الإنسان بطبيعته يفكر ويخطط لكل شيء. يضع الاحتمالات، ويرسم الطرق، ويتخذ القرارات وهو يظن أن ما اختاره هو الأنسب، وأن الأمور ستسير كما خطط لها. وقد يبني أفكاره وأحلامه على هذه الخطط، حتى إذا حدث أمر لم يكن في حساباته، أو انقلبت الموازين فجأة، شعر وكأن كل ما بناه قد انهار. عندها قد ينظر إلى نفسه على أنه فشل، ويبدأ في لوم نفسه، وربما يدخل في حالة من اليأس لأنه لم يحصل على ما أراد، أو لأن الطريق الذي تخيله لنفسه لم يسر كما كان يتمنى.
لكن ماذا لو لم تكن كل خسارة خسارة؟ ماذا لو كان ما حدث معك خيرًا لك، وإن لم تستطع أن تراه الآن؟ ماذا لو كان الله قد صرف عنك أمرًا لأن فيه ما لا تعلمه، أو أجّل عنك شيئًا لأن وقته لم يحن بعد؟ نحن لا نرى إلا اللحظة التي نعيشها، أما الله فيعلم ما قبلها وما بعدها، ويعلم أين يكون الخير لنا حتى حين نعجز نحن عن رؤيته.
وقد يؤجل الله عن الإنسان أمرًا يحبه لحكمة لا يدركها الآن، ثم يأتي يوم يفهم فيه لماذا تأخر، ولماذا لم يحدث في الوقت الذي أراده. وربما يحمد الله حينها على باب لم يُفتح، وعلى طريق لم يكتمل، وعلى أمر ظنه في يوم من الأيام خسارة. لذلك، فالحمد لله على كل أمر، وعلى كل هدف تأجل، وعلى كل طريق لم يسر كما أردنا. وليس معنى ذلك أن نتوقف عن السعي، أو أن نترك أحلامنا بحجة أن الله سيختار لنا، بل علينا أن نسعى ونعمل ما علينا، وندعو الله أن ييسّر لنا الأمر إن كان خيرًا، وأن يبعده عنا إن كان شرًا، وأن يختار لنا ولا يخيّرنا؛ لأننا كثيرًا ما نطلب شيئًا ونحن لا نعرف عاقبته، بينما الله يعلم ونحن لا نعلم.
فإذا تعسّر عليك أمر، ولم يُفتح لك بابه، فلا تتعجل في الحكم عليه. لا تقل فورًا: "لقد فشلت"، ولا تجعل تأخر ما تريد دليلًا على أنك لا تستحقه. ربما كان في الأمر خير لم تره بعد، وربما كان صرفه عنك حماية، وربما كان تأجيله إعدادًا لوقت أفضل. وإن كان الأمر بقدر الله، فهو لا يخرج عن علمه وحكمته، حتى لو لم نفهم الحكمة في وقتها.
اقرأ أيضًا: مدينة على قدميها.. تمشى بخطى مثقلة
وأنا شخصيًا مررت بمراحل كثيرة جعلتني أفهم هذا المعنى أكثر. فأنا طموحة جدًا، وأحب أن أتعلم كل شيء، وأن أكتشف مجالات متعددة، وأن أتوسع في علمي وثقافتي ومعلوماتي. أحب أن يكون لدي دائمًا هدف أسعى إليه، وشيء جديد أتعلمه، وطريق جديد أكتشفه. ومع ذلك، ليس كل ما أفكر فيه يتحقق، وليس في كل حين تفتح لي الأبواب، وهناك طرق لا تسير كما أريد، وأمور أتمنى حدوثها ثم أجدها تتأخر أو لا تحدث أصلًا.
لكن لدي يقين كبير بأن كل شيء سيحدث في وقته المناسب، عندما يريد الله له أن يحدث. وهذا اليقين هو ما أطمئن به نفسي، وخصوصًا في فترات الحرب التي جعلتنا نرى معنى الفقد والخسارة بصورة لم نكن نتخيلها. فأهل غزة جميعًا ذاقوا شيئًا من الخسارة. هناك من خسر أهله، وبقي وحده يحاول أن يحارب الحياة بما تبقى له من قوة. وهناك من خسر أطفاله الذين كانوا يهوّنون عليه متاعب الأيام، وينيرون حياته بضحكاتهم. وهناك من فقد بيته بعد أن بناه حجرًا فوق حجر، وجمع فيه سنوات من عمره وذكرياته وأمانه، ثم في لحظة أصبح ذلك البيت الذي كان مأوى له ذكرى لا يستطيع الوصول إليها.
عندما ترى مصائب الناس، قد تهون عليك مصيبتك، لا لأن مصيبتك أصبحت صغيرة، وإنما لأنك تدرك أن كل إنسان يحمل شيئًا لا تراه. قد تجلس إلى جانب شخص وتظنه بخير، بينما يحمل في داخله قصة كاملة من الفقد والصبر. ولهذا ربما نحتاج إلى أن نكون أرحم ببعضنا، وأن نتذكر دائمًا أننا لا نعرف ما يخوضه الآخرون في صمت.
وهناك من فقد عمله، أو دراسته، أو أحلامه، أو تفاصيل حياته التي اعتادها، أو الشعور البسيط بالأمان الذي كان يظنه أمرًا عاديًا. وهذه كلها خسارات حقيقية، ولا يمكن أن نطلب من الإنسان ألا يحزن على ما فقد. من الطبيعي أن نتألم، وأن نشتاق، وأن نتساءل، وأن نشعر بثقل ما حدث. لكن هناك فرقًا بين أن نحزن على ما فقدناه، وبين أن نجعل الفقد يسرق منا بقية حياتنا.
وعندما ترى مصائب الناس، قد تهون عليك مصيبتك، لا لأن مصيبتك أصبحت صغيرة، وإنما لأنك تدرك أن كل إنسان يحمل شيئًا لا تراه. قد تجلس إلى جانب شخص وتظنه بخير، بينما يحمل في داخله قصة كاملة من الفقد والصبر. ولهذا ربما نحتاج إلى أن نكون أرحم ببعضنا، وأن نتذكر دائمًا أننا لا نعرف ما يخوضه الآخرون في صمت.
ومع ذلك، تبقى في داخلنا أحيانًا نقطة تؤلمنا، وتعود إلينا أسئلة لا تنتهي: لماذا حدث هذا؟ لماذا أنا؟ لماذا لم تسر الأمور كما خططت لها؟ لماذا تأخر هذا الأمر؟ ولماذا فُتح هذا الباب ثم أُغلق؟ وقد تكون هذه الأسئلة من أكثر الأشياء التي تتعب الإنسان، خصوصًا عندما يظل يعيدها في رأسه وكأنه يستطيع أن يعود إلى الماضي ويغيّر ما حدث. لكن ما حدث قد حدث، وما نستطيع فعله الآن هو أن نختار كيف ننظر إليه.
لا تجعلوا هذه الأسئلة تسيطر على حياتكم. اسألوا، وتأملوا، وتعلموا من تجاربكم، لكن لا تعيشوا أسرى لما لا تستطيعون تغييره. فليس مطلوبًا منك أن تفهم الحكمة كاملة في اللحظة نفسها التي يحدث فيها الأمر. بعض الحكم لا تظهر إلا بعد وقت، وبعض الإجابات لا تأتي إلا بعد أن نبتعد عن الموقف وننظر إليه من مكان آخر.
لا يعني الرضا أن نتوقف عن الحلم، أو أن نتخلى عن طموحنا. بل ربما يكون الرضا هو أن نستمر في الحلم والسعي، لكن من دون أن نظن أن الحياة يجب أن تسير دائمًا وفق الخطة التي رسمناها نحن.
وكم من أمر بكينا عليه لأننا ظنناه نهاية، ثم اكتشفنا بعد فترة أنه كان بداية لشيء آخر. وكم من باب أغلق في وجوهنا فظنناه حرمانًا، ثم اكتشفنا أنه كان حماية. وكم من شيء تمنيناه بإصرار، ثم حمدنا الله بعد سنوات لأنه لم يكن من نصيبنا. لهذا لا تنظر إلى ما فقدته بعين الخسارة وحدها. انظر أيضًا إلى ما تعلمته، وما أصبحت عليه بعد تلك التجربة، وما حفظك الله منه دون أن تعلم. فليس كل ما يرحل من حياتنا يتركنا فارغين؛ بعض الأشياء ترحل، لكنها تترك فينا وعيًا لم يكن لدينا، وقوة لم نكن نعرف أننا نملكها، ونضجًا يجعلنا نفهم الحياة بطريقة مختلفة.
وقد يكون العوض في الدنيا، وقد يتأخر، وقد يأتي في صورة لم نتوقعها، وقد يكون أجرًا عند الله لا نراه الآن. لكنني أؤمن أن شيئًا لا يضيع عند الله. كل تعب، وكل دعاء، وكل صبر، وكل مرة حاولت فيها أن تنهض بعد أن ظننت أنك لن تستطيع، لها قيمة عند رب كريم. فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما أخذ، والحمد لله على ما يسّر، والحمد لله على ما أخّر.
ولا يعني الرضا أن نتوقف عن الحلم، أو أن نتخلى عن طموحنا. بل ربما يكون الرضا هو أن نستمر في الحلم والسعي، لكن من دون أن نظن أن الحياة يجب أن تسير دائمًا وفق الخطة التي رسمناها نحن. اعمل ما عليك، واسعَ، وتعلم، وحاول، وادعُ الله، ثم اترك له مساحة في خططك. فإن تحقق ما تمنيناه، حمدنا الله. وإن تأخر، صبرنا. وإن لم يحدث، وثقنا أن وراءه حكمة، حتى لو لم نفهمها الآن.
اقرأ أيضًا: الاغتراب عن ذات في وطن يتلاشى... فلسطينيو الضفة
وربما بعد سنوات، سنلتفت إلى أشياء ظننا يومًا أننا خسرناها، ونبتسم لأننا سنعرف حينها أنها لم تكن خسارة، بل نجاة. فما خسرته اليوم قد يكون هو الشيء الذي حماك من خسارة أكبر غدًا. وما تأخر عنك قد يكون في طريقه إليك، ولكن في الوقت الذي كتبه الله لك. وما لم يحدث، قد يكون من أجمل الأشياء التي لم تحدث لك.
فلا تتعجل الحكم على ما يحدث في حياتك. اترك لله مساحة في خططك، وفي أحلامك، وفي الأشياء التي تتمنى الوصول إليها. اسعَ، واعمل، وابذل ما تستطيع، ولكن لا تنسَ أن هناك تدبيرًا أكبر من تدبيرك. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: "ماذا خسرت؟" وإنما: "ماذا حفظ الله لي حين خسرته؟""
حين نصل إلى هذه النقطة، نفهم أن بعض الخسارات كانت رحمة، وبعض التأخيرات كانت حماية، وبعض الأبواب المغلقة كانت طريقًا إلى أبواب لم نكن نعرف أنها موجودة. فاطمئن. ما دام الأمر بيد الله، فهناك حكمة، وإن لم ترها الآن. وما دام الله قد اختار، فثق أن اختياره أرحم من اختيارك لنفسك.
فمن وجد الله، ماذا فقد؟ ومن فقد الله، ماذا وجد؟ لذلك، احمدوا الله دائمًا؛ في العطاء والمنع، في الوصول والتأخير، في الفرح والابتلاء. فربما يكون الشيء الذي تبكي اليوم لأنك فقدته، هو نفسه الشيء الذي ستحمد الله غدًا لأنه لم يكن من نصيبك.

