طالما ظلت الميثولوجيا الإغريقية والحكايات الفانتازية المظلمة ملجأ البشرية لتجسيد أقصى صور الرعب والبطش والتنكيل، غير أن ما شهده قطاع غزة لم يُسقط تلك الأساطير من عرش المخيلة فحسب، بل جعلها تتوارى خجلًا أمام واقعٍ تفوق على أكثر الخيالات سوداوية، ليكون شهادة حية على أحقر احتلال عرفه التاريخ الحديث.
في أساطير الفانتازيا القديمة، كنا نقرأ عن وحوش تُولد من بين الركام، وعن مآسٍ تعتصر القلوب مثل جنين يخرج من رحم أمه بفعل سحر أسود. لكن في غزة، تحول هذا الخيال إلى واقع يدمي القلوب، أطفال وجنّات نُزعوا من أرحام أمهاتهم الشهيدات لا بعمليات قيصرية أو بولادة طبيعية، بل بفعل القوة الانفجارية العاتية لقنابل تزن أطنانا من المواد شديدة الانفجار. لقد وثقت التقارير الطبية والميدانية استشهاد أكثر من 17,000 طفل في غزة، من بينهم أجنة نُشلت أجسادهم الغضة من تحت الأنقاض بفعل شدة الضغط والحرارة المتولدة عن قصف المستشفيات ومنازل المدنيين الآمنين.
انصهار الأجساد

ولم تقف القسوة عند حدود القتل والتمثيل بالأجساد كما في روايات الفانتازيا المظلمة بل تعدتها إلى ظاهرة مرعبة كشفت عنها الطواقم الطبية والدفاع المدني: "تبخر الأجساد". في حروب الماضي، كان الضحايا يتحولون إلى أشلاء أو تتداخل أجزاؤهم، لكن أسلحة الاحتلال الفتاكة المحرمة دوليًا تُولد حرارة تتجاوز آلاف الدرجات المئوية، مما يؤدي إلى اختفاء الجسد البشري بالكامل فلا يبقى منه سوى بقعة داكنة أو بقايا ملابس مهترئة. وأكدت التقارير الأممية والدفاع المدني وجود آلاف المفقودين الذين لم يُعثر لهم على أي أثر تحت الركام، ليتحول الجسد الإنساني من كينونة مادية إلى سراب محته آلة الحرب.
أمام هذا الهول، انقلبت السلم الطبيعي للأماني والأحلام البشرية. في الحكايات الأسطورية، يصارع الأبطال من أجل الحياة والنجاة، أما في غزة، فقد أصبحت أسمى أماني الإنسان تقتصر على "شاهد وقبر". لم يعد الأهالي يحلمون ببناء المستقبل أو النجاة من الموت، بل بات أقصى طموحهم أن يجدوا مقبرة تضم أجساد أحبتهم بشكل مستقل، فرارًا من المقابر الجماعية التي اضطروا لحفرها في ساحات المستشفيات، وأفنية البيوت، وجوانب الطرقات، أو ترك الجثامين تحت الأنقاض. وتُشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 10,000 مفقود ما زالوا تحت ركام البنايات المهدمة التي يتعذر انتشالهم منها بسبب انعدام المعدات واستمرار القصف.
اليتم والترمل والفقد حالة عامة

لقد غدت الفاجعة جزءًا من الحياة اليومية، واستحالت الكوارث الاستثنائية إلى مشهد اعتيادي يألفه الصغار والكبار. بات عادي جدًا أن تجد "الناجي الوحيد" من عائلة مسحت بالكامل من السجل المدني، حيث أبادت القوات المحتلة آلاف العائلات بشكل كامل. وتذكر التقديرات الدولية وجود أكثر من 35,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، ليغدو اليتم والترمل حالة عامة تخيم على القطاع. كما ارتفعت أعداد مبتوري الأطراف والمصابين بتشوهات دائمة إلى عشرات الآلاف، في ظل انهيار القطاع الصحي وتوقف معظم المستشفيات عن العمل.
لقد عاش الموت بين الناس حتى أصبحوا يرونه رأي العين في كل لحظة، يخرج المرء صباحًا وهو يعلم أن احتمال عدم عودته هو الأصل، وأن البقاء على قيد الحياة مجرد تأجيل مؤقت. إن ما يحدث في غزة يتجاوز كل أسطورة خيالية كُتبت عن البطش والشر؛ إنه واقعٌ مؤلم يفضح عجز العالم، ويُسجل في ذاكرة التاريخ أن أعتى الخرافات وحشية قزمتها حقيقة ما اقترفه هذا الاحتلال ضد الإنسانية.
تشوهات

في عالم الأساطير القديمة كان "العقاب الجماعي" لعنة تُصبها الآلهة الغاضبة على المدن الملعونة في المسرحيات الإغريقية، غير أن واقع قطاع غزة حوّل هذه اللعنة الميثولوجية إلى سياسة إبادة ممنهجة تُمارس في القرن الحادي والعشرين على مرأى ومسمع من العالم. لم يتوقف الواقع عند حد القتل المباشر بالفانتازيا الدموية للأسلحة، بل تعداه إلى خنق مقومات الحياة نفسها.
حُوصر أكثر من مليوني إنسان في مساحة جغرافية ضيقة، يُحرمون فيها من قطرة الماء النظيف، وحبة الدواء، ولقمة العيش. لقد أظهرت التقارير الأممية أن نسبة السكان الذين يواجهون مستويات كارثية من الانعدام الحاد للأمن الغذائي تجاوزت 90%، ليصبح الجوع سلاحًا مسلطًا على الأعناق، أشد قسوة من وحوش "التنين" في الحكايات الخرافية.
شاهد وقبر أسمى أمانينا

تكتمل هذه اللوحة السريالية بتدمير البنية التحتية والمستشفيات بشكل يخرج عن نطاق التصور إذ خرجت أغلبيتها الساحقة عن الخدمة، ليتحول العلاج دون تخدير إجراءً يوميًا يتعايش معه الجراحون، ولتغدو غرف العمليات أشبه بمسارح للموت البطء. وفي الوقت الذي كانت الأسطورة تمنح الأبطال ملاذًا أو ملجأ يفرون إليه من القهر، كشفت إحصاءات الأونروا والأمم المتحدة عن نزوح أكثر من 1.9 مليون شخص أي ما يعادل 85% من إجمالي السكان مرات متكررة، يفرون من خيمة ممزقة إلى أخرى تحترق، بلا أرض آمنة ولا سقف يستر.
إنها ملحمة تيهٍ وتشريد تتجاوز في سوداويتها كوابيس الأدب الفانتازي، حيث غدا البقاء على قيد الحياة تحت طائلة الشلل التام للمرافق الحيوية واستمرار القصف معجزةً يومية، تؤكد أن واقع غزة تجاوز كل ما اختزنته المخيلة البشرية من أشكال العذاب والظلم.

