم يكن مجرد خبر عاجل يُتداول، بل كان خسارة موجعة لكل من عرفه بصوته الهادئ، ومهنيته العالية، وإصراره على نقل الحقيقة من قلب شمال قطاع غزة.

فقد استهدف الاحتلال المنطقة المجاورة للمنزل المدمر لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الشهيد إسماعيل هنية، أثناء وجود عدد من الصحفيين لتغطية الحدث، فكان إسماعيل الغول ورامي الريفي بين من طالتهم الغارة. وسبق أن تعرض إسماعيل، ابن مخيم الشاطئ، للاعتقال خلال الاقتحام الثاني لمجمع الشفاء الطبي، حيث احتجزته قوات الاحتلال لمدة اثنتي عشرة ساعة، قبل أن تطلق سراحه، ليعود بعدها إلى الميدان، ويواصل التغطية وكأن شيئًا لم يكن.

تزوج إسماعيل الغول من ملك زياد عام 2021، ورُزقا بطفلتهما زينة. وبعد شهرين فقط من بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، افترق عنهما بسبب ظروف الحرب، ولم يتمكن من لقائهما طوال ثمانية أشهر، حتى جاء يوم اغتياله، لتنتهي رحلته، ويبقى الحنين شاهدًا على أبٍ لم تمنحه الحرب الوقت الكافي ليعيش مع أسرته، واختار أن يبقى شاهدًا على معاناة شعبه حتى النفس الأخير.