بنفسج

"كان هذا آخر ما فعله قبل أن يستشهد"... أبي الذي أحب أرضه

الثلاثاء 11 اغسطس

أعداد الشهداء في غزة
أعداد الشهداء في غزة

كلما أغمضت مريم حمد (30 عامًا) عينيها، لا ترى المنزل الذي دمرته الحرب، بل ترى الأرض التي كانت تجمع العائلة كل مساء. هناك، بين أشجار الفاكهة والخضراوات التي اعتنى بها والدها هاني حمد لسنوات، كانت الحياة تمضي بإيقاعها الهادئ؛ يوم طويل في الزراعة، يعقبه لقاء عائلي بسيط حول أكواب الشاي، تتداخل فيه الأحاديث والضحكات مع رائحة التراب الذي أحبّه الأب، حتى غدا جزءًا من هويته، ومصدر رزق أسرته.

لم تكن تلك الأرض بالنسبة له مجرد مساحة يزرعها، بل كانت امتدادًا للعائلة نفسها. يقضي معظم نهاره بين أشجارها، يعتني بالمحاصيل، ويحرص على أن توفر لأبنائه كل ما يحتاجونه من طعام، قبل أن يعود مع المساء ليجمع أبناءه وبناته حوله، وكأن نهاية كل يوم لا تكتمل إلا باجتماعهم.

تقول مريم: “لم يكن والدي كثير الكلام، لكنه كان يعرف كيف يزرع الطمأنينة في البيت كما يزرع أرضه. كان هادئًا، حنونًا، مرحًا، ويحرص على مساندتنا في كل ما نحتاجه. ومع الأيام الأولى للحرب لم تتغير طباعه؛ فكلما اشتد القصف جمع أفراد أسرتنا حوله، محاولًا أن يخفف عنا الخوف، ويمنحنا شعورًا بأننا ما زلنا معًا، وأن بقاء العائلة متماسكة هو ما يستحق التمسك به وسط كل هذا الخراب”.

استهداف في حديقة البيت

الشهيد هاني حمد.jpg

في تلك الأيام، لم تكن الحرب وحدها ما يشغل مريم. كانت مخطوبة، تستعد لبدء حياة جديدة، بينما كان والدها يعيش تفاصيل تلك الفرحة كما لو أنها فرحته الشخصية، يتابع تجهيزاتها، ويحدثها عن حفل زفاف كبير يليق بها، ويحرص على توفير كل ما تحتاجه، مؤمنًا بأن ابنته تستحق أن تبدأ حياتها بأجمل صورة ممكنة، لكن الحرب كانت أسرع من الأحلام.

تقول مريم: “في صباح التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، خرج أبي إلى أرضه كعادته. كان يسقي الزرع الذي أمضى سنوات يعتني به، قبل أن يجلس مع أخي الوحيد إبراهيم (27 عامًا) وأختي أسماء (22 عامًا) في حديقة المنزل. هناك استهدفتهم طائرة مسيرة بصاروخ بشكل مباشر، فاستشهدوا على الفور”.

تقول مريم إن تلك اللحظة لم تنتزع منها والدها فقط، بل انتزعت الأخ الذي كان السند الوحيد لأخواته، والشقيقة التي كانت ما تزال طالبة، تستعد هي الأخرى لمستقبل لم تمنحه الحرب فرصة أن يبدأ. لم تمضِ ساعات حتى اضطرت الأسرة إلى النزوح، تاركة وراءها المنزل، والأرض، وكل ما ارتبط بذكريات سنوات طويلة. ومنذ ذلك اليوم لم تتمكن من العودة إليها، لتستقر في مدرسة تؤوي نازحين، بينما بقيت الأرض حاضرة في الذاكرة أكثر من حضورها في الواقع.

“كلما تذكرت أبي تذكرت الأرض”

بنات الشهيد.jpg

لم تفقد مريم والدها في لحظة استشهاده فقط، بل فقدت معه الإحساس بالسند الذي كان يصنعه وجوده في حياتهم اليومية. تقول: “إن أكثر ما أفتقده اليوم ليس مجرد شخص غاب، بل ذلك الشعور بالأمان الذي كان يرافق وجوده؛ فالمسؤوليات التي كان يحملها عن الأسرة أصبحت اليوم موزعة بين أمي ونحن الفتيات الثلاث”.

بعد رحيل الأب، لم تعد الأسرة تواجه الحرب وحدها، بل تواجهها من دون الرجل الذي كان يجمع أفرادها حوله، ويمنحهم شعورًا بأن هناك من يقف إلى جانبهم مهما اشتدت الظروف. وتستعيد مريم ذكرى شقيقها إبراهيم، الذي كان الابن الوحيد بين أخواته، وكان قريبًا من والده، يرافقه ويساعده في الزراعة. لم يكن إبراهيم بالنسبة لها مجرد أخ، بل كان امتدادًا لحضور الأب داخل البيت، وسندًا لأخواته اللواتي وجدن أنفسهن، بعد رحيله، أمام غيابين في وقت واحد.

تقول مريم: “كان إبراهيم يشارك والدي تفاصيل الأرض والعمل فيها، ويحمل عنه جزءًا من المسؤولية، كما كان قريبًا منا نحن شقيقاته، يعرف تفاصيل حياتنا، ويقف إلى جانب كل واحدة منا كما اعتدنا منه”. أما أسماء، شقيقتهما التي كانت تبلغ من العمر 22 عامًا، وكانت طالبة، فتركت برحيلها فراغًا آخر داخل العائلة. فقد غابت ابنة من البيت، وأخت كانت جزءًا من تفاصيله اليومية، لتصبح ذكراها واحدة من الوجوه التي تعود إليها مريم كلما استعادت الأيام التي سبقت الحرب.

رحيل الأخوة: ضربة ثانية

شقيقات الشهيد.jpg

لم تكن خسارة العائلة مرتبطة بفقدان أفرادها فقط، بل بفقدان المكان الذي حمل سنوات حياتهم. فالأرض التي كانت تجمعهم مساءً، وتحتفظ بأحاديثهم وجلساتهم، أصبحت بعيدة عنهم بعد النزوح. تقول مريم: “إن كل ما أتذكره من والدي يعيدني إلى الأرض؛ إلى الرجل الذي كان يقضي معظم وقته بين أشجار الفاكهة والخضراوات، وإلى العائلة التي كانت تجتمع حوله بعد انتهاء يوم العمل”.

اليوم تقيم الأسرة في مدرسة تؤوي النازحين، بعيدًا عن المكان الذي كان يمثل لهم البيت والحياة. لم تعد مريم تسمع صوت والدها في الأرض، ولا ترى إبراهيم إلى جانبه، ولا تجد أسماء بين أفراد العائلة، لكن تلك التفاصيل الصغيرة بقيت حاضرة في ذاكرتها؛ في صورة الأب الذي كان يزرع الأرض ويرعى أسرته، وفي صورة الأخ الذي وقف إلى جانب والده، وفي صورة الشقيقة التي غابت قبل أن تكمل طريقها.


اقرأ أيضًا: "حملت غيابه بنصف قلب"... ندى شاهين تروي حكاية أوجعها الرحيل


في حياة النزوح، تفقد العائلات أشياء كثيرة: المنازل، والأراضي، وتفاصيل الحياة التي اعتادت عليها، لكن بعض الأشياء تبقى عصية على الفقد؛ الوجوه، والأصوات، واللحظات التي صنعت معنى البيت. بالنسبة لمريم، لم يعد والدها حاضرًا في المكان الذي أحبه، لكنه بقي حاضرًا في كل ما تركه خلفه؛ في الأرض التي زرعها، وفي العائلة التي كان يجمعها حوله، وفي الشعور بالسند الذي ما زالت تبحث عنه بعد رحيله.

رحل هاني حمد قبل أن يرى زفاف ابنته الذي كان يستعد له، ورحل إبراهيم قبل أن يواصل طريقه إلى جانب والده، وغابت أسماء قبل أن تكمل أحلامها، لكن مريم ما زالت تحمل قصتهم معها، لا كأسماء في قائمة الشهداء، بل كأشخاص صنعوا حياة كاملة، ثم جاءت الحرب وانتزعتهم منها. وما تبقى للعائلة اليوم ليس سوى ذاكرة تعود إليها كلما اشتاقت إلى بيتها الأول؛ إلى الأرض التي كانت تجمعهم، وإلى أبٍ كان وجوده وحده يجعل الخوف أقل قسوة.