بنفسج

الصحافية الفلسطينية: حين تكتب الحقيقة بمداد الدم

الخميس 23 يوليو

الصحافيات الفلسطينيات
الصحافيات الفلسطينيات

في فلسطين لا تبدأ الصحافة من غرفة أخبار،ولا تنتهي عند موعد النشرة. هنا تبدأ الحكاية من صوت الانفجار، ومن صرخة أمٍ تبحث بين الركام عن طفلها، ومن صحافيةٍ تركض نحو الخطر بينما يهرب الجميع منه. هنا، تصبح الكاميرا شاهدًا، والقلم مقاومة، والصحافية هدفًا لا يقل استهدافًا عن المسعف أو المصور أو رجل الدفاع المدني.

أن تكوني صحافية فلسطينية يعني أن تحمل وطنًا كاملًا على كتفيك. فلا مجال للفصل بين المهنة والحياة الشخصية ولا بين الخبر والوجع. فالمرأة التي تقف أمام الكاميرا لتصف حجم المجزرة قد تكون فقدت منزلها قبل ساعات، أو ودّعت أخًا أو زوجًا أو طفلًا، لكنها تؤجل دموعها حتى تنتهي من نقل الحقيقة. وكأن قدرها أن تبكي خارج البث وأن تبقى متماسكة أمام العالم، رغم أن قلبها ينهار مع كل كلمة تنطق بها.

كم من صحافية خرجت لتغطي قصف حيٍّ سكني، ثم اكتشفت أن بيتها كان ضمن الأحياء المستهدفة؟ وكم من مراسلة وقفت أمام عدسة الكاميرا، ثم انطفأت نبرة صوتها عندما وصلها خبر استشهاد أحد أفراد عائلتها؟ هذه ليست مشاهد استثنائية، بل تفاصيل يومية عاشتها الصحافيات الفلسطينيات طوال شهور الحرب.

لقد كشفت الحرب على غزة عن وجه آخر للصحافة الفلسطينية، وجه المرأة التي لم تعد تنقل المأساة فحسب، بل تعيشها بكل تفاصيلها. عشرات الصحافيات وجدن أنفسهن نازحات يحملن أطفالهن من مدرسة إلى أخرى، ومن خيمة إلى أخرى، فيما لا تزال هواتفهن وكاميراتهن تعملان لنقل أخبار آلاف النازحين الذين يشبهونهن تمامًا. لم يعد هناك فاصل بين الصحافية وصاحبة القصة؛ فالاثنتان امرأة فقدت بيتها، وتبحث عن الماء والغذاء والأمان.

كم من صحافية خرجت لتغطي قصف حيٍّ سكني، ثم اكتشفت أن بيتها كان ضمن الأحياء المستهدفة؟ وكم من مراسلة وقفت أمام عدسة الكاميرا، ثم انطفأت نبرة صوتها عندما وصلها خبر استشهاد أحد أفراد عائلتها؟ هذه ليست مشاهد استثنائية، بل تفاصيل يومية عاشتها الصحافيات الفلسطينيات طوال شهور الحرب.

أتذكر الصحافية بيان أبو سلطان التي لم تكن تنقل معاناة النازحين من بعيد بل كانت واحدة منهم. كانت تتحدث إلى العالم من قلب الخيمة، وتصف الجوع والعطش والخوف، وهي تعيشها لحظة بلحظة. وكذلك عشرات الصحافيات اللواتي اضطررن إلى شحن هواتفهن بالطاقة الشمسية أو بطاريات السيارات، والسير كيلومترات طويلة بحثًا عن إشارة إنترنت، لأن العالم يجب أن يرى، ولأن الحقيقة لا يجوز أن تنقطع بانقطاع الكهرباء.


اقرأ أيضًا: إيمان الشنطي... آيات خضورة ... حنين البارود ... فاطمة الكريري


ولن ينسى الفلسطينيون ولا الصحافة الحرة، اسم شيرين أبو عاقلة. لم تكن مجرد مراسلة ميدانية، بل مدرسة كاملة في المهنية والشجاعة. حين اغتيلت برصاص الاحتلال في جنين، كانت ترتدي خوذتها وسترتها الصحفية بوضوح. ومع ذلك، لم تحمها كلمة “PRESS” من الرصاصة. رحلت شيرين لكنها تركت سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا: أي احتلال يخشى الكلمة إلى هذا الحد؟

وفي الضفة الغربية، لا تبدو المهمة أقل خطورة. فالصحافية التي تغطي اقتحام مخيم جنين أو مدينة طولكرم أو البلدة القديمة في نابلس، تعرف أنها قد تتحول في أي لحظة إلى ضحية. الرصاص الحي، وقنابل الغاز، والاعتداءات، والاحتجاز، والمنع من التغطية، كلها أصبحت جزءًا من يوميات العمل الصحفي. ومع ذلك، لا تتراجع النساء عن الوقوف في الصفوف الأولى، لأنهن يدركن أن غياب الكاميرا يعني غياب الشاهد.

لكن ما يرهق الصحافية الفلسطينية ليس الخوف وحده، بل شعورها الدائم بالعجز الإنساني. كيف تستطيع أن تجري مقابلة مع أمٍ فقدت أبناءها، وهي تتذكر أبناءها؟ كيف تصف طفلة ترتجف من البرد داخل خيمة، وهي لا تعرف أين ستنام ليلتها؟ وكيف تطلب من الآخرين الصمود، بينما هي نفسها تستنزفها الحرب يومًا بعد يوم؟

ورغم كل ذلك، لم تتوقف الصحافيات الفلسطينيات عن صناعة الأمل. لم يسمحْن للحرب أن تُسكت أصواتهن، ولم يسلمن بأن الحقيقة يمكن أن تُدفن تحت الركام. لقد نقلن للعالم صور الأطفال الجائعين، والنساء الثكالى، والأطباء المنهكين، والنازحين الذين افترشوا الأرصفة والمدارس والخيام، حتى أصبحت عدساتهن ذاكرة شعب بأكمله.

إن استهداف الصحافيات الفلسطينيات ليس اعتداءً على أفراد يؤدون عملهم، بل هو محاولة لإطفاء عين الحقيقة. فالاحتلال يدرك أن الصورة الصادقة أخطر من كثير من الأسلحة، وأن شهادة امرأة خرجت من قلب المجزرة قد تهزم روايات كاملة بصدقها وحده.

اليوم لا تحتاج الصحافية الفلسطينية إلى أوسمة تكريم بقدر ما تحتاج إلى حماية حقيقية تضمن لها حقها في الحياة والعمل. لكنها، حتى في غياب هذه الحماية، تواصل السير. تحمل الكاميرا على كتف، ووجع وطنها على الكتف الآخر، وتمضي بين الركام، مؤمنة بأن الكلمة الصادقة قد تتعثر، لكنها لا تسقط.

ولعل أعظم ما أنجزته الصحافية الفلسطينية أنها لم تكن مجرد ناقلة للحدث، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية. كتبت أسماء الشهداء قبل أن تجف دماؤهم، وصورت المدن قبل أن تبتلعها النيران، وحفظت للأجيال القادمة شهادة لا يمكن تزويرها. لذلك، حين يكتب التاريخ قصة هذه المرحلة، فلن يتوقف عند أعداد الشهداء والدمار فقط، بل سيذكر أيضًا نساء حملن الكاميرا في زمن كان حملها يشبه حمل الروح على كف اليد، واخترن أن ينتصرن للحقيقة مهما كان الثمن.