في بداية طريقنا، أخبرته: "خطاكَ خطاي"، ولم أكن أعرف يومها كم ستختبرنا هذه الكلمات، ولا كم سيكون الطريق طويلًا وثقيلًا. كنت أؤمن أن خُطانا ستبقى واحدة، وأننا سنمضي معًا إلى آخر الطريق، بإذن الله. لكن مع اندلاع حرب غزة، بدأ يتسلل إلى قلبي شعور ثقيل بأن اعتقاله يقترب. كان حدسي يهمس لي بأن خطيبي، عكرمة الكيلاني، سيُعتقل، وكنت أحاول بكل ما أملك أن أطرد ذلك الوسواس، وأن أتمسك بما تبقى لي من طمأنينة.
لم يمض على خطوبتنا سوى شهر ونصف، حتى اعتُقل عكرمة في ثالث أيام الحرب. انطفأت منذ ذلك اليوم تفاصيل كثيرة، وبقيت تفاصيله وحدها حاضرة، صوته، وملامحه، وكلماته، وكل ما جمعنا قبل أن يُغلق الاعتقال بيننا أبوابه. ومنذ ذلك الحين، وأنا أعيش بين ذكرى قصيرة جمعتنا وانتظار طويل لا أعرف له نهاية. أعدّ الأيام لا لأصل إلى موعد، بل لأقترب منه، وأحمل في قلبي وعدًا قديمًا قلته له في بداية الطريق.
أنا تسنيم شتيوي من نابلس، خطيبة الأسير عكرمة الكيلاني. جمعنا التخصص نفسه، الشريعة الإسلامية؛ كنت حينها في سنتي الأخيرة، بينما كان عكرمة يدرس الماجستير. كان كأي شاب فلسطيني يعيش تحت احتمال الاعتقال في أي لحظة، لذلك لم يكن الاعتقال أمرًا مستبعدًا بالنسبة لي، وكنت دائمًا أضع هذا الاحتمال.
في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد منتصف الليل، كنت أتحدث مع عكرمة، وكان يتلو عليَّ سورة القصص غيبًا بينما أستمع إليه. لكنني في تلك اللحظة شعرت بمشاعر غريبة، وانتابتني رغبة عارمة في البكاء، وكأن شيئًا في داخلي يدفعني لأن أقول له: أشعر أنك ستُعتقل. ترددت ولم أقلها، وأنهينا حديثنا. بعدها بقليل، شعرت بحركة في غرفة والدتي، فذهبت لأرى ما الذي يجري. وهناك، وقعت عيناي على هاتفها، فرأيت رسالة من والدته تُخبرها باعتقاله.
مرت 3 أعوام على تلك اللحظة وما زلت عالقة هناك، أذكره بوجهه البشوش وإرادته القوية، لا يزال خلف أسوار السجن دون تهم واضحة، محتجز ضمن منظومة الاعتقال الإداري، بحجة الخطر على الأمن. مهما أخبرتكم عن وجع فقدانه، لن يفهم أحد ما أقول، وأنا أيضًا لن أستطيع أن أصفه كما أشعر به فبعض الأوجاع أكبر من أن تُحكى، وأثقل من أن تحملها الكلمات.
والمؤلم أكثر من الغياب، وأكثر من حرقة الانتظار، هو حرقة تجدّد الاعتقال؛ أن تعيش كل مرة على أمل أن تنتهي هذه المرة، ثم يأتي قرار جديد ليعيدك إلى نقطة الصفر. وهذا هو أقسى ما في الاعتقال الإداري؛ أنه لا يمنحك نهاية واضحة، ولا يترك لقلبك فرصة ليستقر على يقين. كلما قلنا إن الفرج اقترب، جاء خبر تمديدٍ جديد ليعيدنا إلى الانتظار من جديد.
اقرأ أيضًا: إلى أخوات العقيدة: خلف الشمس... في سجن الدامون
وكان التمديد الأكثر ألمًا هو تمديد 19 مارس/آذار 2026. كان عكرمة حينها قد حصل على حكم جوهري من المحكمة العليا، وكان من المفترض أن يُفرج عنه، حتى إننا كنا جميعًا نستعد لاستقباله، قبل يوم من الإفراج، حضرتُ باقة ورد، وجهزتُ ملابس الاستقبال وكل شيء، ولم يبق سوى أن يأتي الصباح لنخرج لاستقباله.
لكن في صباح اليوم التالي، امتنع الاحتلال عن الإفراج عنه، أخبرنا المحامي أن النيابة قررت تمديد اعتقاله، وبالفعل مُدد اعتقاله 20 يومًا، ولم يُفرج عنه أيضًا. بعدها صدر بحقه تمديد آخر لأربعة أشهر، وكان من المفترض أن ينتهي هذا التمديد قريبًا، وأن نعيش أخيرًا لحظة الإفراج التي طال انتظارها. كانت له محكمة الأسبوع الماضي، وأخبرنا المحامي أن النيابة تطالب بتمديد اعتقاله ثلاثة أشهر أخرى. ونحن الآن ننتظر قرار المحكمة، نعيش بين الأمل والخوف، وبين أمنية أن يكون هذا الانتظار هو الأخير، وخشية أن يأتي خبر تمديد جديد.
ومن بين ما أرسله لي: أستودعُ اللهَ في نابلسَ لي قمرًا.. بيتُ إِبّيا بل في القلبِ مطلعُهُ.. كلُّ الليالي التي أظلمت بفرحتنا.. يومًا ستمضي معهُ وسوف تجمعهُ
أما عن التواصل، فمنذ بداية الحرب مُنعت عنه المكالمات والزيارات، ولم يعد بيننا سوى رسائل تصلنا على فترات متباعدة، ننقل عبرها الأخبار والأشواق من خلال المحامي الذي نرسله لزيارته بين حين وآخر. وغالبًا ما تصلني منه أبيات من الشعر كأن الكلمات التي يعجز عن قولها تختبئ في قصيدة، وكأن الشعر صار طريقته الوحيدة ليطمئنني ويقول لي ما لا تستطيع الرسائل قوله. ومن بين ما أرسله لي: أستودعُ اللهَ في نابلسَ لي قمرًا.. بيتُ إِبّيا بل في القلبِ مطلعُهُ.. كلُّ الليالي التي أظلمت بفرحتنا.. يومًا ستمضي معهُ وسوف تجمعهُ
ومن أكثر الأمور التي تجعلني أشعر بالفخر بعكرمة، أنه خلال فترة اعتقاله استطاع أن يُتمَّ حفظ القرآن الكريم كاملًا عن ظهر قلب، داخل السجن، رغم قسوة الاعتقال وظروفه، اختار أن يحول وقته هناك إلى شيء يبقى معه، فكان القرآن رفيقه وأنيسه في عتمة السجن.

