بنفسج

متنكرين بزي أطباء.. عن المقاوم الذي اغتيل داخل المستشفى

الأربعاء 19 اغسطس

الشهيد المقاوم محمد جلامنة
الشهيد المقاوم محمد جلامنة

كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، في الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2024، حين تسللت قوة من المستعربين إلى مستشفى ابن سينا في مدينة جنين شمال الضفة المحتلة، متنكرة بلباس مدني وزي أطباء وممرضين. وخلال دقائق معدودة، انقلب هدوء المكان إلى حالة من الرعب والفوضى، وامتزجت صرخات المرضى ومرافقيهم مع أصوات الرصاص التي أطلقها المستعربون، في عملية اغتيال محكمة استهدفت ثلاثة مقاومين وهم نيام: محمد وليد جلامنة، والشقيقين محمد وباسل الغزاوي، في جريمة مكتملة الأركان شكّلت انتهاكًا صارخًا لحرمة المرافق الصحية.

قبل ساعة من عملية الاغتيال، كان جلامنة قد عبّر، بحسب شهادة أحد أصدقائه، عن مدى شوقه إلى الشهادة. أدى صلاة الفجر، ثم نام، ولم يكن يدري أنها ستكون آخر غفوة له في هذه الدنيا، لينعم بعدها براحة أبدية. فما هي إلا لحظات حتى باغتته رصاصات القوة المستعربة، ليترجل الفارس عن صهوة الحياة، بعد أن أكرمه الله بالشهادة التي طالما تمناها وأحب لقاءها، وهو الذي صدق الله فصدقه.

اعتقال ومطاردة

مسيرة المقاومة.jpg

عقب انسحاب القوة الخاصة، بدأت وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات الإخبارية تتناقل طبيعة الحدث وأسماء المستهدفين في العملية، حتى بلغ الخبر عائلة جلامنة، التي كانت تتوقعه مع كل اقتحام، لكن لحظة تلقيها الخبر وقعت كالصاعقة عليها.

ولعل كلمات والد الشهيد بقيت عالقة في أذهان كثيرين، لما حملته من يقين راسخ بقضاء الله، وتسليم مطلق لحكمه، فما كان منه إلا أن حمد الله على استشهاد ابنه، محتسبًا إياه عند الله، مردفًا: "أنا راضٍ عنك يا با، الله يرضى عنك، وهنيئًا لك الشهادة، هنيئًا لمن يقدم نفسه إرضاءً لله. أنت مش أول واحد بقدم نفسه، رحل يستشهد، كثير بعدك حتى تحرير فلسطين." في مشهد جسّد أسمى معاني الصبر والإيمان والاحتساب.

ولم يكن مشهد بيت العزاء عابرًا، فعلى مدار ثلاثة أيام ظل مكتظًا بجموع الفلسطينيين الذين توافدوا لتقديم واجب العزاء، وكان ذلك الحضور يعكس مدى الأثر الطيب الذي تركه محمد في قلوب من عرفوه أو سمعوا عنه. تقول العائلة: "حتى بعد انتهاء بيت العزاء، بات كثير ممن يلتقي بنا من أصدقاء محمد يعانقوننا بحرارة، رغم عدم معرفتنا الشخصية بهم، ويحدثوننا عن أخلاقه، وطاعته لربه، وتواضعه، وخدمته لأصحابه، وخاصة في الاعتقال."

ولعل الالتفاف الشعبي، والسيرة العطرة، والذكر الحسن، خفف بعضًا من وقع الفقد على العائلة، التي عبرت عن مدى فخرها بابنها، فكان رحيله فاجعة لمحبيه. وما يمنح العائلة الصبر على فراق فلذة كبدها، هو يقينها بأن هذه الدنيا ليست إلا دار ابتلاء واختبار، وأنها مرحلة عابرة يعقبها الرحيل إلى دار الخلود، حيث الجزاء الحق. إذ تقول العائلة: "عاش محمد حياته لله، واختار طريق ذات الشوكة مدافعًا عن دينه وعرضه ووطنه، مما يشير إلى أنه قد نجح في الاختبار، ونظن بالله ظنًا جميلًا أن يقبله ويجزيه جنة الخلود، فلِمَ الحزن إن كان الأمر كذلك؟"

عملية اغتيال مفاجئة

الاغتيالات الإسرائيلية.jpg

كان محمد، الشاب العشريني، ثالث إخوته، لأسرة تضم ثلاثة ذكور وثلاث إناث. ومن أبرز ما ميزه همته العالية، وإرادته الصلبة، وحبه للأطفال. كما كان مثالًا للابن البار المطيع لوالديه، وعُرف بحسن خلقه، وصاحب قلب عامر بالإيمان، لا تفوته صلاة الفجر. إذ يستعيد والده تلك اللحظات قائلًا: "كان يوقظنا لصلاة الفجر، وما إن أقوم وأتوضأ وأتجه إلى المسجد، حتى أجده قد سبقني إليه، ينتظر الصلاة في الصفوف الأولى."

وقد نشأ محمد في ظلال مسجد خالد بن الوليد، وكان ملازمًا لحلقات الذكر وحفظ القرآن. وكان الشهيد محمد قد انتسب إلى جامعة القدس المفتوحة، وشرع في دراسة الفصل الأول من تخصص الشريعة الإسلامية، لكن تكرار اعتقالاته وفترة مطاردته حالا دون إكمال دراسته. وقد عمل في مجال تفصيل وتنجيد الكنب، وأبدع فيه.

بدأت مسيرته الجهادية عام 2015، حين اعتقلته قوات الاحتلال مدة عام كامل، ثم توالت اعتقالاته بعد ذلك، حتى بلغت نحو أربعة اعتقالات، أمضى خلالها ما يقارب ثلاث سنوات ونصف. وكان محمد قد تحرر من اعتقاله الأول وهو يحمل حقدًا دفينًا على المحتل، لما رآه من قهر وذل وسياسات تعسفية بحق الأسرى الفلسطينيين، ما جعله أكثر إصرارًا على إكمال درب المقاومة.

تقول الوالدة إن العائلة ادخرت لمحمد من راتبه كأسير مبلغًا من المال، إذ كان يخطط لبناء منزل فوق منزل العائلة. ويكمل الأب: "كان المبلغ يكفي لمرحلة بسيطة من البناء، لكنني عزمت على البناء بنفسي لما سيوفره ذلك من مبلغ كبير من المال، حتى قطعنا شوطًا كبيرًا في إتمام السقف، مع بعض الديون، ولم نكن نعلم أننا، حين كنا نبني له بيتًا في الأرض، كان الله قد أعد له قصرًا في الجنة، ولله الحمد."

بدأت مسيرته الجهادية عام 2015، حين اعتقلته قوات الاحتلال مدة عام كامل، ثم توالت اعتقالاته بعد ذلك، حتى بلغت نحو أربعة اعتقالات، أمضى خلالها ما يقارب ثلاث سنوات ونصف. وكان محمد قد تحرر من اعتقاله الأول وهو يحمل حقدًا دفينًا على المحتل، لما رآه من قهر وذل وسياسات تعسفية بحق الأسرى الفلسطينيين، ما جعله أكثر إصرارًا على إكمال درب المقاومة.

الرجل المطارد

المقاوم محمد جلامنة.jpg

وبحلول عام 2021، بلغت مسيرته الجهادية أوجها. وفي تلك الفترة، نشط عمل الشهيد جميل العموري، واختار محمد أن يكون برفقته في العمل خطوة بخطوة. وكانت أولى صولاته في معركة سيف القدس، إذ خرج من بيته طيلة شهر رمضان المبارك تلبية للواجب الديني والوطني، متصديًا لاقتحامات قوات الاحتلال للمدينة.

فرضت كتيبة جنين معادلة جديدة، إذ تصاعدت أعمال المقاومة، وانضم إليها مزيد من الشبان، ما شكل حالة قلق لدى الاحتلال، الذي سعى إلى إنهائها بكل السبل، فأقدم على اغتيال مؤسسها الشهيد جميل العموري، في محاولة لإخماد جذوة المقاومة في المنطقة. لكن المقاومة باتت متأصلة قولًا وفعلًا في نفوس المقاومين، كعقيدة متينة، فجاء الرد سريعًا من محمد والشهيد متين ضبايا، فجر يوم استشهاد العموري، بالاشتباك مع القوات الخاصة التي تسللت إلى المدينة.


اقرأ أيضًا: مقاتلو رفح: مؤمن الجمل.. مقاتل الأنفاق


وبعد أيام، أعلن الاحتلال اعتقال محمد في عملية محكمة داخل الأراضي المحتلة، ليبدأ رحلة جديدة في سجون الاحتلال استمرت ستة عشر شهرًا. وفي 21/10/2022، تنسم محمد الحرية، وبحسب العائلة: "كان يوهم من حوله بحياته الجديدة البعيدة عن مقارعة الاحتلال، لكن ما هي إلا شهر واحد حتى عاد ليسطر فصلًا جديدًا من مقارعة العدو، فبدأ بإعداد شكل المرحلة لتبدو كقوة مقابل قوة، لا كسابقاتها من العمليات الفردية، وكان عضوًا في كتائب القسام في جنين."

وفي أواخر عام 2022، دخل محمد جلامنة مرحلة المطاردة، لتبدأ معها رحلة طويلة من الملاحقة، لم تستهدفه وحده، بل طالت أسرته أيضًا، فقد توالت اقتحامات قوات الاحتلال لمنزل العائلة، وإحداث الخراب في محتوياته. واعتقل الاحتلال والده وإخوته مرات عدة، في محاولة للضغط عليه ودفعه إلى تسليم نفسه، ملوحًا باعتقال جميع أفراد عائلته إذا لم يسلم نفسه، إلى جانب التهديد الدائم باغتياله.

ابن العائلة البار

عائلات الشهداء في الضفة.jpg

وفي أحد أكثر المواقف وجعًا، والتي خلفت في نفوس أفراد العائلة جرحًا غائرًا، كانت لحظة عودة محمد إلى المنزل للمرة الأولى منذ أن أصبح مطاردًا، لكن ليس بالهيئة التي تمنتها والدته، بل عاد محمولًا على الأكتاف شهيدًا. يقول الوالدان: "كنا نقتنص فرصة جنازة شهيد أو مسيرة تجوب شوارع جنين كي نراه، فأحيانًا ننجح في رؤيته، وأحيانًا نعود دون أن نراه."

وخلال فترة المطاردة، عاشت العائلة حياة الترقب والانتظار، وبدأ ينتابها شعور الفراغ والغياب لمحمد، لكنه لم يغب لحظة عن قلوبهم، فيما كانت دوامة من الأسئلة تعصف بأذهانهم. فمع كل اقتحام لقوات الاحتلال مدينة جنين ومخيمها، كانت العائلة تعيش على أعصابها، تتابع بدقة تفاصيل الاقتحام، خشية على ابنها، رغم توقعها خبر اعتقاله أو نبأ استشهاده.


اقرأ أيضًا: والدة الشهيد إحسان شواهنة: ترك الهندسة ليمهد لي الطريق للجنان


ويضيف والد الشهيد: "بعد انسحاب الاحتلال، نبدأ بتتبع الأخبار، ونذهب إلى أماكن الأحداث للاطمئنان عليه برؤيته أو أن يخبرنا أحد عنه. وفي شهر شباط من عام 2023 انفجرت به سيارة كان يستقلها مع صديق له، فتعرّض لحروق في وجهه ويديه وجسمه، ولولا لطف الله لكان يومها يوم استشهاده." ووجهت والدة الشهيد رسالة إلى أمهات الشهداء، قالت فيها: "صبرًا جميلًا، واستعنَّ بالله، فهذا كرم من الله عليكن، إذ جعل من نسلكن أبطالًا يذودون عن حياض الإسلام حين فرط وخان وباع الكثيرون."

وعندما سئلت هي وزوجها عما كانا سيقولانه لابنهما لو قدر لهما رؤيته مرة ثانية، أجابا بصوت يملؤه الرضا والإيمان: "يا ولدي، جزاك الله خيرًا على صبرك وجهادك وأسرك، وعلى برك بنا، فقد نلت من الله شهادة لا يليق بأمثالك إلا مثلها، وهذا من كرم الله وفضله، فطوبى لك، وهنيئًا لك ما نلت".