بنفسج

الأسيرة الطبيبة ديمة أمين.. أزمة قلبية.. قسطرة.. ثم إلى التحقيق

الأربعاء 02 سبتمبر

الأسيرة ديمة أمين
الأسيرة ديمة أمين

ثمة مفارقة قاسية في أن تصبح الطبيبة مريضة وأسيرة؛ أن تتحول اليد التي اعتادت تضميد الجراح وتخفيف الآلام والربت بعطف على الأكتاف، إلى يد تكبلها القيود وتغيب خلف القضبان. طوال سنوات عملها، كانت ديمة أمين تقف في الجهة التي تمنح المرضى الأمان، لكن الاعتقال قلب المشهد، ووضعها هي في موضع من يحتاج إلى الرعاية والحماية. هكذا تتقاطع في حكاية الطبيبة الفلسطينية مهنتها الإنسانية مع تجربة الأسر، لتفتح قصتها أسئلة تتجاوز واقعة اعتقالها إلى ظروف احتجاز النساء الفلسطينيات، وحقهن في الرعاية الطبية، وحدود ما يمكن أن يحتمله الجسد حين يصبح المرض جزءًا من تجربة الأسر.

اعتقال طبيبة

اعتقال الطبيبة ديمة أمين.jpg

قبيل الفجر، وصلت قوات الاحتلال إلى العمارة التي تسكن فيها الدكتورة ديمة أمين في حي الطيرة بمدينة رام الله. اقتحمت شقتين في الطابق السفلي، ثم وصلت إلى منزلها. فجروا باب الشقة، واقتحم الجنود المكان، ودققوا في هويتها على عجل قبل اقتيادها مكبلة اليدين. كانت الساعة تمضي بسرعة نحو صباح 18 أغسطس/آب 2026، فيما عائلتها تجلس أمام باب المنزل تحاول استيعاب ما جرى.

ديمة، البالغة من العمر 55 عامًا، ليست شخصية سياسية أو قيادية وطنية؛ بل طبيبة نساء وتوليد، تغرق في العمل منذ نحو ثلاثين عاماً في عيادتها الخاصة في رام الله، إضافة إلى عملها في مركز دنيا لتشخيص أورام النساء. بعد اقتيادها من منزلها، دخلت عائلة ديمة أمين في دائرة من الغموض؛ فلم تتمكن من معرفة مكان احتجازها أو الاطمئنان عليها. ووفق ما أوردته منظمة بتسيلم نقلاً عن إفادات أفراد من العائلة والجيران، استمر انقطاع الأخبار عنها نحو 36 ساعة، لم تعرف خلالها الأسرة أي شيء عنها.


اقرأ أيضًا: الاغتراب عن ذات في وطن يتلاشى... فلسطينيو الضفة


لم تكن عائلة ديمة أمين وحدها في حيرة من أمرها؛ بل محاميها أيضًا، محمود حسان، لم يتمكن من تحديد مكان احتجازها. فعلى مدى نحو 36 ساعة، بحث حسان عن موكلته واتصل بعدد من مراكز الشرطة، من دون أن يجد لها أثرًا أو يحصل على معلومات واضحة عن مكان وجودها. وأمام غياب أي معلومة، تقدم للمحكمة بطلب عاجل للإفراج عنها، محذرًا من أن عدم معرفة مكانها يثير خشية شديدة على مصيرها. عندها فقط أبلغته الشرطة بأن ديمة تخضع للتحقيق، وسمحت له بالتحدث معها هاتفيًا.

وذكرت صحيفة هآرتس العبرية في 22 أغسطس/آب 2026 في منشور بعنوان "Palestinian Doctor Suffered a Cardiac Episode in IDF Custody, Remains Detained" أكدت فيه أن ديمة أمين اعتُقلت من منزلها في رام الله، وأنها تعرضت لنوبة قلبية أثناء الاحتجاز، وأن محاميها تحدث عن حالتها وعن استمرار احتجازها.

 

من المستشفى إلى مراكز التحقيق

مراكز التحقيق.jpg

لم تعرف الأسرة منذ البداية أن ديمة أصيبت بأزمة قلبية. ولم يتضح مصيرها الصحي إلا لاحقًا؛ بعد أن كشفت منظمة بتسيلم، في بيان أصدرته في 21 أغسطس/آب، أن ديمة تعرضت خلال احتجازها لعارض قلبي استدعى نقلها إلى مستشفى في القدس، حيث خضعت لقسطرة قلبية، قبل أن تُعاد إلى الاحتجاز برغم حالتها الصحية. وأفادت تقارير صحفية أن هذا المستشفى هو مستشفى هداسا في القدس. وهكذا، بينما كانت الأسرة في رام الله تبحث عن مكان ديمة وتنتظر أي معلومة، كانت هي في مستشفى هداسا تتلقى علاجاً قلبياً وهي تحت الاعتقال.

لم يكن خروج ديمة أمين من المستشفى نهاية لمسار اعتقالها. فبعد خضوعها للقسطرة القلبية في مستشفى هداسا، أُعيدت إلى مركز شرطة بنيامين (في محيط مستوطنة شعاري بنيامين شمال شرق رام الله) لاستكمال التحقيق، وفق ما نقلته تقارير صحفية عن محاميها. ومن هناك واصلت سلطات الاحتلال احتجازها، قبل أن تشير أحدث المعلومات المنشورة إلى نقلها لمركز توقيف المسكوبية في القدس، حيث مُدد اعتقالها خمسة أيام إضافية، برغم حالتها الصحية.


اقرأ أيضًا: عائلة الأسير أمجد عليوي: 12 عامًا قضت من أصل مؤبدين و30 عامًا"


لا تكشف المعلومات المنشورة تفاصيل طبية كاملة عن حالة ديمة أمين، غير أن الثابت في الروايات التي أوردتها المصادر أنها تعرضت لعارض قلبي أثناء احتجازها، استدعى نقلها إلى مستشفى في القدس، حيث خضعت لقسطرة قلبية، قبل أن تُعاد مجددًا إلى الاحتجاز. ولم تقتصر معاناتها، وفق ما نقلته منظمة بتسيلم عن محاميها، على المرض نفسه؛ إذ تحدثت ديمة خلال جلسة المحكمة عن القيود التي كُبلت فيها أثناء نقلها إلى المستشفى وأثناء وجودها فيه، وعن آثارها التي بقيت واضحة على معصميها.

وتتجلى المفارقة الأكثر قسوة في قصتها، طبيبة أمضت نحو ثلاثة عقود تعالج النساء وتخفف عنهن وطأة المرض، تجد نفسها على سرير المستشفى ولكن من مشهد آخر؛ معتقلة تتلقى العلاج مكبلة بالقيود.

بعد أن بقي سبب الاعتقال غامضًا في ساعاته الأولى، بدأ الملف القانوني بالظهور. فوفقًا لمحضر جلسة المحكمة الذي استندت إليه منظمة بتسيلم، تواجه ديمة أمين اتهامات تشمل التحريض، ودعم منظمة معادية، والإضرار بالأمن. وتضع بتسيلم هذه الاتهامات في سياق أوسع، معتبرةً أن بنودًا من هذا النوع باتت بعد أكتوبر 2023 تُستخدم على نطاق واسع لملاحقة فلسطينيين على خلفية تعبيرهم عن مواقفهم أو نشاطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تعتيم حول ما جرى

التعتيم الاعلامي حول الأسرى.jpg

منظمة بتسيلم لم تتعامل مع العارض القلبي بوصفه تفصيلاً طبيًا عابرًا. فبحسب بيانها، فإن ديمة واحدة من آلاف الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، وتقول المنظمة إن ظروف الاحتجاز منذ أكتوبر2023 اتسمت، بانتهاكات ممنهجة. لكنها ركزت في قضية ديمة تحديداً على المفارقة بين حالتها الصحية والاستمرار في احتجازها.

بالنسبة لبتسيلم، لا تنتهي المسألة عند السؤال عما إذا كانت ديمة متهمة أم لا، وإنما تمتد إلى الطريقة التي عوملت بها وهي في حالة صحية حرجة. ومنظمة أطباء بلا حدود قالت إنها تشعر بـقلق بالغ إزاء قضية اعتقال الدكتورة ديمة، ووصفتها بأنها أحدث ضحية في حملة "إسرائيلية" ممنهجة لملاحقة واعتقال الكوادر الطبية الفلسطينية. وربطت المنظمة قضيتها بأطباء فلسطينيين آخرين، بينهم حسام أبو صفية وإياد الرنتيسي ومحمد عبيد، وقالت إن عددًا من العاملين الصحيين الفلسطينيين ما يزالون في مراكز الاحتجاز "الإسرائيلية" بصورة تعسفية. وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

وتخرج قصة ديمة من إطارها الشخصي، فلم تعد فقط قصة لامرأة اعتُقلت من منزلها، أو طبيبة أصيبت بعارض قلبي داخل الاحتجاز؛ بل أصبحت، في خطاب أطباء بلا حدود جزءًا من قضية أوسع تتعلق بسلامة العاملين الصحيين الفلسطينيين ومصيرهم في منظومة الاعتقال "الإسرائيلية".

ولا تقف قصة ديمة أمين عند حدود اعتقال طبيبة واحدة؛ فهي تأتي في سياق أوسع تعيشه الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون "الإسرائيلية"، حيث يتحول الاعتقال إلى تجربة قاسية تتقاطع فيها القيود الجسدية مع الضغط النفسي والحرمان من الحقوق الأساسية. وبينما تدخل النساء المعتقلات إلى السجون بأعمار وتجارب وخلفيات مختلفة، تجمعهن تجربة واحدة عنوانها الاقتلاع من الحياة اليومية والعائلة والعمل، وما يرافق ذلك من ظروف احتجاز وانتهاكات وثّقتها منظمات حقوقية وإنسانية.

وهكذا، تصبح حكاية ديمة، بما حملته من مرض وقيد وغياب عن الأسرة، جزءًا من صورة أكبر لنساء فلسطينيات وجدن أنفسهن خلف القضبان، لا بسبب فقدان حريتهن فحسب، بل في مواجهة منظومة اعتقال تركت آثارها العميقة على أجسادهن وحياتهن وذاكرتهن.