بنفسج

الاغتراب عن ذات في وطن يتلاشى... فلسطينيو الضفة

الخميس 20 اغسطس

ماذا يعني الاغتراب في وطنك؟
ماذا يعني الاغتراب في وطنك؟

ليس الاغتراب دائمًا أن تحمل حقيبتك وترحل بعيدًا عن وطنك، فقد يكون أشدُّ أنواع الاغتراب أن تبقى في المكان نفسه، وتمشي في الشارع نفسه، وتصلي في المسجد نفسه، وتشرب قهوتك في المقهى نفسه، ثم تكتشف أن الذي تغيّر ليس المكان، بل أنت. ذلك هو الاغتراب، أن تستيقظ صباحًا على خبر اقتحام مدينة، أو مصادرة أرض، أو هدم منزل، أو اعتقال شاب، فتشعر بوخزة الألم، ثم تمضي في يومك كأن شيئًا لم يكن. قد لا يكون لأن قلبك فقد حساسيته، ولا لأن إنسانيتك قد ماتت، بل لأنك تعبت حتى أصبح الاستثناء عادة، وأصبح الألم جزءًا من إيقاع الحياة اليومية.

ليست المأساة في أن الاحتلال ازداد بطشًا، فهذا ما يعرفه كل فلسطيني فهذه عادة كل محتل غاضب، وإنما المأساة في أن الإنسان بدأ يتكيف مع ما كان ينبغي ألا يتكيف معه. فالتكيف ضرورة للبقاء، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول إلى حالة نفسية دائمة، وحين لا يعود الإنسان يشعر بأن ما يعيشه وضع غير طبيعي يجب مقاومته، بل واقعًا طبيعيًا ينبغي التأقلم معه. عندها لا ينتصر الاحتلال بالسلاح وحده، بل ينتصر لأنه نجح في إعادة تعريف الطبيعي وغير الطبيعي داخل الوعي.

كان جيل الآباء يحمل القضية على كتفيه، يشعر أنها مسؤوليته الشخصية، وأن مصيرها مرتبط بقدرته على الفعل. أما كثير من أبناء هذا الجيل فيحملون القضية في هواتفهم؛ يتابعون الأخبار لحظة بلحظة، ويعرفون أسماء القرى المهددة بالمصادرة، وأعداد المعتقلين، ومساحات الاستيطان، ثم يغلقون الشاشة ويعودون إلى تفاصيل يومهم. صار الوطن حاضرًا في كل إشعار يصل إلى الهاتف، لكنه غائب عن الإحساس بالقدرة على التأثير. أصبحنا نتابع القضية أكثر مما نعيشها، ونستهلك أخبارها أكثر مما نشارك في حملها.

ولا ينبغي أن يكون هذا الكلام إدانة لجيل بأكمله، فسنوات طويلة من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية تركت آثارها العميقة في النفوس. الإنسان الذي يعيش عمره بين الحواجز، ويخشى على رزقه، ويقلق على أسرته، ويشهد انسداد الأفق عامًا بعد عام، يبحث بطبيعته عن مساحة يحتمي بها من الانهيار،لكن الخطر يبدأ عندما تتحول وسائل الحماية النفسية إلى أسلوب حياة، وحين يصبح الهم الأكبر هو النجاة الفردية، بينما يتراجع الإحساس بالمسؤولية العامة إلى آخر سلم الأولويات.


اقرأ أيضًا: مدينة على قدميها.. تمشى بخطى مثقلة


في الضفة الغربية لا تقف الحواجز عند مداخل المدن والقرى، بل يبدو أحيانًا أنها امتدت إلى داخل الإنسان نفسه !أصبح كثيرون يقيسون أحلامهم على مساحة الممكن لا على مساحة الحق، ويحسبون خطواتهم وفق ما يفرضه الواقع لا وفق ما تمليه القيم. يتحدث الناس كثيرًا عن كيفية العبور، وكيفية المحافظة على العمل، وكيفية تأمين المستقبل، وهي كلها مطالب مشروعة لا يستطيع أحد إنكارها، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: متى تحولت هذه الضرورات إلى كل حياتنا؟ ومتى أصبح البقاء هدفًا في ذاته، بعدما كان وسيلة لحمل رسالة أكبر؟

إن أخطر ما يفعله الاحتلال ليس الاستيلاء على الأرض، بل الاستيلاء على الإحساس بالأرض. ليس أن يهدم بيتًا، بل أن يجعل خبر هدم البيوت خبرًا عاديًا. وليس أن يغلق طريقًا، بل أن يقنعك بأن الالتفاف حول الطرق المغلقة هو الشكل الطبيعي للحياة. فالسيطرة على الجغرافيا، مهما اتسعت، تبقى محدودة، أما السيطرة على الوعي فهي التي تغيّر الإنسان من الداخل، حتى يبدأ هو بنفسه في ترتيب حياته وفق الحدود التي رسمها له غيره، دون أن يشعر أنه يفعل ذلك.

الاغتراب عن الذات الرسالية لا يولد دفعة واحدة، بل يُصنع ببطء ،يبدأ حين يقتنع الإنسان أن صوته لا أثر له، وأن المبادرات لا تغيّر شيئًا، وأن المؤسسات فقدت قدرتها على تمثيل آمال الناس، وأن لقمة العيش أصبحت تستنزف كل طاقته. ومع مرور السنوات لا يكتشف أنه خسر أرضًا أو فرصة فحسب، بل يكتشف أنه خسر جزءًا من نفسه.

ومن هنا تنشأ مفارقة قاسية يعيشها كثير من شباب الضفة. فهم يعرفون كل شيء، لكنهم يشعرون أنهم لا يملكون شيئًا. يزداد وعيهم بتفاصيل المشهد، بينما يتضاءل شعورهم بالقدرة على الفعل. ومع الزمن يتحول الإحباط إلى لامبالاة، لا لأنها خيار أخلاقي، بل لأنها آلية دفاع نفسي. ثم تتسلل الغربة إلى الداخل، فيغترب الإنسان عن الصورة التي كان يحملها لنفسه؛ صورة الإنسان الذي ينتمي إلى قضية، ويشعر أن له دورًا فيها.

الاغتراب عن الذات الرسالية لا يولد دفعة واحدة، بل يُصنع ببطء ،يبدأ حين يقتنع الإنسان أن صوته لا أثر له، وأن المبادرات لا تغيّر شيئًا، وأن المؤسسات فقدت قدرتها على تمثيل آمال الناس، وأن لقمة العيش أصبحت تستنزف كل طاقته. ومع مرور السنوات لا يكتشف أنه خسر أرضًا أو فرصة فحسب، بل يكتشف أنه خسر جزءًا من نفسه، وأن المسافة بينه وبين الشخص الذي كان يحلم أن يكونه أصبحت أكبر من المسافة بينه وبين أي مدينة محاصرة.


اقرأ أيضًا: زوجات الأسرى: على بوابة الغياب.. تقف امرأة


ومع ذلك، فإن هذه الذات لا تموت. إنها تنكمش، وتختبئ، وتنتظر من يوقظها من جديد. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة استعادة الغضب، بل معركة مقاومة الاعتياد. لأن الاعتياد هو أخطر أشكال الهزيمة؛ فهو لا يسرق الأرض فقط، بل يسرق القدرة على الشعور بأن ما يحدث غير طبيعي. وما دام الإنسان يحتفظ بهذه القدرة، فإنه لا يزال قادرا على الوقوف والصمود والثبات

إن أخطر خسارة ليست أن يفقد الإنسان جزءًا من أرضه، بل أن يفقد الصورة التي كان يحملها عن نفسه. والأوطان لا تُبنى بالجغرافيا وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بإنسان يرفض أن يغترب عن رسالته، مهما ضاقت به السبل. فاستعادة الذات ليست شعارًا، بل بداية استعادة القدرة على الفعل، وعلى رفض أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يصبح التلاشي قدرًا لا يُقاوم.