بنفسج

فيلم «نازا».. وثائقي بشهادات من الجيش الإسرائيلي يكشف إبادة غزة

الثلاثاء 15 سبتمبر

فيلم نازا وقصته
فيلم نازا وقصته

لم يكن التصفيق الذي أعقب العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي نازا (NAZA) في مهرجان البندقية السينمائي مجرد احتفاء بعمل سينمائي جديد، بل بدا تعبيرًا عن وقع الشهادات التي حملها الفيلم من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كاشفًا وفق ما يقدمه من روايات، جانبًا من الآليات التي تحكم استهداف الفلسطينيين في قطاع غزة. وعلى مدى نحو 25 دقيقة، وقف الجمهور مصفقًا للمخرجين يوآف أبراهام وراشيل زور، فيما رفع بعض الحاضرين الأعلام الفلسطينية، في مشهد استثنائي تصدّر التغطيات السينمائية والإعلامية الدولية.

الفيلم الذي أنتجته صحيفة الغارديان البريطانية، اختار أن يقترب من الحرب على غزة عبر شهادات أشخاص عملوا داخل منظومات الاستخبارات والاستهداف الإسرائيلية، واضعًا المشاهد أمام تساؤلات أخلاقية وسياسية تتجاوز حدود الشاشة، لتطال طبيعة الحرب، والمسؤولية عن قتل المدنيين، ودور التكنولوجيا في تحويل القرارات العسكرية إلى عمليات تستهدف أحياءً ومنازل مأهولة.

لم يكن التصفيق الذي أعقب العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي نازا (NAZA) في مهرجان البندقية السينمائي مجرد احتفاء بعمل سينمائي جديد، بل بدا تعبيرًا عن وقع الشهادات التي حملها الفيلم من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كاشفًا وفق ما يقدمه من روايات، جانبًا من الآليات التي تحكم استهداف الفلسطينيين في قطاع غزة.

أُدرج ناز ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي، التي تقام بين 2 و12 سبتمبر/أيلول 2026، ليكون الفيلم الوثائقي الوحيد في المنافسة الرئيسية على جائزة الأسد الذهبي. وشهد يوم 10 سبتمبر/أيلول العرض العالمي الأول للفيلم في قاعة سالا غراندي، بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من الغارديان، قبل أن يُعرض مجددًا في المهرجان يوم 11 سبتمبر/أيلول.

ويمتد الفيلم على مدار 80 دقيقة، ويُقدَّم باللغتين العبرية والإنجليزية، فيما يُصنّف إنتاجه ضمن المملكة المتحدة. ويحمل العمل توقيع المخرجين الإسرائيليين يوآف أبراهام وراشيل زور، اللذين سبق أن شاركا في إخراج الفيلم الوثائقي لا أرض أخرى (No Other Land)، إلى جانب الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، وهو العمل الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل عام 2025.


اقرأ أيضًا: بين الركام: تفتت "لحم" طِفْلَيَّ وغابت أجسادهم


أما الإنتاج، فتولته صحيفة الغارديان بالتعاون مع جيمس ويلسون وشركته JW Films، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر الإنتاج التنفيذي. ويجمع هؤلاء خلفيات سينمائية وصحافية جعلت الفيلم أقرب إلى تحقيق استقصائي طويل، يستند إلى شهادات مباشرة ومادة بصرية أُعدّت لكشف آليات العمل داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

لا يقوم نازا على أداء ممثلين أو إعادة تمثيل أحداث الحرب، بل يستند إلى شهادات 24 شخصًا من العاملين الحاليين والسابقين في الجيش والاستخبارات الإسرائيليين، أخفيت هوياتهم لحمايتهم. ويظهر أصحاب الشهادات في مشاهد صُوّرت ليلًا على أسطح مبانٍ في تل أبيب، حيث يتحدثون عن طبيعة عملهم في منظومات المراقبة وتحليل البيانات واختيار الأهداف الجوية.

وكشفت الشهادات عن استخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد إشارات الهواتف وتحديد مواقع أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى حركة حماس، ثم اقتراح مبانٍ سكنية لاستهدافها. ويحاول الفيلم تتبع المسار الذي تتحول فيه المعلومات التقنية إلى قرارات عسكرية، وصولًا إلى لحظة تنفيذ الغارات، وما يترتب عليها من سقوط ضحايا مدنيين.

من هنا، يضع العنوان المشاهد أمام مفارقة أخلاقية قاسية: كيف يمكن تحويل أرواح المدنيين إلى أرقام ضمن عملية حسابية تسبق القصف؟ ويحاول المخرجان من خلال هذا الاختيار اللغوي إظهار الكيفية التي يمكن أن تُفرغ بها المصطلحات التقنية والعسكرية القتل من معناه الإنساني، بحيث تبدو الخسائر البشرية جزءًا من إجراء روتيني داخل منظومة عمل.

وتكمن أهمية هذه الشهادات في أنها صادرة عن أشخاص يصفون أنفسهم بأنهم حلقات صغيرة ضمن منظومة واسعة، لكنها، مجتمعة، تشارك في إنتاج القرارات التي تحدد مصائر عائلات كاملة. وتتناول المادة أيضًا ما يصفه الفيلم بتجاهل متعمد لوجود المدنيين في بعض الأهداف، إلى جانب شهادات عن استهداف مناطق مأهولة، وعن تقديرات مسبقة لأعداد الضحايا المحتملين.

لا يقتصر عنوان الفيلم على كونه اسمًا مختصرًا، بل يستمد دلالته من مصطلح عسكري إسرائيلي يظهر في الشهادات الواردة فيه. ويشير المصطلح بحسب ما يوضحه الفيلم، إلى عدد المدنيين الذين تتوقع الاستخبارات الإسرائيلية مقتلهم في غارة جوية على هدف محدد، تحت تسمية "الخسائر الجانبية المتوقعة".

ومن هنا، يضع العنوان المشاهد أمام مفارقة أخلاقية قاسية: كيف يمكن تحويل أرواح المدنيين إلى أرقام ضمن عملية حسابية تسبق القصف؟ ويحاول المخرجان من خلال هذا الاختيار اللغوي إظهار الكيفية التي يمكن أن تُفرغ بها المصطلحات التقنية والعسكرية القتل من معناه الإنساني، بحيث تبدو الخسائر البشرية جزءًا من إجراء روتيني داخل منظومة عمل.


اقرأ أيضًا: التفتيش العاري... حين يصبح الجسد ساحة أخرى للاحتلال


ويعرض الفيلم شهادات تتحدث عن مستويات مرتفعة من الخسائر المدنية التي كان يُسمح بها في بعض عمليات الاستهداف، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود التناسب، والتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والمسؤولية عن القرارات التي تؤدي إلى قتلهم. لكن الفيلم يختلف عن التحقيق المكتوب في أنه يمنح أصحاب الشهادات مساحة للحديث عن تجاربهم، ويضع المشاهد أمام وجوههم وأصواتهم مع الحفاظ على سرية هوياتهم.

ويعتمد العمل على أجواء بصرية قاتمة، تتلاءم مع طبيعة الموضوع، وعلى مشاهد ليلية تجعل المدينة خلفية لشهادات تتناول القتل والمراقبة واتخاذ القرار العسكري. وفي حديثهما عن الفيلم، قال أبراهام وزور إنهما انطلقا من شعورهما بواجب استخدام موقعهما بوصفهما إسرائيليين لفحص الأنظمة التي تقف وراء قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة.

ولم يقتصر الاستقبال على التصفيق، إذ حظي الفيلم باهتمام نقدي وإعلامي واسع، واعتبرته تقارير سينمائية من أبرز الأعمال التي تنافس على الأسد الذهبي، بالنظر إلى موضوعه السياسي الحساس، وطبيعة الشهادات التي يتضمنها. وفي المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي الاتهامات التي يطرحها الفيلم، وانتقد اعتماد العمل على شهادات مجهولة الهوية، معتبرًا أنها لا يمكن التحقق منها، ومؤكدًا أنه يبذل جهودًا لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.

يضع نازا المشاهد أمام سؤال يتجاوز حدود السينما: ماذا يحدث حين تصبح التكنولوجيا وسيلة لتسهيل اتخاذ قرارات القتل، وحين تُختزل حياة المدنيين في أرقام وتقديرات مسبقة؟ وبين الشهادات التي يقدمها والجدل الذي أثاره، يحاول الفيلم نقل النقاش حول الحرب على غزة من صور الدمار والضحايا إلى البنية التي تنتج قرارات الاستهداف، ومن مشهد القصف إلى الأشخاص والأنظمة التي تقف خلفه.

أما التصفيق الذي استمر قرابة 25 دقيقة في البندقية، فقد منح الفيلم لحظة استثنائية في مسيرته، لكنه لا يمثل وحده حكمًا نقديًا نهائيًا على قيمته السينمائية، ولا يغني عن النقاش بشأن الأدلة والشهادات التي يقدمها.

ومع ذلك، فإن وصول فيلم يتناول قتل المدنيين الفلسطينيين إلى المسابقة الرسمية لأحد أبرز المهرجانات السينمائية العالمية، واستقباله بهذا الزخم، يؤكد أن غزة ما تزال حاضرة بقوة في النقاش الثقافي الدولي، وأن السينما الوثائقية قادرة على فتح ملفات الحرب من زوايا لا تكتفي بتوثيق ما حدث، بل تسعى إلى مساءلة الكيفية التي حدث بها ومن يتحمل مسؤوليته.