بنفسج

حين يصبح البقاء للأقوى... ناجون ولكن

الأربعاء 12 اغسطس

الناجون من الحرب
الناجون من الحرب

لا تبدأ الحروب بسقوط أول صاروخ، ولا تنتهي بصمت آخرها. ثمة حروبٌ أخرى، أكثر هدوءًا، تبدأ في اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه لم يعد يملك الوقت الكافي ليحزن. في الأيام العادية، يمنح الناس خساراتهم ما تستحقه من الصمت. يجلسون مع ذكرياتهم، يبكون من فقدوا، يفتقدون بيوتهم، ويستذكرون خساراتهم، وكأن الحزن جزء من طقوس التعافي.

أما في غزة، ومع امتداد الحرب، أصبحت هذه الأحزان تؤجل، وتوضع على رفوف التأجيل. ليس لأن الوجع صار أخف، بل لأن الحياة ضاقت إلى الحد الذي جعلت فيه النجاة أكثر ضرورةً من الألم. في غزة، لا تأتي الخسارات فرادى، بل متجمعة ومتتالية. الموت متزامنٌ مع النزوح، لأن النزوح قطعةٌ منه، والجوع يأتي قبل أن يستوعب الناس ما فقدوه.

كذلك يصبح البحث عن مأوى هو الأولوية، لا البكاء على البيت المنكوب. تبدل سلّم الأولويات على نحو قاسٍ، فالوقوف في طابور الماء، أو انتظار كيس دقيق، أكثر إلحاحًا من الحزن على كرامةٍ مسلوبة، لأن الحاجة لا تمنح صاحبها رفاهية الاختيار. وما بين خسارة وانتظار، لا يجد الإنسان فرصة ليلتقط أنفاسه، فضلًا عن أن يلتقط ما تناثر من روحه.

ترى رجلًا يقف ساعات في طابور الماء، وفي جيبه صورة لابنه الذي قضى تحت الركام. يخرجها للحظة، وينظر إليه، يكاد يعانقه في خياله، لكنه يعيدها سريعًا لأن الطابور تحرك، ولأن الطابور مثل الحياة، لا ينتظر أحدًا. أو أمًا توقظ أطفالها قبل طلوع الشمس. ليس للحاق بالحصة الأولى في المدرسة، بل لأن عليهم أن يسبقوا الزحام والشجار في نقطة توزيع الخبز.

أمٌ تكمل أعمالها اليومية: تمسّد شعر ابنتها، وتشعل النار، وتغسل الثياب، وتؤجل خوفها إلى لحظةٍ تجلس فيها مع نفسها، ربما إلى الليل حين ينام الجميع، ثم يؤجل الليل نفسه دموعها إلى ليلٍ آخر. شيئًا فشيئًا، تغير شكل الألم في غزة، فلم يعد صرخة، ولا دمعة، ولا حتى حديثًا طويلًا. أصبح طبقة صامتة تستقر في الداخل، أو صندوقًا أسود يخشى صاحبه من الاقتراب منه، يواصل حياته متغافلًا عن المعارك التي تحدث في قاعه. يحمل أوعية الماء، ويبحث عن دواء، ويواسي غيره، ثم يعود آخر النهار دون أن يجد لحظة يسأل فيها نفسه: هل أنا بخير؟


اقرأ أيضًا: هواتف تحت الركام: قتلوا ما تبقى فينا من حياة


لهذا يبدو الناجون من بعيد أكثر صلابة مما هم عليه في الحقيقة. فالإنسان لا يولد قادرًا على حمل كل هذا الخراب. لكنه يتعلم، تحت ضغط الضرورة، أن يؤجل انهياره. ليس لأنه انتصر على ألمه، بل لأنه يعرف أن الانهيار يحتاج إلى وقت، ورفاهية ليسا موجودين في غزة اليوم.

لعل هذه هي الحيلة الأخيرة، أو الوسيلة الدفاعية التي تبتكرها الروح حين يطول الألم؛ أن تعيش على السطح. ليس فوق سطح الأرض، بل فوق سطح نفسها. أن تعبر فوق الشقوق دون أن تحدق فيها طويلًا، وأن تؤجل النزول إلى الأعماق، لأن الأعماق، في زمن كهذا، لا تسمح لمن ينزل إليها أن يعود، بل تسحبه إليها إلى أن ينتهي.

في غزة، أصبحت الأيام متشابهة حتى فقدت خصوصيتها، والناس كذلك لم يعودوا يسألون عن أسمائها وتواريخها، فقط يدفعونها دفعًا، متناسين أنها من أعمارهم. الصيفُ بحرارته كفحيح أفعى يؤذي دون أن يُرى، ومطر الشتاء تخلى عن كونه طلًّا، وأصبح يسحُّ على النازحين وخيامهم، تبكيهم السماء وتغرقهم. والليل لا يمنح نومًا كاملًا، لأن الخوف يظل مستيقظًا حتى حين تغفو الأجساد. ومع ذلك، ينهض الناس كل صباح، لأن لا خيار لهم سوى مواصلة السير.

الحروب لا تقتل فقط الذين يسقطون إثر رصاصة أو بيتٍ تكوّم فوقهم، بل تقتل أيضًا أولئك الذين خرجوا من تحت الأنقاض. تترك فيهم ندوبًا لا تراها العين، لأنها لا تستقر على الجسد، بل في الطريقة التي ينظرون بها إلى العالم، وإلى أنفسهم. بعد زمن طويل من النجاة، يكتشف الإنسان أن ما فقده لم يكن بيته، ولا مقتنياته، بل قدرته على أن يشعر بالأشياء كما كان يشعر بها من قبل. فالقلب الذي اعتاد أن يؤجل حزنه، لا يعرف كيف يستدعيه متى شاء، والروح التي قضت شهورًا تقاوم الغرق، لا تعود إلى اليابسة بالسهولة التي يتخيلها الآخرون.

لهذا، لا تعني نهاية الحرب نهاية المأساة، فقد يعود الناس إلى بيوت أُعيد ترميمها، لكنهم لا يعودون بالضرورة إلى أنفسهم. فالجدران يمكن أن تُبنى في أشهر، أما الإنسان، فلا تعيده إلى ما كان عليه شاحنة إسمنت، ولا باب أُعيد تركيبه. ثمة خراب لا يُرى، لأنه لم يُصب الحجر، بل أصاب المعنى الذي كان يمنح المكان اسمه.

في غزة، لا يخشى الناس الموت وحده، بل يخشون أن ينجوا وهم مثقلون بكل ما تم تأجيله. أن يحملوا إلى المستقبل أحزانًا لم تُبكَ، ووداعات لم تكتمل، وأسئلة لم تجد جوابًا، ثم يُطلب منهم أن يبدؤوا حياة جديدة، كأن شيئًا لم يكن. ولعل أكثر ما يحتاجه الناجون بعد كل هذا، ليس أن يُطلب منهم النسيان، ولا أن يُحتفى بقدرتهم على الصمود، بل أن يُمنحوا أخيرًا حق التوقف.

أن يجلس الأب مع صور أحبته دون أن يراقب حركة طابور الماء. وأن تبكي الأم في اللحظة التي يغلبها فيها البكاء، لا حين تسمح لها الضرورة بذلك. وأن يكتشف الطفل أن الصباح يمكن أن يبدأ بطابور المدرسة لا بطابور الخبز، وأن يديه خُلقتا للكتابة والرسم، لا لحمل قوارير الماء أو جمع البلاستيك من الطرقات.


اقرأ أيضًا: مدينة على قدميها.. تمشى بخطى مثقلة


فالإنسان لا ينجو لمجرد أنه لم يمت، بل حين يجد مساحة آمنة ينظر فيها إلى ألمه دون أن يخشى أن يداهمه ألم جديد. حين يستطيع أن يجلس مع خساراته بدل أن يواصل الهرب منها، وأن يمنح ذاكرته الوقت الكافي لترتب ما بعثرته الحرب. ولهذا، يصبح العيش على السطح أقل بطولة مما قد يتصوره الآخرون. إنه ليس شجاعة استثنائية، ولا قدرة خارقة على الاحتمال، بل غريزة بقاء. طريقة مؤقتة تبتكرها الروح لتمنع نفسها من الغرق، ريثما تعثر على شاطئ تستطيع أن ترسو عنده.

لكن الأرواح، مثل البحر، لا تنسى ما يُلقى فيها. كل دمعة أُجِّلت، وكل وداع انقطع في منتصفه، وكل خوف اضطر صاحبه إلى تجاوزه قبل أوانه، يبقى مستقرًا في الأعماق، ينتظر لحظة يُعترف فيها بوجوده. فالآلام التي لا تجد وقتًا لتُعاش، لا تختفي، بل تغير هيئتها، وتواصل الحياة في الداخل بصمت.

لهذا، لا يبدأ التعافي يوم تصمت المدافع، بل يوم يستعيد الإنسان حقه في الشعور. يوم يستطيع أن ينزل من السطح ويواجه، للمرة الأولى، كل ما اضطر إلى تجاوزه وهو يركض في طريق النجاة؛ من الموت، والجوع، والخوف. عندها فقط، يدرك أن النجاة لم تكن نهاية الرحلة، بل بدايتها. وأن أصعب ما تتركه الحروب ليس عدد من رحلوا، بل عدد الحيوات التي بقيت معلقة، تنتظر أصحابها أن يعودوا إليها.

والحرب، في أقسى وجوهها، لا تسرق الإنسان من حياته فحسب، بل تسرق حياته من داخله، ثم تتركه سنواتٍ طويلة يبحث عن الطريق إليها. وهكذا، يبقى العيش على السطح ضرورةً لا اختيارًا، وحيلةً لا مسكنًا، أما الحياة الحقيقية، فتبدأ يوم يستطيع الإنسان أن يغوص في أعماقه من جديد، لا ليغرق فيها، بل ليستعيد منها ما أجلته الحرب، واحتفظت به الروح، حتى يحين أوان عودتها.