بنفسج

مصطفى أبو عرّة ... شيخنا الذي قتله الاحتلال في سجنه واحتجز جثمانه

الجمعة 21 اغسطس

الأسير الشهيد مصطفى أبو عرة
الأسير الشهيد مصطفى أبو عرة

أحد عشر يومًا، والأسير الشيخ مصطفى أبو عرّة يعاني من آثار اعتداء وحشي بالضرب تعرض له على يد وحدات القمع في سجن ريمون، قبل أن يُنقل إلى عيادة السجن، ثم يُعاد إلى غرفته دون أن يتلقى أي رعاية أو علاج طبي، مع العلم بأن الشيخ كان يعاني من أمراض مزمنة، أبرزها سرطان الدم، والضغط، والغضروف، وزراعة شبكيات والطحال.

وخلال هذه المرحلة، تفاقمت حالته الصحية بشكل خطير، إذ أصيب على إثرها بالتهاب حاد في الدماغ، ما انعكس سلبًا على قدراته الذهنية والجسدية، حتى أفقده القدرة على النطق والتفاعل مع محيطه بشكل كبير. وبعد أقل من 24 ساعة، استمر التدهور في وضعه الصحي، لينقل بعد ذلك إلى مشفى سوروكا بالداخل المحتل، حيث مكث قرابة 10 أيام وسط تكتم تام على وضعه الذي تدهور بشكل خطير، حتى ارتقائه شهيدًا.

من هو الشيخ  مصطفى أبو عرّة؟

IMG-20260820-WA0076.jpg

من هنا بدأ حوارنا مع زوجة الأسير، السيدة نزهة، التي أفصحت خلال حديثها عن مدى إرهاب المحتل وإجرام سجانيه بحق الشيخ، وكذا الأسرى، خاصة عقب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، فلم يبق الاحتلال وسيلة في التعذيب والتنكيل إلا واتبعها ضد الأسرى الفلسطينيين. قاطعتها بسؤال، شعرت بثقله على مسمعها من تعابير وجهها: كيف عرفتم باستشهاد الشيخ؟ تنهدت السيدة نزهة، ثم سكتت لبرهة، وقالت بتمتمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل".

"وصلنا الخبر في البداية قبل أسبوع من استشهاد أبو عبادة عن تدهور وضعه الصحي من خلال أسرى محررين ومحامين، لكن لم يكن هناك أي شيء واضح حول وضعه الصحي، وخبرونا أنه في مشفى الرملة، وقد ذهب أحد المحامين إلى المشفى لزيارته وطمأنتنا عليه، إلا أن الإدارة نفت وجود الشيخ في أقسامها»".


اقرأ أيضًا: مريم عبد ربه: بعد أن بتر السرطان قدمها.. قتلت الحرب والدها


حينها ازدادت خشية العائلة على الشيخ، ومرت الأيام ثقيلة تحمل معها المجهول، وأخذت العائلة على عاتقها تفعيل قضيته، وإطلاق المناشدات إلى مختلف الجهات ذات الاختصاص، الإنسانية منها وتلك المعنية بقضية الأسرى، وكان من أبرز تلك الجهات منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، في محاولة للوقوف على حالته الصحية والضغط من أجل ضمان حقه في العلاج والرعاية الطبية على أقل تقدير.

لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، لتدخل العائلة في دوامة من القلق والخوف، فيما كانت الدقائق تمر عليها كأنها سنوات، ولم تعرف طعمًا للنوم أو الراحة، إذ كان يشغلها هم واحد: مصير الشيخ وحياته. حتى جاء يوم 25/7/2024، حين وصلت إلى العائلة معلومات تفيد بتدهور خطير طرأ على وضعه الصحي، وأنه يتواجد في مشفى سوروكا بالداخل الفلسطيني المحتل.

جاءت هذه المعلومة قبل سويعات قليلة من انتشار تسريبات تشير إلى استشهاد الشيخ، لتعيش العائلة لحظات عصيبة بين الخوف والانتظار، حتى جاء ذلك الخبر الذي غيّر حياة العائلة وكل محبيه، وتصدرت عناوين الأخبار وتناقلته وسائل الإعلام: "استشهاد الأسير الشيخ القيادي مصطفى أبو عرّة في سجون الاحتلال".

استشهاد الشيخ

IMG-20260820-WA0079.jpg

تضيف العائلة: "وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، بين عدم التصديق والنفي، ومحاولة التمسك ببصيص من الأمل أن يكون ذلك كذبًا أو حلمًا نستفيق منه بعودته إلينا". كان وقع الفقد قاسيًا ومخيفًا، يفوق قدرة العائلة على الاستيعاب، ولعل وجوده في السجن ضاعف من قسوة الصدمة، إذ حُرموا من وداعه ورؤيته في لحظاته الأخيرة.

هذه اللحظة كانت أقسى من 12 عامًا متفرقة قضاها الشيخ مصطفى في سجون الاحتلال، وفي الإبعاد إلى مرج الزهور، وبلا شك، إن مرحلة الاعتقال وتبعاتها التي لا تنتهي بالنسبة للعائلة صعبة جدًا، لكن عودته سالمًا إلى أحضانها كانت تمحو عناء تلك السنوات، ففي كل مرة كان يتنسم فيها الشيخ الحرية، كانت بمثابة ولادة جديدة له ولعائلته التي كانت تفتقده في كل لحظة ومناسبة وصورة.

وتعقب السيدة نزهة بالقول: "أمل اللقاء مرة أخرى بالشيخ كان يخفف عنا عذابات الغياب، كما المطر يسقي صحراء شوقنا العطشى، أما أن يكون هذا الرحيل أبديًا دون عودة ودون حتى أن نرى جثمانه، فذلك كان ما لا يحتمل". جريمة مركبة نفذها الاحتلال بحق الشيخ مصطفى، بدأت بالتنكيل به، لتتفاقم بإهماله طبيًا وعدم الاكتراث بأمراضه وأوجاعه، غير آبه بكبر سنه، ليس ذلك فحسب، بل وعمد الاحتلال إلى إلحاق أكبر ألم ممكن بالعائلة، تمثل باحتجاز جثمانه في ثلاجاته رغم المطالبات الحثيثة بتسليمه.

اعتقال وإهمال طبي

IMG-20260820-WA0078.jpg

وفي هذا الصدد تقول الزوجة: "لا شك أن احتجاز الجثمان جريمة كبرى وسادية تعبر عن هذا المحتل الذي يتلذذ بعذابات شعبنا، وكيف لا، وفي ديننا فإن إكرام الميت دفنه، ولليوم لا نستطيع وداعه ولا دفنه، وكأن الجرح مفتوح لا يندمل، ووجع مستمر ينكأ باستمرار". من جهتهم، شدد أسرى مفرج عنهم وعائلة الشهيد على أن ما حصل مع الشيخ مصطفى أبو عرّة هو جريمة اغتيال وتصفية بطيئة وممنهجة، وعن سبق إصرار وترصد.

اعتُقل الشيخ أبو عرّة لأول مرة عام 1990، ثم توالت اعتقالاته، وتعرض خلالها لتحقيق قاسٍ، لتبلغ مجموع سنوات اعتقاله 12 عامًا. هذا وأبعدته قوات الاحتلال إلى مرج الزهور في جنوب لبنان أواخر عام 1992، فيما اغتالت شقيقه علان، أحد كوادر كتائب القسام، عام 1996 بالقرب من بلدة الجلمة، قضاء جنين، كما تعرض الشيخ للاعتقال السياسي، كان آخرها في يوليو/تموز 2023.


اقرأ أيضًا: اغتيال مقاوم في عين الشمس.. إلى اللقاء وليد هنية


الشيخ مصطفى محمد سعيد أبو عرّة، 63 عامًا، استشهد في سجون الاحتلال بعد تسعة أشهر على اعتقاله. ينحدر من بلدة عقابا شمال طوباس، وتزوج من السيدة نزهة محمود سعيد أبو عرّة عام 1985، وأنجبا ثمانية أبناء (6 ذكور وابنتين)، وهم: عبادة، زيد، محمد، عمرو، زهور، زينب، زين الدين، عز الدين.

عائلة الشيخ أبو عرّة واحدة من العائلات الفلسطينية التي تجرعت مرارة الاعتقال وسياسة الباب الدوار، أي الاعتقال لدى الاحتلال وأجهزة السلطة الفلسطينية. فقد طالت الاعتقالات أبناءه؛ إذ اعتقلت قوات الاحتلال زين الدين قبل اعتقال والده الأخير بنحو شهر، واستمر اعتقاله لمدة عامين ارتقى والده خلالهما شهيدًا، في حين اعتقلت أجهزة السلطة بقية أبنائه مرات عديدة.

احتجاز جثمان الشيخ

IMG-20260820-WA0080.jpg

كان الشيخ أحد أبرز القيادات الوطنية والإسلامية والشخصيات الاعتبارية في الضفة الغربية، فكان إمامًا وخطيبًا وواعظًا، كما تقلّد عدة مناصب، وأسهم من خلالها في خدمة الناس وتعزيز دوره الديني والمجتمعي، فكان مدير مكتب زكاة جنين لشهور، ومدرسًا للتربية الإسلامية، ومأذونًا شرعيًا، ومديرًا لمكتب رابطة علماء فلسطين في محافظة جنين لعدة سنوات، في حين انتُخب الأسير الشهيد رئيسًا لمجلس شورى الحركة في محافظة جنين لدورتين متتابعتين (1998-2007).

تستطرد العائلة: "انتمى الشيخ لجماعة الإخوان المسلمين أثناء دراسته الجامعية، وشارك في نشاطاتها الطلابية التوعوية والدعوية، وبعد عودته من الأردن إلى فلسطين عام 1985 مارس العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي مع الجماعة، ليغدو أحد أبرز قادة حركة حماس ومؤسسيها في بلدة عقابا ومحافظتي طوباس وجنين، مشاركًا في إعداد وتنفيذ العديد من فعالياتها".

ولعل ما يخفف فاجعة الفقد كلمات الزوجة الصابرة المحتسبة أم عبادة: "عزاؤنا أن الله اصطفاه إليه وأراحه من عذابات السجون والدنيا، ونسأل الله له القبول ولنا الأجر والثواب بالصبر، وما يزيدنا صبرًا وطمأنينة علامات القبول والرؤى التي نراه فيها ويراها كثير من الناس، وفيها كلها يكون بأفضل حال وبصحبة الشهداء وصحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم".


اقرأ أيضًا: رافع سلامة... رافعة الضيف ومفتاحه وظله.. شهيدًا وعائلته


قبل ختام الحوار، سألتُ الخالة أم عبادة: "لو كان الشيخ يسمعك الآن، ماذا ستقولين له؟". أجابت: "مشتاقينلك يا حبيب، نشتاق لك في كل لحظاتنا، غيابك أتعبنا، كنا نتمنى أن تكون بيننا في كل اللحظات، مع كل مولود وحفيد جاء إلى هذه الدنيا وأنت غير موجود".

تضيف، وقد فاضت عيناها بالدموع: "نفتقدك أبو عبادة في كل لحظات الألم والتعب، في مرض عز الدين نجلك الأصغر، والذي لم يذق من الحياة إلا مرارتها، ولما نجح في الثانوية العامة كان خبر استشهادك أسرع من خبر نجاحه، وزاد في ذلك مرضه بعد أسابيع من استشهادك، ولليوم هو في التشافي من أثر السرطان وعملية استئصال الورم، نفتقدك يا حبيبنا في كل المقامات التي كنت تثبت بها قلوبنا".

وكانت مؤسسات الأسرى قد وثقت ارتقاء 91 شهيدًا من الأسرى منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، كان آخرهم الأسير إيهاب دياب، الذي أخفى الاحتلال مصيره، قبل أن يعترف باستشهاده في أيلول/سبتمبر 2024، بينما لا يزال مصير العشرات من معتقلي غزة مجهولًا. هذا، ويواصل الاحتلال احتجاز جثامين 99 أسيرًا قبل الإبادة وبعدها، في حين ارتقى 328 شهيدًا من الأسرى منذ عام 1967.