في فلسطين، يبدو كل شيء مختلفًا، بل متناقضًا، لا لأننا اخترنا ذلك، بل لأن واقعًا فُرض علينا بالقوة، جعل حتى أبسط تفاصيل الحياة تحمل وجهين متقابلين، إذ تمتزج مشاعر الفرح بالحزن في المشهد ذاته. وحتى بعض حكاياتنا المؤلمة لا تنتهي بالموت؛ فالاحتلال لا يكتفي بسلب الحياة، بل يواصل التنكيل بأبشع الصور حتى بعد الموت. فالموت ليس نهاية معاناتنا، بل تتجاوز تداعياته حدود المنطق، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا بوصفه إرهابًا منظمًا.
لك أن تتخيّل حجم القهر الذي تعيشه أمٌّ فجعت بفلذة كبدها، شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، لم يكن يحمل سوى صدره العاري وإيمانه بعدالة قضيته، يدافع عن أرض ورثها عن أجداده، محاولًا إبعاد المستوطنين الذين سعوا إلى الاستيلاء عليها عنوة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى وجّه أحد المستوطنين سلاحه نحو رأس الشاب، وأطلق رصاصه، فانفجر بحرٌ من الدماء الطاهرة، روى تراب الأرض التي كان يعدّها شرفه وعرضه، ليلفظ أنفاسه الأخيرة فوق ثراها، في مشهد يوثق جانبًا من الحياة اليومية التي يحياها الفلسطيني، صاحب الأرض، مع مغتصبها.
أيُّ قهرٍ هذا؟ وكيف لقلب أمٍّ أن يحتمل تلقي خبر استشهاد فلذة كبدها، ثم يتبعه خبر آخر مفاده: “الاحتلال يهدد باحتجاز جثمان الشهيد”؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُحرم أمٌّ حتى من حقها الأخير في رؤيته، واحتضانه، واستنشاق رائحته، وتحسس جسده للمرة الأخيرة؟
ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل جاء ليكمل فصول الجريمة، مهددًا باحتجاز الجثمان وسرقته. أيُّ قهرٍ هذا؟ وكيف لقلب أمٍّ أن يحتمل تلقي خبر استشهاد فلذة كبدها، ثم يتبعه خبر آخر مفاده: “الاحتلال يهدد باحتجاز جثمان الشهيد”؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُحرم أمٌّ حتى من حقها الأخير في رؤيته، واحتضانه، واستنشاق رائحته، وتحسس جسده للمرة الأخيرة؟
وما هي إلا ساعات قليلة حتى حسم الاحتلال قراره بعدم احتجاز الجثمان، لكنه أجبر العائلة على دفنه في ساعة متأخرة من الليل، ومنعها من إقامة مراسم تشييع تليق بشهادته، كما فرض قيودًا على عدد المشاركين في تشييعه.
وفي اليوم التالي، اندلع اشتباك مسلح بين مقاوم فلسطيني رفض الخضوع لجرائم الاحتلال، فأصبح مطاردًا لقواته. وبعد حصار استمر ثلاث ساعات داخل أحد المباني المهجورة، انتهى المشهد بإطلاق النار عليه وقتله. ولم تتوقف الجريمة عند هذا الحد، بل نكّلت قوات الاحتلال بجثمانه في مشهد تقشعر له الأبدان، قبل أن تنقله وتحتجزه في ثلاجاتها، لتحرم عائلته من حقها في وداعه ومواراته الثرى وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وليبدأ فصل جديد من المعاناة، لا يقل قسوة عن لحظة الفقد نفسها.
اقرأ أيضًا: اغتيال مقاوم في عين الشمس.. إلى اللقاء وليد هنية
وهنا، سأحاول أن أنقلك إلى شيء من شعور أمّ شهيد محتجز منذ سنوات في ثلاجات الاحتلال، في واحد من المواقف اليومية التي لا تنتهي. ففي كل مرة تفتح فيها ثلاجة منزلها، يتسلل إليها سؤال قاسٍ: كيف يحتمل جسد ابني كل تلك البرودة، ولزمن لا نهاية واضحة له؟ وحين تُخرج اللحم أو الدجاج لإعداد الطعام، تتخيل جسد ابنها، وتتساءل: كيف يقبع وحيدًا داخل ثلاجات الاحتلال؟ وهل يوجد أقسى من تلك المشاعر؟
صحيح أن الروح قد صعدت إلى بارئها، لكن للقبر معنى لا يدركه إلا من ذاق الفقد. فهو آخر ما يبقى للأهل من أثرٍ لحبيبهم، وكلما اشتد بهم الحنين قصدوا قبره، وقرأوا الفاتحة عنده، وبثّوه شوقهم ودعاءهم، فيجدون في زيارته شيئًا من السكينة يخفف وطأة الغياب.
وتُعد سياسة احتجاز جثامين الشهداء في الثلاجات، أو ما يُعرف بـ”مقابر الأرقام”، واحدة من أقسى أشكال العقاب الجماعي التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. ولا تقتصر آثارها على حرمان العائلات من حقها في وداع أبنائها ودفنهم، بل تتفاقم مع المخاوف التي يعبّر عنها ذوو الشهداء والمؤسسات الحقوقية بشأن احتمال العبث بالجثامين أو سرقة أعضائها، في ظل استمرار احتجازها لفترات طويلة، وهو ما يضاعف معاناة العائلات ويجعل انتظارها لاستعادة أبنائها فصلًا آخر من فصول الألم التي لا تنتهي.

