بنفسج

لماذا لن ننسى وفاء جرار؟

الإثنين 13 يوليو

الشهيدة وفاء جرار
الشهيدة وفاء جرار

تُمثّل الكتابة عن الشهيدة وفاء جرار تفعيلًا حقيقيًا لمفهوم "الذاكرة البديلة" في مواجهة سرديات المحو والتغييب التي يمارسها الاحتلال، إذ يتحول توثيق سيرتها ونضالها إلى حصن وطني يحمي الحقيقة من النسيان. إن الذاكرة البديلة هنا ليست مجرد استدعاء عاطفي للماضي، بل هي أداة مقاومة واعية تُخلّد تضحيات المرأة الفلسطينية الاستثنائية التي صنعت من ألم الفقد وبتر الأطراف ملحمة صمود لا تنكسر.

ومن خلال هذا الحفظ المنهجي والتاريخي لقصتها، نضمن ألّا تُطمس معالم الجريمة البشعة التي تعرضت لها داخل زنازين وآليات الأسر، لتظل أطرافها المبتورة شاهدًا أبديًا يروي للأجيال قصة وفاء نُقش بالدم فوق أرض جنين، ولكي يبقى إرثها الفكري والإنساني حيًا عابرًا للحدود والسنوات.

تُمثّل المرأة الفلسطينية في سياق النضال الوطني التحرري ركيزة بنيوية لا تقتصر وظيفتها على الدعم الهامشي، بل تتعداه لتكون صانعة للمشهد السياسي والاجتماعي وموجّهة له. وفي هذا الإطار الاستثنائي، يبرز اسم وفاء نايف جرار (أم حذيفة) كعلامة فارقة وأيقونة وطنية تختزل في سيرتها وتجربتها أبعاد النضال الفلسطيني المعاصر في تجلياته الأكثر عمقاً: الوعي الأكاديمي، والمواجهة السياسية، والحاضنة الاجتماعية، والصبر الإنساني في مواجهة آلة القمع والاحتلال.

صوت الحق والمواجهة السياسية

كيف رحلت وفاء جرار

لم تكن الشهيدة والمناضلة وفاء جرار مجرد عابرة في ساحة الفعل الوطني، بل انطلقت من أرضية صلبة من الوعي والمعرفة. فحصولها على درجة الماجستير في اللغة العربية وتأهيلها الأكاديمي المتقدم صاغ رؤيتها الفكرية، وجعلها تمثل الوعي الفلسطيني في أرقى صور تجلياته. لم يكن التعليم بالنسبة لها ترفًا فكريًا، بل سلاحًا تفكيكيًا استخدمته في مواجهة السرديات الصهيونية وممارسات الاحتلال على الأرض.

يتجلى هذا الوعي في انخراطها المباشر في المعترك السياسي، إذ تقدمت كمرشحة للمجلس التشريعي الفلسطيني ضمن قائمة "القدس موعدنا" للانتخابات التي كان مزمعاً إجراؤها عام 2021، متجاوزةً كافة قيود الملاحقة الأمنية والتضييق الذي يفرضه الاحتلال على القيادات المجتمعية والسياسية في الضفة الغربية.

إن هذا الترشح كان بمثابة إعلان مبدئي يرفض الخنوع، ويمثل القوة النسوية الفلسطينية التي تأبى الضعف أمام أو الهزيمة النفسية. لقد كانت تثبت بالفعل لا بالقول أن حضور المرأة في مراكز صنع القرار النضالي هو ضرورة ثورية لمقاومة الشطب والاندثار، وظلت طوال مسيرتها حاضنة للنضال لا تلبث أن تنجب الأبطال.

سيرة وفاء جرار (32 عامًا من البناء والتضحية)

وفاء جرار

تُقدم السيرة الذاتية لوفاء جرار (50 عامًا، من حي المراح في جنين) فصلًا استثنائيًا من فصول التضحية الأسرية والاجتماعية؛ إذ ارتبطت منذ نعومة أظفارها بالشيخ المجاهد والأسير عبد الجبار جرار، لتبدأ معركة وجودية استمرت اثنتين وثلاثين سنة من الحياة الزوجية. لم يكن هذا الزواج تقليديًا، بل كان حلفًا جهاديًا وتعهّدًا على تحمّل التبعات؛ إذ أمضى الزوج أكثر من 15 عامًا مغيبًا في الاعتقالات الإدارية المتكررة وسجون الاحتلال.

وجدت وفاء نفسها وهي في الثامنة عشرة من عمرها، أمّاً لطفلين في غياب تام للأب والسند الجسدي والمادي، وتولى الاحتلال مطاردة العائلة وتشتيتها لدرجة أنه تعمد اعتقال الأب ليلة زفاف نجله البكر "حذيفة" ليحرم العائلة فرحتها الوحيدة. تحملت وفاء وحدها تربية أربعة من الأبناء (حذيفة، أمجد، تقوى، وزيتونة).

 وعاشت تفاصيل الألم الإنساني الصامت، كحالة الصمت والاضطراب النفسي الناتجة عن الصدمة والبحث عن الأب غائب التي أصابت ولدها "أمجد". لقد كانت وفاء تُدرك بعمق وتجربة شخصية أن "المرأة الفلسطينية خلف صورتها الصلبة تُخفي ضعفاً وألماً وحاجة هائلة للمؤازرة"، وأن طاقة الإنسان النفسية والجسدية تنفد مع تكرار الضربات، لكنها تأبى أن تفتح "للفئات السلبية" باب اللوم أو الانتقاص من تضحيات عوائل المقاومين.

بلسم الجراح وحاضنة المجتمع (تأسيس رابطة شهداء جنين)

الأم وفاء جرار

لقد تحول الصبر الشخصي لدى وفاء جرار إلى طاقة احتضان جماعية ومؤسسية. وانطلاقاً من وعيها بحاجة أهالي الأسرى والشهداء إلى حاضنة تحميهم من العزلة، قلبت وفاء القاعدة السائدة وصاغت معادلتها الشهيرة: "قررتُ أن أكون من يغير المعادلة.. أن أكون (فاقد الشيء.. ومن يعطيه بسخاء)، وأن أكون ومن معي بلسمًا لجراح الناس الذين يعيشون ما عشناه ونعيشه تكرارًا ومرارًا."

بمبادرة ذاتية وتمويل شخصي مشترك رفقة صديقتها "أم أسامة قبها"، ومن خلال صندوق صغير ومستقل يموّله نساء فلسطينيات بلا ألوان سياسية، أسست وفاء "رابطة شهداء جنين" (تجمع أمهات الشهداء) في شمال الضفة الغربية. تحولت الرابطة تحت إشرافها إلى حاضنة اجتماعية وعاطفية ووطنية، تطوف بيوت العزاء، وتواسي أمهات الشهداء وزوجات الأسرى، وتقدم الدعم النفسي والمعنوي والمادي، جاعلة من الألم الفردي وقودًا لتعزيز صمود المجتمع وإفشال سياسات الاحتلال الساعية لكسر الحاضنة الشعبية للمقاومة.

دفع الجسد الطاهر لوفاء جرار الضريبة الأقسى للوفاء والانتماء. ففي فجر يوم الثلاثاء 21 أيار/ مايو 2024، اقتحمت قوات الاحتلال منزلها في جنين، وعاثت فيه خراباً، واعتدت على عائلتها بالضرب وصادرت مصاغها الذهبي واقتادتها مكبلة. بعد ساعات من الاعتقال، وأثناء تواجدها مكبلة اليدين داخل "جيب" عسكري تابع لجيش الاحتلال، تعرضت الآلية لانفجار عبوة ناسفة، ما أسفر عن إصابتها بجروح بالغة الخطورة والتنكيل بها وهي عاجزة مقيدة.

 الأم المجاهدة وضريبة الوفاء للوطن (تفاصيل الجريمة البشعة)

المرأة الفلسطينية

نُقلت وفاء بحالة حرجة جداً إلى مستشفى "العفولة" في حيفا المحتلة، لتتكشف لاحقاً تفاصيل الجريمة الطبية والإنسانية البشعة؛ إذ أسفرت الإصابة والإهمال والتعامل الوحشي عن إصابة بالغة في العمود الفقري، وتكسر في الضلوع، وكدمات في الرئة واليدين، والتهاب حاد في الدم، مما اضطر الأطباء لبتر كلا قدميها وهي منومة تحت تأثير التخدير في غرف العناية المركزة.

إن هذا المشهد البشع يُعيد للأذهان ذات الكأس الذي تجرعه زوجها حين اعتقل واعتُدي عليه بضرب رأسه بالجيب العسكري حتى نفث دمه أمام عينيها، لتكتمل فصول السادية الصهيونية التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في جسده وروحه وأطرافه دون أي اعتبار للقوانين الإنسانية الدولية.

إن التمسك بذاكرة وفاء جرار والكتابة عنها ليس مجرد فعل عاطفي لتأبين امرأة شجاعة، بل هو واجب وطني وسياسي وأكاديمي بامتياز لتثبيت الرواية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس والبدائل المزيفة التي يسعى الاحتلال لفرضها. لذلك وأكثر.. لن ننسى: لأن نسيانها هو نسيان لنموذج المرأة الفلسطينية الاستثنائية التي "تعطي من وجعها"، وتصنع من ضعف الجسد وقوة الروح ملحمة صمود وتحدٍ، واقتفاءً لأثر الخالدات كأم محمد فرحات، وأم إبراهيم الرنتيسي، وأم عاصف البرغوثي.


اقرأ أيضًا: الأسيرة وفاء جرار: بُتِرت قدماها وفاءً لجنين وشهدائها


 لأن نسيانها هو نسيان لجريمة بشعة حاول الاحتلال إخفاء معالمها وتغييب تفاصيلها في أروقة المستشفيات وغرف العناية المغلَقة، والنسيان في هذا السياق يعد تبرئة مجانية للقاتل والمجرم.  لأن نسيانها هو محوٌ لتاريخ من الوفاء، نُقش بالدم الطاهر والصبر الجميل على أرض فلسطين.

لقد ارتقت وفاء جرار شهيدة متأثرة بجراحها وبتر أطرافها، مسجلةً اسمها في أنصع صفحات التاريخ الفلسطيني كحاضنة للنضال وحصنٍ لن ينضب معينه، لتبقى سيرتها مادة تُدرّس في معاني الوعي، وأيقونة تُلهم الأجيال القادمة بأن الجسد قد يتأذى ويوارى الثرى، لكن الفكرة والروح تظلان حيتين، عابرتين للأجيال والحدود والسجون.