لم يعد “الناجي الوحيد” وصفًا لحالة فردية، بل صار اسمًا لعصرٍ كامل. كلمةٌ كانت تعني النجاة، فإذا بها في غزة تعني الخسارة المطلقة. النجاة هنا ليست خلاصًا من الموت، بل بقاءً في حضرته، وحملًا لثقله، ومشيًا على الأرض بقلبٍ دفن معه كل الذين كان يحبهم. أن تكون الناجي الوحيد، فهذا يعني أن يعود المفتاح إلى بابٍ لن يفتحه أحد. أن تنادي: “أمي”، فلا يجيبك سوى الصدى. أن تبحث عن وجه أبيك بين الركام، وعن ضحكة إخوتك بين الغبار، وعن لعب الأطفال التي بقيت شاهدة على أن الحياة كانت هنا، ثم مرت بها الحرب.
كم تبدو هذه العبارة قصيرة، وكم تحمل في حروفها من عمرٍ انكسر. الناجي الوحيد ليس شخصًا نجا من قصفٍ عابر، بل إنسانٌ خرج من دائرة الزمن نفسها. ترك وراءه بيتًا كان وطنًا صغيرًا، ومائدةً لن يلتف حولها أحد، وصورًا عائلية أصبحت وثائق لأناسٍ كانوا هنا، ثم غابوا جميعًا دفعةً واحدة.
أنت الناجي الوحيد. أي لقبٍ هذا الذي يمنح الإنسان حياةً وينزع منه كل أسبابها؟ أي نجاةٍ هذه التي تجعل الطفل يرث أسماء عائلة كاملة، ويحفظ تواريخ ميلادهم ووفاتهم، ويصبح هو الذاكرة الأخيرة لهم؟ من سيشاركه أعياده؟ من سيصفق لنجاحه؟ من سيوبخه إذا أخطأ؟ من سيطمئن عليه إذا مرض؟
تخيل طفلًا خرج يحمل في يده بعض النقود ليشتري خبزًا، أو قطعة حلوى، أو حاجةً أوصته بها أمه. كانت خطواته عادية، وكان يظن أن البيت ينتظره كما تركه. لكن حين عاد، لم يجد بابًا، ولا نافذة، ولا صوتًا ينادي اسمه. وجد الركام وحده. وفي لحظةٍ واحدة، اكتشف أن الرحلة القصيرة التي خرج فيها جعلته يعود إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ لا أم فيه، ولا أب، ولا إخوة، ولا بيت.
عاد… لكنه لم يعد إلى عائلته. عاد ليقال له: أنت الناجي الوحيد. أي لقبٍ هذا الذي يمنح الإنسان حياةً وينزع منه كل أسبابها؟ أي نجاةٍ هذه التي تجعل الطفل يرث أسماء عائلة كاملة، ويحفظ تواريخ ميلادهم ووفاتهم، ويصبح هو الذاكرة الأخيرة لهم؟ من سيشاركه أعياده؟ من سيصفق لنجاحه؟ من سيوبخه إذا أخطأ؟ من سيطمئن عليه إذا مرض؟ من سيخبر أبناءه يومًا كيف كانت ملامح جدتهم، وكيف كان صوت جدهم، وكيف كان إخوته يملؤون البيت ضجيجًا؟
لقد صار وحده الأرشيف، ووحده الشاهد، ووحده الحكاية. يحمل على كتفيه إرث عائلة كاملة، لا لأن العمر هيأه لذلك، بل لأن الموت اختار أن يتركه خلفه شاهدًا. يحمل أحلام من رحلوا، ووصاياهم التي لم ينطقوا بها، وصورهم التي لن يلتقطوا غيرها، وضحكاتهم التي انطفأت قبل أن تكمل صداها. وكلما ناداه أحد: “يا ناجي”، ربما سمع في داخله كلمةً أخرى: “يا وحيد”. فالنجاة ليست دائمًا انتصارًا. أحيانًا تكون مسؤولية ثقيلة، وذاكرة لا تنام، وفراغًا لا تملؤه السنوات.
اقرأ أيضًا: "هان عليك تحط على أولادنا الرمل".. حكاية الناجية آية عليان
في غزة، لم يعد الناجي الوحيد فردًا استثنائيًا، بل صار شاهدًا حيًا على حجم المأساة التي خلّفتها الحرب. شاهدًا يحمل في ملامحه أسماء الغائبين، وفي صمته أسئلةً لا تجد جوابًا: كيف يمكن لطفل أن يكبر وهو آخر صفحةٍ بقيت من كتاب عائلته؟ وكيف يقنع قلبه أن الحياة تطلب منه أن يواصل السير، بينما كل الطرق التي أحبها انتهت تحت الركام؟
سيكبر هؤلاء الناجون، لكن في داخل كل واحدٍ منهم سيبقى مقعدٌ فارغ لا يملؤه أحد، وبيتٌ لا يعود كما كان، ونداءٌ يتردد كل ليلة، ولا يسمعه إلا الله. ولعل أكثر ما يخيف في هذا اللقب أنه لا يصف من بقي حيًا فحسب، بل يذكّر العالم بمن لم يبقَ أحدٌ ليروي أسماءهم.
فالناجي الوحيد ليس نهاية قصة، بل آخر سطرٍ فيها؛ السطر الذي بقي ليشهد أن هنا كانت عائلة، وأن هنا كانت أحلام، وأن هنا كان بيتٌ عامرٌ بالمحبة، قبل أن يتحول إلى عنوانٍ لفقدٍ لا تسعه الكلمات. ويبقى السؤال الذي سيطارد ضمير الإنسانية طويلًا: كم طفلًا ينبغي أن يحمل لقب “الناجي الوحيد” حتى يدرك العالم أن بعض الكلمات لا ينبغي أن تصبح مألوفة؟

